08-يونيو-2022
افتتاح معرض الفنان التشكيلي محمد اليانقي

افتتاح معرض الفنان التشكيلي محمد اليانقي "لوح ولوحة"

 

المسألة ببساطة أن الخزاف التونسي محمد اليانقي عاد إلى الفضاء الثقافي التونسي العام باعتباره شخصية ثقافية مؤسسة ومَعلمًا وطنيًا تتدفق من منجزه الفني الأسئلة اللاّئقة بالذوق العام والتفلسف البناء والجدل المحفز على التفكير، من خلال معرضه "لوح ولوحة" الموزع بين ثلاثة فضاءات بمدينة الثقافة بالعاصمة تونس هي "خزفيات"، "المقام"، "كونسبت ستوري" والمتواصل إلى منتصف شهر جوان/يونيو 2022.

عاد الفنان التونسي "محمد اليانقي" بعد غياب  إلى الفضاء الثقافي التونسي من خلال معرضه "لوح ولوحة" الموزع بين 3 فضاءات بمدينة الثقافة وهي "خزفيات"، "المقام"، "كونسبت ستوري" والمتواصل إلى منتصف جوان 2022

"محمد اليانقي"، وفي لحظة عدمية، قطّع حبال أشرعته وتاه في اليوم محمولًا على أسئلة الوجود، كان كبطل الكاتب محمود المسعدي في "حدّث أبو هريرة قال": "كالماء يجري لم نقف له على وقفة قطّ"، لكنه عاد واستقر من جديد على أرض الفن، لكن أي استقرار هذا؟

 

 

افتتاح معرض الفنان التشكيلي محمد اليانقي السبت 7 ماي 2022 بمدينة الثقافة افتتحت وزيرة الشؤون الثقافية الدكتورة حياة...

Posted by Cité de la Culture Tunis on Saturday, May 7, 2022

 

صورة
محمد اليانقي في لحظة تجلٍّ داخل مقام سيدي قاسم الجليزي (تصوير عمر عبادة حرز الله)

 

"اليانقي" بعد رحلة مطولة بإسبانيا انطلقت سنة 1972 حملته إلى أكوان فنية غير تونسية لكنها شديدة الإنسانية، عميقة الأسئلة جعلته في حيرة باطنها كئيب موحش. وفي الأثناء كانت روحه تعتمل وتتّقد من الداخل كبركان هادر. وهو ما يشي أن الفن داخله حي نابض.

لم تكن عودته للفَراشي والألوان وعجائن الطين وحرارة الأفران بالأمر الهيّن، لقد كان لا بدّ من مناخات تحفيز، وقد نهض بهذا الأمر الثقيل المركز الوطني للخزف الفني (مؤسسة عمومية تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية) ومديره الفنان الخزاف محمد حشيشة، ونجحت العملية وعاد اليانقي من بعيد وهو من جيل الخزافين التونسيين المؤسسين رفقة الهاشمي الجمل ورضا بن عرب وقوبعة.

لم تكن عودة اليانقي للفراشي والألوان بالأمر الهين وقد نهض بهذا الأمر الثقيل المركز الوطني للخزف الفني ونجحت العملية وعاد الفنان محمد اليانقي من بعيد وهو من جيل الخزافين التونسيين المؤسسين

"اليانقي" كتب قائلًا عن عودته بعد غيبة دامت ما يناهز الثلاثين عامًا: "عدت، نعم عدت بعدما انقطعت طويلًا، عدت إلى أحضان الفن، فاستقبلني هذا الفن بكثير من الشوق والترحاب، غمرني اللون والماء واحتضنني الطين والنار، تضافر كل من الرسم والخزف ليشدني إليه كل من جهته، إلا أني حاولت أن أؤلّف بينهما وصرت أرقص على حبليهما، هما فيّ الآن، يهزني الانتشاء وتدفعني الرغبة للمصالحة بينهما أكثر فأكثر".      

صورة
من خزفيات الفنان محمد اليانقي (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

الخزاف/ الرسّام "محمد اليانقي" كان يسعى بتواضع كبير إلى "تحويل كمية الوجود إلى نوعيّة، وتحويل كميّة الزمان إلى قيمة" فليست الأدوات والتقنيات هي التي تعنيه بل الرسائل المشفرة والمحمولة على التأويل التي أراد بعثها. هكذا يستبدل كل ذاكرته بالحلم من جديد، بالغياب ولو إلى حين في السماء الثانية لأن السماء الأولى مزدحمة وهو الباحث دومًا على مساحة لإطالة النظر في الأفق، بالمضي في دروب النشوة والانعزال، بالإنصات إلى هدير الكون وهو يمضي بوقار في السّديم اللامتناهي.

