متشائل: منعرج انقلابي أم فاصل ديمقراطي؟

متشائل: منعرج انقلابي أم فاصل ديمقراطي؟

النظام الإداري التونسي بلغ ما بلغ من ضعف وعطالة، ولم يتبقّ إلا أن يتفتت نهائيًا ويندثر لو وقعنا في شرك "الإمبراطور السيء" (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

مقال رأي

 

سنة 2003، نشر الصحفي الإيطالي ريكاردو أوريزيو كتابه "حديث الشيطان: مقابلات مع سبعة طغاة"، والذي جمع فيه مجموعة من اللقاءات الصحفية أجراها مع سبعة من طغاة العالم، كما يشير العنوان، والذين ملأت عربدتهم صحف العالم أواخر القرن العشرين.

يقول: "لا يزال عيدي أمين أبابا (أوغندا)، مزهوًا بمحطة الإرسال الفضائي التي قام بإنشائها... وبوكاسا (إفريقيا الوسطى) يفاخر بتتويجه إمبراطورًا من البابا... أما نيكميجي خوجة (ألبانيا)، التي أمرت بحلق لحية وشنب كل غريب فقط لأنها تستطيع، لا تزال مزهوة بزيارة ومباركة الأم تيريزا لها". تناول أوريزيو السيرة الذاتية لكل طاغية التقاه، وساءله حول ما قام به ولمَ قام به. المتقاطع حول جلّ الإجابات كان: كل الطغاة لم يكونوا يريدون إلّا صلاحًا لشعوبهم وأوطانهم، ولم يفعلوا ما فعلوه إلا في سبيل المصلحة العليا للبلاد التي قدروها.

الاستبداد مغر ووصفته سهلة: أزمة اقتصادية طويلة تفضي إلى إحباط عام، تحشيد شعبي حول الأسباب إلى أن يتشكل وعي جماعي يغذيه الحنق على هؤلاء الواقفين أمام سعادة الجماهير، ثم رغبة جامحة نحو السلطة تعززها ذراع حديدية، في النهاية ينتفض الزعيم

تنتشر في الأدبيات السياسية المنظّرة للديمقراطية كلمة دمقرطة، المعربة عن كلمة Démocratisation، والتي تعني الانتقال من الأنظمة الاستبدادية إلى الأنظمة الديمقراطية، مرورًا بمسار الانتقال الديمقراطي مثل الذي نعيشه منذ عشر سنوات. لكن، يكاد لا يوجد، في حدود ما وصل إلى أيدينا، كلمة تعني عملية التحول من أنظمة ديمقراطية إلى أنظمة ديكتاتورية، إذ تتلحفها كلها بعبارات تتشارك أنها تعبير عن إرادة الشعب. وعبثًا نحاول، فعلى ما يبدو لم يتجرأ أحد على التنظير لبديهيات الانتقال الاستبدادي، على خطى ملهم طغاة القرن العشرين، هتلر: حادث ألمانيا الديمقراطي سنة 1933.

اقرأ/ي أيضًا: مجريات تطور الأحداث في تونس بعد قرارات قيس سعيّد

الاستبداد مغر طريقه واضحة ووصفته سهلة: أزمة اقتصادية طويلة تفضي إلى إحباط عام وتململ شعبي، تحشيد شعبي حول الأسباب: قد يكون اليهود في الحالة الألمانية، الهنود في الحالة الأوغندية... إلى أن يتشكل وعي جماعي، يغذيه الحقد والحنق، حول هؤلاء الواقفين أمام سعادة الجماهير، ثم رغبة جامحة نحو السلطة تعززها ذراع حديدية عسكرية كانت أو أمنية، وربما ميليشياوية، في النهاية ينتفض الزعيم، ويبدأ المشوار الطويل نحو تدعيم العرش من خلال المهادنة تارة والتطمين تارة أخرى، مع العمل على ترويج سراب السعادة اللائحة في الأفق عبر وسائل السلطة الناعمة منها (البروباغندا) والحديدية.

لا يختلف اثنان في تونس حول ما عشناه طيلة العشرية الفارطة بصفة عامة، والسنتين الفارطتين بالخصوص، من عبث وتدهور اقتصادي واجتماعي. مسار انتقالي متعثر ومستمر في الانحدار. طبقة سياسية مترهلة فاقدة للمشروعية، طفولية وغنائمية. لا اختلاف حول التشخيص، الوضع متعفّن حسب أكثر التقديرات تفاؤلًا، وتساءلنا في عديد المقالات في فضائنا هذا، وآخرها منذ شهر تقريبًا: سنتان من العبث في تونس... متى ينتهي هذا البؤس؟ تعطل الاستمرار وكلّت العزائم ونفر كثيرون من هذا الحلم الديمقراطي الذي تحول إلى كابوس مضنٍ.

