سنوات الانتقال العشر في تونس: نظرة من الداخل

سنوات الانتقال العشر في تونس: نظرة من الداخل

محاولة "لاستعادة" عشر سنوات من الانتقال الديمقراطي (صورة أرشيفية/كريستوفر فيرلونغ/ Getty)

 

مقال رأي

 

هل يمكن أن يعبّر الحميمي عن قضيّة موضوعيّة؟ هذا سؤال قديم جديد فقد سبق لرائد الأنثروبولوجيا البنيويّة كلود ليفي شتراوس أن نبّه إلى أهميّة الحميمي وكلّ ما تعلّق بالمشاعر والأحاسيس في الدراسة العلمية. وأنّ الحميمي قد يكن أقدر على الإحاطة بالموضوع من المنهجي والمفهومي. وذهب في آخر كتاباته إلى تعريف جديد للأنثروبولوجيا على أنّها "القدرة على تحويل الحميمي إلى موضوع للدراسة العلميّة.

في هذا الإطار، استعدنا عشر سنوات من الانتقال الديمقراطي بنكهة حميميّة دون ادعائنا القدرة على تحويل مشاعرنا إلى حقائق موضوعية.  

  • أشواق التأسيس

عشنا سنوات الانتقال بكلّ عنفوانها، بعد أن فتحت الثورة مجالاً سياسيًّا ظلّ مغلقًا حتّى مع دولة الاستقلال التي أمّمت قوّة الدفع العظيمة نحو التجسيد الجماعي لبناء وطن حرّ ناهض.

انشدَدْنا إلى يوميّات الانتقال وجرينا وراء تفاصيلها ونحن فاعلون فيها في محاولة لفهم تقلّباتها والبحث لها عن معقوليّة تطمئننا على أنّها ستُرْسي عند حال يسرّ عشّاق الحريّة وينصف خصومها. وعلى أمل أن تتأسّس الديمقراطيّة في بناء سياسي على قاعدة المواطنة والعيش المشترك والتعاون والتضامن والتنافس في خدمة الصالح العام وتقدُّم البلد.

كان مخاض الانتقال عسيرًا والاستهداف من كلّ جانب حتّى انتبهنا إلى أنّ تاريخ انتقالنا إلى الديمقراطية هو في حقيقته تاريخ محاولات الانقلاب عليها

كان مخاض الانتقال عسيرًا والاستهداف من كلّ جانب حتّى انتبهنا إلى أنّ تاريخ انتقالنا إلى الديمقراطية هو في حقيقته تاريخ محاولات الانقلاب عليها. وهذا ما جعل شروط البناء والتنمية شبه منتفية.

وكنّا ندرك أنّ الانتقال الاقتصادي الاجتماعي مشروط باستكمال الانتقالي السياسي واستقرار النظام السياسي الديمقراطي. وهذا بخلاف ما شاع عند الساسة وحتّى عند أهل الاختصاص من أنّنا لئن نجحنا في المستوى السياسي فإنّنا أخفقنا في الاقتصاد والتنمية.

بدأنا نقتنع بأنّ السياسي هو البناء التحتي وأنّ الاقتصادي نتيجة من نتائجه حتّى لا نقول انعكاس له. وكنّا "نرى" الدولة ـ وقد هزّها انتفاض الهامش المفقّر هزًّا مواطنيًّا قويًّا أطرد نظام الاستبداد الذي سكنها لستّة عقود ـ تجري لمستقرّ لها في محاولة منها لتغادر جهويّتها نحو وطنيّة مستحقّة مثل كلّ الدول العريقة.

وكنّا نستخلص أنّ من أسباب الاضطراب الغالب على المشهد السياسي والاجتماعي إخفاق الدولة في الظفر بنصيب العصبيّة الأقوى (قاعدتها المادية) شرطُ استوائها وتوازنها واستئناف وظائفها في خدمة الناس.