لم تكن خزفيات "محمد اليانقي" مجرد تشكيل نمطي للطين وما جاوره بل هي توجيه عفوي للطلاءات ووضعها على دروب النار والجلوس على كرسي الانتظار والانبهار في آخر نفق النار. لقد كانت ألواح الخزف داخل الفرن عالي الحرارة تبرق وتتزيّن بفاقع الألوان وخفيضها تمامًا كالربيع المزهر ينسكب على السهل.

بعيدًا عن البراديغمات الفنية وكل التقنيات التي منحتها إياه الجامعتان التونسية والإسبانية، كان اليانقي يمارس فنه بعصامية دفينة تسكنه ويسكنها منذ أن ولد، استحضرها الفنان لتكون وقود رحلته الجديدة

بعيدًا عن كل البراديغمات الفنية وعن كل التقنيات التي منحتها إيّاه الجامعة التونسية (مدرسة الفنون الجميلة بتونس) والإسبانية (مدرسة الفنون الجميلة ببرشلونة وكلية الآداب ببرشلونة) كان ينجز الأمر بعصامية دفينة تسكنه ويسكنها منذ أن ولد، لقد استحضرها الفنان لتكون وقود رحلته الجديدة.

صورة
رسومات للفنان محمد اليانقي (رمزي العياري/ الترا تونس)

 

الألواح الخزفية لليانقي لم تكن فنًّا عاديًّا بل كانت رمزًا للحقيقة في مواجهة الطمأنينة التي تستبد أحيانًا بالإنسان، إنها دعوة ملحّة للجلوس بهدوء والتأمل على طريقة الصوفيين على طريقة شيوخ مثل النّفري والحلاج والسّهروردي وجلال الدين الرومي، والانشغال ولو إلى حين بماهية الوجود. إنها نوع من المداواة لعلل الروح الشريدة.

قد تتراءى لنا على خزفيات اليانقي حروف فيما يشبه الغمغمة البشرية أو إشارات غير مفهومة، أو نقاط قصية في جغرافيا لا متناهية تعرّش في اللاّشعور فتسبح العين في حدائق الزان المترفة بالتواضع والتصاغر والتقشف في كل شيء.

أما رسومات اليانقي المعلقة بعناية برواقي المقام (التابع للمتحف الوطني للفن المعاصر) وكونسبت ستوري (التابع لدار الفنون) ففيها تطابق لافت وتآلف كبير مع منجز الخزف. إنها سباحة هادئة للعين ومنظور سخي لروح الإنسان المتعبة والمترعة بالوجد.

أكريليكات اليانقي كتابة باللون أبعد من تخوم اللغة وتراكيب سابحة على القماشات  تثير فينا ما تثير عن قصد وعن غير قصد.

صورة
لوحات للفنان محمد اليانقي (رمزي العياري/ الترا تونس)

إنها أعمال مكتنزة ومكثفة كقصيدة هايكو، كزهرة برية تنبت على جناح صخرة ولا يعنيها البتّة أن تبصر جمالها وأن كل ما يعنيها هو الذود عن ظلّها الباذخ في عراء الغابة.

رسومات "محمد اليانقي" تحوّل جارف في القماشة التونسية، إنها تأصيل جديد يتسامى بالمتلقي حيث مدارات الانخطاف وحيث تهيام الجسد والروح والضوء واللغة والإيقاع والمشاعر في عالم غريب آسر جديد.

عندما يركب عقلك ووجدانك تلك الألوان التي تراوح بيت التراب والماء والسماء ضمن مفردة واحدة همّها إضاءة العتمات والتكشف على المجهول وتنبئ بعالم يحلم بأن يصير شعرًا.

عودة الفنان التونسي "محمد اليانقي" إلى ميدان الفعل الإبداعي والثقافي من خلال معرضه "لوح ولوحة" بعد انقطاع في الزمن ليست ولادة فنية جديدة، بل هي وصل ضروري بالنسبة إليه وإلينا

معلقات اليانقي خزفًا ورسمًا هي نداء بعيد يتأتى من اللانهاية، من الأقاصي، مشحون بطاقات "الزان" الشرقية البعيدة وببهارات صوفية تونسية أصيلة ويتفجّر في عقولنا موجة موجة فيتضح الشعر وقطوف الإيقاع.

إن عودة الفنان التونسي "محمد اليانقي" إلى ميدان الفعل الإبداعي والثقافي من خلال معرضه "لوح ولوحة" بعد انقطاع في الزمن ليست ولادة فنية جديدة كما قيل هنا وهناك، بل هي وصل ضروري بالنسبة إليه وإلينا بما سبق وقطع لفسحة التأمل على فنان جاد أعيته الفرشاة وأعياه الطين وأعياه الجلوس إلى النار وهي تنضج الأفكار "لأن المستقبل يظل مستقبلًا والرسام كباحث عنه يبقى دائمًا قبله ولا يستطيع أن يبلغه رغم الشعور بأنه يملكه".

صورة
لوحات للفنان محمد اليانقي (رمزي العياري/ الترا تونس)