 البيانات الخارجية تقاطعت حول: قم بما يجب القيام به ضمن القانون، لتلافي العقم والعجز السياسي، مع العودة بسرعة إلى المسار القانوني الدستوري. أي إننا ربما إزاء حقنة حياتية: موجعة لكن قد تكون شافية

طيب، دون الخوض في الأسباب والمسؤوليات التي تتشارك فيها كل المكونات السياسية، والاجتماعية، دون استثناء حتى ساعة كتابة هذه السطور، ولو بتباين قدر هذه المسؤوليات. كان لا بد من عملية موجعة ودون تبنيج. بقي السؤال المطروح دومًا حتى الساعات القليلة التي سبقت إعلان الإجراءات الاستثنائية/الانقلابية: من سيقوم بها وكيف؟ طيب، أعلن الرئيس قيس سعيّد يوم 25 جويلية/يوليو ما أعلن. انقلاب أم تعديل مسار؟ هذا رهين التمخضات الداخلية والخارجية، وما ستؤول إليه الأوضاع في الأيام المقبلة. عدا هذا، إجابات وتحليلات، ومواقف وتموقعات، يسندها إما تجريد علمي أو ميولات عاطفية، أيضًا حسابات ومراودات سياسية. الثابت: وقع ما وقع، أو الإجابة الفرنسية في مثل هذه المواقف: السيء حدث le mal est fait. حسب تقديرنا الخاص على الأقل.

اقرأ/ي أيضًا:  أزمة النظام السياسي أم أزمة القوى الديمقراطيّة؟

قدم الرئيس تطمينات تلتها تطمينات، عن الحريات والحقوق، لعدد من الهيئات والمنظمات الاجتماعية. البيانات الخارجية تقاطعت حول: قم بما يجب القيام به ضمن القانون، لتلافي العقم والعجز السياسي، مع العودة بسرعة إلى المسار القانوني الدستوري. أي إننا ربما إزاء حقنة حياتية: موجعة لكن قد تكون شافية.

 يقول فريديك نيتشه: لا يوجد حقيقة، هناك وقائع. في غياب المحكمة الدستورية، من يستطيع أن يوفر حقيقة/تأويل مخالف للتأويل الذي استند عليه الرئيس؟ على الطريقة الستالينية، من يمتلك القوة له أن يفرض الحقيقة التي يراها. وما بيانات المنظمات التي التقت الرئيس في اليومين الماضيين، إلا محاولات لتصديق تلك الحقيقة.

في تاريخ المنطقة العربية، الأرض الخصبة للانقلابات تاريخيًا، لم يقد أي انقلاب إلى انتخابات ديمقراطية فهل سيكون الرئيس سعيّد استثناءً تونسيًا؟ أم للتاريخ أحكامه لاسيما وأن خطوة الاستبداد تبدأ بالطمأنة؟

في العقيدة الكنفشيوسية الصينية، التي تتدخل أيضًا في الحياة السياسية منذ أيام هان العظيم حتى أيام الحزب الشيوعي الصيني هذه، يقع تربية الحكام المفترضين على مجموعة من الأخلاق والمبادئ، ويقع تزكية أكثر الملتزمين بها إمبراطورًا. تبقى المعضلة الكونفشيوسية: الإمبراطور الجيد والإمبراطور السيء كما وضح فوكاياما ذلك في كتاب أصول النظام السياسي: "في ظل زعامة إمبراطور قوي وقادر، يمكن للنظام أن يتميز بقدر لا يصدق من الكفاءة والفاعلية والحسم. لكن تحت قيادة ملوك متقلبين أو عاجزين، كثيرًا ما تضعف السلطات الهائلة الممنوحة لهم فاعلية النظام الإداري وكفاءته." هذا ما أسماه فوكوياما بمعضلة الإمبراطور السيء. عرضًا نشير إلى أن النظام الإداري التونسي بلغ ما بلغ من ضعف وعطالة، ولم يتبقّ إلا أن يتفتت نهائيًا ويندثر لو وقعنا في شرك الإمبراطور السيء.

في تاريخ المنطقة العربية، الأرض الخصبة للانقلابات تاريخيًا، لم يقد أي انقلاب إلى انتخابات ديمقراطية، عدا المشير سوار الذهب في السودان الذي حكم بين 1985 و1986 ثم قام بانتخابات لم يترشح فيها وغادر نحو السعودية، تاركًا البلاد وأهلها وراءه. فهل سيكون الرئيس سعيّد استثناءً تونسيًا مرة أخرى؟ أم للتاريخ أحكامه لاسيّما وأن خطوة الاستبداد تبدأ بالطمأنة، كما فعل بن علي سنة 1988 عبر الميثاق الوطني؟ في المسلسل الإيطالي روما (2005)، في طريقهما إلى البرلمان لطلب تفويض كامل للسلطات قبل الدخول في الحرب، أي ديكتاتورية مؤقتة مع إضمار استدامتها، يسأل أنطونيو قيصر: "ماذا سيكتب عنّا التاريخ؟" يجيب قيصر: "لو انتصرنا وعشنا، نحن سنكتبه، ولو انهزمنا متنا، ماذا سيغير ما سيكتب؟" تبقى العديد من الأسئلة معلقة في انتظار الإجابة التي ستحملها الأيام القادمة. بالنسبة لي، أستعير عنوان رواية إميل حبيبي، "أنا متشائل".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

حالة الاستثناء:شرعية منقوصة ومشروعية تنتظر الإنجاز

ردود الفعل الدولية من قرارات سعيّد.. حذر ودعوات للتمسك بالدستور والديمقراطية