نبّهنا تواصل الانتفاض الاجتماعي، رغم تناوب منظومات حكم مختلفة، وعجز النخب عن بناء مشترك وطني إلى أنّ البلد يعيش انقسامًا مضاعفًا هووياً واجتماعيّاً

ونبّهنا تواصل الانتفاض الاجتماعي، رغم تناوب منظومات حكم مختلفة، وعجز النخب عن بناء مشترك وطني إلى أنّ البلد يعيش انقسامًا مضاعفًا هووياً واجتماعيّاً، وكلا الانقسامين صورة من طبيعة الدولة المركزيّة العاجزة عن تغطية كلّ مجالها. وإذا كان الأوّل (الانقسام الاجتماعي) سببَ الثورة وشرط كسر الاستبداد الأساسي، فإنّ الثاني (الهووي) الذي ترك المجال للقاء على قاعدة الحريّة زمن مقارعة الاستبداد (18 أكتوبر 2005)، ولكن باستدعائه بعد الثورة كان سببًا في عودة القديم وانتصابه حًكَمًا بين من جمعتهم مقارعة الاستبداد وتحرير مساحات للتعبير.

اقرأ/ي أيضًا: فشل النخبة التونسية في تحقيق التسوية التاريخية المطلوبة

  • انتباه متأخّر

وكانت تجربتنا القصيرة داخل مؤسسات الدولة مهمّة، رغم أنّنا لم نتخلّص من "روح المقاومة" سليلة مرحلة الاستبداد والإحساس بأنّنا خارج الدولة ونحن فيها، حتّى لكأنّنا لا نصلح إلاّ للمعارضة. ومع ذلك مكّنتنا ثقافتنا الديمقراطيّة من التأقلم مع ثقافة الدولة، واكتشفنا أنّ من سكنوها قبلنا عقودًا لم يكن لهم نصيب يذكر منها.

فقد كان الزعيم المؤسس وقوّة شخصيّته يحجبان عنهم الدولة وروحها وفرصة إسماع أصواتهم الخاصّة وقدراتهم الفرديّة في التقدير والحكم والتطوير. كانوا ينظرون إلى المؤسس وهم يتوهّمون أنّهم ينظرون إلى المؤسسة (الدولة). لذلك لم يكن ممكنًا دمقرطة الدولة والحياة السياسيّة يومها. وشذّ عن هذه القاعدة قلّة منهم ( أحمد المستيري، أحمد بن صالح ...) انتبهت إلى الحاجة إلى تصريف الاختلاف والتعدّد في حياة سياسيّة جديدة تجديدًا للدولة التي أنهكها مرض الرجل الوحيد الحر فيها. وسيصبح هؤلاء آباء للديمقراطيّة والحركة الحقوقيّة التي انطلقت مع مطلع الثمانينيّات من القرن الماضي.

وكان الخروج من التأسيس إلى الانتقال الديمقراطي مع الحوار الوطني في 2013 نقلة عميقة، لم يُنتبه إليها بما يكفي من الانتباه، فمع الحوار الوطني كان الخروج من واجب محاسبة القديم على قاعدة العدالة الانتقاليّة إلى واقع منافسته على قاعدة التوافق ضبطاً جديدًا لعلاقة القديم/الجديد. وأنّه لا مناص في هذا "الانقسام النمطي" الذي يجعل منا مجتمعين لدولة واحدة من تسوية تاريخيّة. وهو ما يعطي معنى جديدًا لـ"الثوريّة".

فلئن كانت الثوريّة في مرحلة التأسيس تتحدّد بالنجاح في تأسيس الحريّة والنظام الديمقراطي الاجتماعي، فإنّ معناها في مرحلة الانتقال لا يخرج عن شروط التسوية بمرجعيّة الدستور والديمقراطيّة. وفي هذا الأفق ينظر إلى "التوافق"، فقد جعلت منه نتائج انتخابات 2014 توافقًا بشروط القديم ولكن تحت سقف دستور الثورة. فضلاً عن كونه إجراء سياسياً موازيًا لمسار عدالة انتقالية توفرت كلّ شروط إجهاضه من داخل هيئة الحقيقة والكرامة.

لم نستوعب للوهلة الأولى نتائج الانتخابات في 2014 رغم قوّة المؤشّرات عليها. ومثلت خيبة انتظار عامّة. وكانت رسالتها الأبلغ أنّ الجديد غير قادر على الاستمرار وأنّه بإمكان القديم الانبعاث

لم نستوعب للوهلة الأولى نتائج الانتخابات في 2014 رغم قوّة المؤشّرات عليها. ومثلت خيبة انتظار عامّة. وكانت رسالتها الأبلغ أنّ الجديد غير قادر على الاستمرار وأنّه بإمكان القديم الانبعاث. وقد توفّرت شروط عودته وأهمّها انقسام الجديد بعودة المطلق الإيديولوجي، والدخول إلى مهمّة التأسيس بدون بدائل تأسيسيّة قادرة على اجتراح معادلة تجمع بين تحقيق الأدنى من المطلب الاجتماعي وتواصل بناء النظام السياسي الجديد وفي مقدّمته مرجعيّته الدستوريّة.

  • الانتقال ووعي الانتقال

لم يكن هناك حذر من طبيعة الانتقال إلى الديمقراطيّة بعد كلّ ثورة وما ينطرح من انتظارات كبرى في الرفاه والاستقرار الاجتماعي بين الناس. وفي هذا المعنى تشير دراسات متخصّصة في الانتقال الديمقراطي إلى أمرين مهمّين: 

ـ آثار التسريع بالانتخابات العامّة بعد الثورة. ودورها الآلي في شقّ قوى الجديد إذا لم ترتّب أولوياتها وتبني مشتركها. 

ـ غالبًا ما تكون نتيجة الانتخابات الثانية في الانتقال لصالح القديم أمام ارتفاع منسوب الانتظارات وخيبة الناس المناصرين للجديد أمام عجز المفوّضين عن تحقيق الأدنى منها.

لم يكن هناك حذر من طبيعة الانتقال إلى الديمقراطيّة بعد كلّ ثورة وما ينطرح من انتظارات كبرى في الرفاه والاستقرار الاجتماعي بين الناس

وتشير دراسات المخابر المتخصّصة إلى أنّه لم توجد ثورة سياسيّة اجتماعيّة أعقبها رفاه اجتماعي وتنمية فعليّة. وهذا معطى يغيب على قادة الأحزاب وصنّاع الرأي العام. فيتساهلوا في إطلاق الوعود، وكأنّهم في ديمقراطيّة منجزة. ولهذا السبب تحوّل المجلس التأسيسي منذ جلسته الأولى إلى برلمان لا تتوفّر له شروط المؤسسة التشريعيّة، حين أعلن زعيم أحد الكتل أنه سيكون في المعارضة. فالتأسيس في جوهره بناء القاعدة القانونيّة والمؤسساتيّة لإدارة التنافس السياسي على خدمة الشأن العام.

كانت هناك مؤشّرات واضحة على بداية انحدار يعرفه المشهد السياسي من جهة شروط الانتقال واستمراره منذ حكومة الشاهد الثانية، لتتواصل مع انتخابات 2019. ومثّلت الانتخابات جولة ثالثة في مسار الانتقال. وكان منتظرًا أن تكون لصالح الجديد تجسيدًا للتناوب المشار إليه بين القديم والجديد، بعد قبول القديم في مداولات الحوار الوطني بالعمل تحت سقف الدستور ومن داخل النظام السياسي الذي بنته الثورة.

كانت هناك مؤشّرات واضحة على بداية انحدار يعرفه المشهد السياسي من جهة شروط الانتقال واستمراره منذ حكومة الشاهد الثانية، لتتواصل مع انتخابات 2019

وكان هناك سؤال يلحّ علينا مع كلّ أزمة يعرفها الانتقال حول الأسباب التي مكّنته من التواصل في بلادنا قياسًا إلى تجارب موازية في المجال العربي انحرفت إلى انقلاب على الديمقراطية (مصر) أو إلى اقتتال أهلي سواء توصّل الفاعلون فيها إلى إجراء انتخابات (ليبيا) أم لم يتوصّلوا (اليمن، سوريا).

كانت هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء استمرار الانتقال في تونس تمثّلت في إجماع على مفهوم الدولة، ولقاء بين قوّتي القديم والجديد الأساسيتين، ومؤسسة أمنيّة وعسكريّة خارج الرهانات السياسية.

ولم يمض أقلّ من سنة حتّى اندلعت خلافات في أعلى مؤسسات الدولة واحتدّ التجاذب بين الرئاسات الثلاث انعكس على سير الدولة وعطّل جلّ وظائفها في ظلّ أزمة ماليّة اقتصاديّة وصحيّة. وكان هذا الصراع المعلن بين المؤسسات الأولى للدولة يستهدف أسباب استمرار الانتقال الديمقراطي الثلاثة. فرئيس الجمهوريّة لم يكن يخفي تناقضه مع النظام السياسي المقرّر في الدستور الذي أقسم على احترامه وصونه والعمل بأحكامه.

  • وقعنا في المحظور

كانت كلّ المؤشرات تدفع إلى أنّ هذا الوضع غير قابل للاستمرار. وكان تفاقم الأزمة المالية الاقتصاديّة والصحيّة جاثمة على الأبواب. ولكنّ الأخطر كان الأزمة السياسيّة. وكنّا ندرك أنّها تختلف عن سابقاتها. فقد طالت هذه المرّة مؤسسات الدولة الأولى. 

فإلى جانب الصراع الديمقراطي داخل المنظومة الديمقراطيّة وبسقف الدستور انطلق مع انتخابات 2019 صراع جديد (الصراع ضدّ الديمقراطيّة) نتيجة صعود قوّتين جديدتين (قيس سعيّد، الدستوري الحر) تتقدّمان على أنّهما بديل عن الديمقراطيّة ونظامها الجديد وليسا من الشركاء في استكمال تأسيسه.

لا يفتأ قيس سعيّد يعلن نهاية الديمقراطيّة التمثيليّة مبشّرًا بديمقراطيّة قاعديّة غائمة كأنّها تؤلّف بين نكهة خارجيّة تصحيحيّة (نسبة إلى الخوارج) ونزعة فوضويّة باكونينيّة (نسبة إلى الروسي باكونين) مفوّتة

فقيس سعيّد لا يفتأ يعلن نهاية الديمقراطيّة التمثيليّة مبشّرًا بديمقراطيّة قاعديّة غائمة كأنّها تؤلّف بين نكهة خارجيّة تصحيحيّة (نسبة إلى الخوارج) ونزعة فوضويّة باكونينيّة (نسبة إلى الروسي باكونين) مفوّتة.

في حين كان الدستوري الحر يهددّنا بالعودة إلى نظام بن علي. وكانت الأزمة المركّبة الجاثمة على صدر البلد وعجز من فوّضوا بالانتخاب الحر على تحقيق الأدنى الاجتماعي بل والإداري تغري بهذين البديلين وتعطيهما كثيرًا من المصداقيّة، رغم أنّهما جزء لا يتجزّأ من الأزمة. فقد اجتهدا إلى حدّ التواطؤ على نقل الصراع إلى داخل الدولة وترذيل مؤسساتها التنفيذيّة والتشريعيّة. فكانت سياسة التعطيل وخنق المؤسسات التي أتقنها رئيس الجمهورية بمثابة الصاعق. في هذا السياق، كانت إجراءات رئيس الجمهورية الاستثنائيّة يوم 25 جويلية واختلاف الطبقة السياسية في توصيفها وفي الموقف منها.

لم نكن بحاجة لانتظار الأمر الرئاسي 117 يوم 22 سبتمبر/ أيلول الماضي لكي نتأكّد من أنّنا أمام انقلاب مكتمل الأركان. إذ كان واضحًا أنّ الإجراءات تخرج عن صريح الدستور في تطبيقها الفصل 80 منه المتعلّق بالخطر الداهم وسبل مواجهته بإجراءات استثنائيّة تدفع الخطر وتحمي الدولة.

ومن مقاصد هذا الفصل حشد كلّ قدرات الدولة وتحفيز مؤسساتها التنفيذية والتشريعيّة لدرء الخطر، ولكنّ الرئيس بادر، في مفارقة عجيبة، إلى تجميد البرلمان وإقالة الحكومة. فصارت الدولة عزلاء. بل إنّ الرئيس لم يكلّف نفسه بتحديد طبيعة الخطر الداهم يوم إعلان الإجراءات الاستثنائيّة. وأمام الجدل القانوني واعتراض مراجعه الكبار (عياض بن عاشور) على هذا التأويل العجيب للفصل 80 اكتشف رئيس الجمهوريّة، بعد شهر على الانقلاب، أن الخطر الداهم في مؤسسة البرلمان.

لم نكن بحاجة لانتظار الأمر الرئاسي 117 لكي نتأكّد من أنّنا أمام انقلاب مكتمل الأركان إذ كان واضحًا أنّ الإجراءات تخرج عن صريح الدستور في تطبيقها الفصل 80 منه

مرّت الأيام سريعًا، ورئيس الجمهوريّة لا يفعل شيئًا غير الوعد بخارطة طريق ومنها تشكيل حكومة. ولا يفتح الباب حتّى أمام من حرّضوه على الانقلاب قبل 25 وأيّدوه بعده. وتلخّص الوضع في أزمة طاحنة وأبواب الدولة مغلقة في يد رئيس لا يقدر على فعل شيء سوى شتم خصومه بأحدّ معاجم الهجو السياسي حدّة.

  • آثار عشر سنوات من التمرين الديمقراطي

رغم أنّ كلّ المؤشّرات تدفع إلى أنّ شيئًا ما سيقع أمام ترنّح المسار، ولا سيّما بعد احتداد التجاذب في أعلى مؤسسات الدولة، وظهور ما عُرف بـ"وثيقة الانقلاب الدستوري"، فإنّ تعليق الدستور وحلّ المؤسسات من قبل الرئيس يوم 25 جويلية/يوليو مثّل صدمة حقيقيّة.

لم نكن نصدّق أنّ المسار أغلق، وأنّنا سنعود إلى الحكم الفردي المطلق. فالرئيس سعيّد جمع بين يديه بالسلطات الثلاث التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائية. فهو لا يعيدنا إلى دولة الاستبداد كما كانت في العهدين البورقيبي والنوفمبري، إنّه يسحبنا إلى ما قبل دستور عهد الأمان (1891) وإلى ما قبل الحركة الإصلاحيّة، إلى ما قبل خير الدين التونسي وكتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" وأطروحته الرئيسيّة في الاستعاضة عن الفرد، مهما بلغت عبقريّته، بالمؤسسة لصلاح الحكم.

حجم الانحدار الذي بلغته التجربة قبل 25 جويلية يقيم عقبات أمام الدفاع عن الديمقراطيّة التي قٌرنت عنوةً بالفساد والظلم والفقر والتدهور الاقتصادي والاجتماعي

بدأت ردّات الفعل تدريجيّة، من المحامين والقضاة وبعض الشخصيّات الوطنيّة، ولكن حجم الانحدار الذي بلغته التجربة قبل 25 يقيم عقبات كأداء للدفاع عن الديمقراطيّة التي قٌرنت عنوةً بالفساد والظلم والفقر والتدهور الاقتصادي والاجتماعي.

اقرأ/ي أيضًا: تداعيات وثيقة "الانقلاب الدستوري"

أمام استمرار الفراغ المؤسسي المفزع واحتداد الأزمة، استعادت الأصوات المدافعة عن الديمقراطية لهجتها، وبدأنا نكتشف أنّ منجز الانقلاب في المستوى لم يخرج عن تقسيم الشعب داخليًّا على أساس زائف، وتدويل ملفّ الانتقال إلى الديمقراطية في تونس. وهو ما أكمل تجريف ما بقي من مقوّمات الموقف السيادي سياسيًّا وأمام الجهات المانحة التي تصرّ على اشتراط شريك ديمقراطي في تونس يحسن التعامل معه ماليًّا وسياسيًّا.

وهذا لا يعنيّ أنّ التدخّل الإقليمي والدولي طارئ. فهو لمحناه قائما على أبواب هذه الديمقراطيّة الناشئة منذ انتفاض 17 ديسمبر المواطني الرائد. وهو تدخّل انقسم في مقاربة مصالحه في بلادنا إلى جهتين: جهة تربط مصالحها بنظام استبدادي مركزي (محور فرنسا) وجهة تربط مصلحتها بنجاح التجربة الديمقراطيّة (محور الولايات المتّحدة). وفي كلا الحالتين تطرح مسألة السيادة بقوّة مع تمييز يفرض نفسه بين السيء والأسوأ.

كنّا نثق، على طريقة عشّاق الحقّ قديمًا، بأنّ عشر سنوات من التمرين الديمقراطي لن تذهب هدرًا، وأنّها غرست في سياق الانتقال مقوّمات تمكّن الديمقراطيّة من الدفاع عن حظوظها. ولم يكن حدسنا من فراغ فقد اكتملت أسباب هذه المقاومة في وقفة 18 سبتمبر/أيلول الاحتجاجيّة. وقد كانت مبادرة مواطنيّة من شباب كانوا أطفالًا لم يبلغوا الحلم في سنة 2011. وكانت على قدر كبير من الوضوح في وصم حركة 25 بالانقلاب وأنّه لا بديل عن الدستور والديمقراطيّة.

نجحت الوقفة الاحتجاجية يوم 18 سبتمبر في كسر سرديّة الانقلاب الشعبويّة فقد كان الرئيس قيس سعيّد يبرّر انقلابه باسم الشعب الذي نكّلت به الديمقراطيّة التمثيليّة وفقّرته وأهانته رغم أنّه لم يفعل له شيئًا بعد إمساكه بكل السلطات إلاّ من جولات ممسرحة

ولعلّ أهمّ ما نجحت فيه هو كسر سرديّة الانقلاب الشعبويّة. فقد كان الرئيس قيس سعيّد يبرّر انقلابه باسم الشعب الذي نكّلت به الديمقراطيّة التمثيليّة وفقّرته وأهانته. رغم أنّه لم يفعل له شيئًا بعد إمساكه بكلّ السلطات إلاّ من جولات ممسرحة بعنوان محاربة الفساد لم ترتق في إخراجها وجملها إلى مسرحيّات بن علي زمن الاستبداد.

  • هل تأسست الديمقراطية؟ 

الحشود التي غصّ بها شارع الثورة جزء من الشعب، بل هو جمهور قيس سعيّد الذي انتخبه. وإنّ من يقف معه اليوم هم الذين نعتوه في الانتخابات الرئاسيّة بالدوعشة والظلاميّة والقدامة ومناهضة الحداثة. لا يقف مع قيس سعيّد اليوم سوى بقايا التجمّع المنحلّ وتعبيراته الفاشيّة (بدأت بالتراجع أمام عزلة الانقلاب) ومجموعات من اليسار الوظيفي.

وأمّا من سانده من الصّف الديمقراطي وحرّضه على الانقلاب، فقد بدّلوا رأيهم وانفضّوا من حول الرئيس قيس سعيّد، بعد أن تجاهلهم ولم يظفروا منه بما طمعوا فيه. وهم اليوم يبحثون عن مربّع جديد باسم رفض الحكم الفردي واحترام الدستور، وقد كانوا سكتوا براية على خرقه، وباسم الشراكة السياسيّة واحترام التعدّد والاختلاف. ولكنّه مربّع وظيفي اكتشفوه بعد يقينهم بأنّه لا أفق لانقلاب سينهيه عجزه، وبعد تراجع مستراب من أهم قوّة دوليّة تناهض الديمقراطية التونسية، ولها تاريخ في هذا، ففرنسا ناهضت الثورة التونسية قبل هروب بن علي، ولم تكن بعيدة عن استهدافها بعد انطلاق المسار التأسيسي، ومساندتها الحذرة لانقلاب 25، ولكنّها عدّلت من موقفها في هذه الأيام. فلم يكن من المصادفة أن تتنبه كبريات الصحف الفرنسيّة اليمينيّة واليساريّة مثل لوموند ولوفيغارو وماريان إلى المنحى الديكتاتوري في حركة قيس سعيّد.

يكاد يتلخّص المشهد السياسي في تونس في ثلاث لحظات أساسيّة: لحظة 24 التي تكثّف عشر سنوات من الانتقال الديمقراطي، وتمثّل "التفريط" وما صاحبه عبث من فُوّضوا بالأمانة، ولحظة 25 التي تقدّمت على أنّها عمليّة تصحيح. ولكنّها بانتهائها إلى تعليق الدستور وغلق المؤسسات واستثمارها الشعبوي في محاربة الفساد وعجزها عن المساس بأيّة حلقة فعليّة من حلقاته وانكشاف سندها الإقليمي المناهض للثورة بدت عمليّة تضليل صارخة.

ولحظة 18، وهي لحظة مواطنيّة بمرجعيّة الدستور والديمقراطيّة. لهذه اللحظة منجز سياسي مهمّ ورسم لمربّع مواطني يكشف "التفريط" ويطلق نقدًا جذريًّا لسنوات الانتقال العشر، ويفضح التضليل الذي انطلق مع صعود الرئيس قيس سعيّد وحليفه التجمّعي والوظيفي. وهكذا تعلن هذه اللحظة عن نفسها حركة تصحيح فعلي لمسار طال تعثّره.

لم يتّضح المشهد السياسي كما اتّضح بعد لحظة 18 سبتمبر، وقد جذبت إليها كلّ أنصار الديمقراطية من يسار وطني وإسلاميين وقوميين وليبراليين وجدوا في اللحظة المواطنيّة أفقًا لإصلاح المسار ومسوّغًا أخلاقيّاً للدفاع عنه.

لم يتّضح المشهد السياسي كما اتّضح بعد لحظة 18 سبتمبر، وقد جذبت إليها كلّ أنصار الديمقراطية من يسار وطني وإسلاميين وقوميين وليبراليين وجدوا في اللحظة المواطنيّة أفقًا لإصلاح المسار ومسوّغًا أخلاقيّاً للدفاع عنه

قيس سعيّد الذي استقرّ عند شعار "الشعب يريد" لقي ردًّا يوم 26 سبتمبر/أيلول وهي الوقفة الثانيّة لـ"مواطنون ضد الانقلاب" المبادرة بوقفة 18 سبتمبر. وكان الردّ جملة سياسيّة قاطعة: "الشعب يريد ما لا تريد".

ويمكن أن نجزم بأنّ الصراع الفعلي اليوم انحصر بين لحظتي 25 ولحظة 18. وهذا واضح من السجال السياسي بينهما. فقد كان خطاب سيدي بوزيد ردًّا على وقفة 18، وكانت وقفة 26 ردًّا من الحراك المواطني على الأمر 117 وطولب فيها الرئيس بالرحيل. ويأتي تعيين الجامعيّة نجلاء بودن لتشكيل حكومة يوم 29 سبتمبر/أيلول ردًّا من الرئاسة على الشارع الديمقراطي بقيادة 18 سبتمبر وعلى الضغوط الخارجيّة المطالبة بالعودة إلى الدستور والديمقراطيّة.

هذا التعيين يمكن أن يفهم على أنّه ربح للوقت، ومناورة لفكّ العزلة الداخليّة بتوظيف جندري باهت (تعيين امرأة على رأس الحكومة لأوّل مرّة في تونس)، وتخفيف من الضغط الخارجي. وهو في تقديرنا خطوة تراجع تحفظ ماء الوجه، فسعيّد المصرّ على أنّه "لا تراجع إلى الوراء" مضطرّ إلى التراجع وهو يدرك أنّ قوس انقلابه سيغلق قريبًا.

انطباع حصل لديّ أنّ الديمقراطيّة تأسست، وهذا يقال لأوّل مرّة رغم ما فيه من مجازفة. وأنّنا خرجنا من الانتقال إلى وضع جديد ستتكشّف معالمه في الأشهر القليلة القادمة

انطباع حصل لديّ أنّ الديمقراطيّة تأسست، وهذا يقال لأوّل مرّة رغم ما فيه من مجازفة. وأنّنا خرجنا من الانتقال إلى وضع جديد ستتكشّف معالمه في الأشهر القليلة القادمة. وأوّل علامات تأسّسها هذا المشترك الذي يتبلور مع المبادرة المواطنيّة الشبابيّة. وهو ما عجزت عنه النخبة بعد الثورة وكان سببًا في تعثّر المسار وتدهوره.                       

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعليق دستور الثورة في تونس رسميًا.. وذاكرة المكان

تونس من الخطر الداهم إلى الخطر الجاثم..