ملتقى الخزف الفني.. فن عريق في قلب تونس بأنامل صفوة خزافي العالم

ملتقى الخزف الفني.. فن عريق في قلب تونس بأنامل صفوة خزافي العالم

628 مشاهدة
من الملتقى الدولي الثامن للخزف الفني (رمزي العياري/ الترا تونس)

كان يومًا قائضًا وأنا أعبر المدينة العتيقة بالعاصمة التي بنيت في عهد الدولة الحفصية لتكون درة المدن العربية بأسواقها ومعالمها الدينية وقصورها باتجاه "معلم سيدي قاسم الجّليزي" الزاوية التي حوّلتها الدولة التونسية منذ الثمانينيات إلى المركز الوطني للخزف الفنّي والذي يحتضن "الملتقى الدولي الثامن للخزف الفني بتونس" إلى غاية 8 سبتمبر/ أيلول 2018.

هذه المؤسسة الثقافية العتيدة أو هذا المعلم الفريد والبديع والغريب. ومنذ أن تطأ ساقاك السقيفة الأولى تصاب بالعجب وتبهرك هندسته الأندلسية ويأسرك خزفه وجلّيزه المطلي المنجز بحرفية ودقة عالية، والمرصف في الأروقة والجنبات كقصائد شعر. أما سرّ هذا المعلم فيتمثل في سقفه المبني على الطراز الأندلسي الصرف حيث المثلثات متناضدة الزوايا، مرصعة بجلّيز لامع أخضر اللون داكن في بهاء لا نظير له لتشعر وكأنك في حضرة قصر الحمراء بغرناطة.

بعد أن تروّض هذه الجماليات بداخلك تفهم ــ بالعودة إلى التاريخ ــ أن الزاوية بناها أحد شيوخ المتصوفة على ربوة صغيرة غرب جامع القصبة وقبالة جامع الهواء، وهو "أبو الفضل قاسم أحمد الصدفي الفاسي" الذي قدم إلى تونس ضمن الهجرة الموريسكية وكان خزاّفًا ويعود إليه الفضل في إدخال حرفة " الجلّيز المطلي" إلى تونس. وقد توفي سنة 1496 ودفن بالزاوية التي شيّدها بكل ما أوتي من رهافة حس فنّي. وبات هذا المعلم الديني التاريخي والذي شغل عدة وظائف اجتماعية على مرّ أزمنة صموده يعرف "بسيدي قاسم الجلّيزي".

يأمل مدير الملتقى الدولي للخزف الفني في أن يكون الملتقى نواة لمتحف عالمي للخزف الفني (رمزي العياري/ الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: تونس: الإعلان عن إطلاق الدورة الأولى لـ"أيام قرطاج للخزف الفني"

تجاوزت السقيفة الثانية للمركز الوطني للخزف الفنّي لأجد نفسي في حضرة فعاليات الملتقى الدولي الثامن للخزف بتونس الذي عرف النور سنة 2011 بإرادة قوية من مؤسسه الفنّان محمد حشيشة ودعم كبير من وزارة الشؤون الثقافية والتي أعلنت على لسان وزيرها في افتتاح التظاهرة في نسختها الثامنة أن " أيّام قرطاج للخزف الفني" سترى النور قريبًا لتعطي هذا الفن العريق إمكانات أخرى للبقاء كأقدم فعل فني أتاه الإنسان على الأرض.

ورش على مدار صحن الزاوية/ المعلم يؤمنها 17 خزافًا من 14 دولة نذكر بعضها على سبيل الذّكر البرتغال، إيطاليا، إنقلترا، تايلندا، كرواتيا، جورجيا، السينغال، السودان، مصر، العراق، كوريا الجنوبية. رائحة الطين والفنّ تملأ المكان وتغرقه في دهشة غريبة.

محمد حشيشة (مدير الملتقى) لـ"الترا تونس": نحلم بمتحف عالمي للخزف الفني انطلاقًا من منتجات الملتقى الدولي للخزف الفني

تجوّلت بين الورشات رفقة مدير الملتقى الفنان الخزّاف محمد حشيشة الذي أكّد لـ"الترا تونس" أن هذه التظاهرة الثقافية كانت حلمًا صغيرًا وكبر بفضل عدة جهود منها ما يعود للدولة ومنها ما يعود للفنانين التشكيليين والخزّافين خصوصًا. وبيّن أنه وإلى حدّ هذه الدورة شارك في الملتقى وعلى مرّ النّسخ الفارطة 150 خزّافًا من 30 دولة من جميع القارات وقد تركوا لتونس 500 خزفيّة فنية قائلًا " آمل أن تكون نواة لمتحف عالمي للخزف الفني يكون بمثابة الوجهة سياحية والعلمية والثقافية".

المركز الوطني للخزف الفنّي

المركز الوطني للخزف الفنّي (رمزي العياري/ الترا تونس)

وذكر حشيشة أن خصوصية الدورة الثامنة تتمثّل في الانفتاح على الخزف الإفريقي فإفريقيا تعتبر "سيدة الطين" وهي إلى الآن تمارس الخزف بكل عفوية تلقائية. وختم مدير الملتقى بالقول إن هذه التظاهرة الثقافية روّجت لتونس ولثقافتها وفنونها وخزفها. كما فتحت آفاقًا عميقة أمام الخزّافين التونسيين في اتجاه ثقافات العالم.

وقف "الترا تونس" تقريبًا على أغلب ورشات الفنانين المشاركين والتقى ببعضهم.

مشاركون في ملتقى الخزف الفني لـ"الترا تونس": معلم سيدي قاسم الجليزي مكان ملهم، والملتقى فرصة لتقارب الثقاقات والتجارب الخزفية

أستاذ مدارس الفنون الجميلة بتونس والنحات عبد العزيز كريّد يشارك لأول مرة في الملتقى الدولي للخزف الفني وقد جاء لعالم الخزف محمولًا على فلسفة النحت، هكذا صرّح لـ"الترا تونس". وأضاف كريّد أنّ التظاهرة ليست فرصة فنية لتنمية القدرات والتجريب الفني بل هي فرصة حضارية حيث تسعى الثقافات للتقارب والتلاقح والجامع بينها هو الخزف والفعل الفني عمومًا.

" آنّا سوبرال " خزافة برتغالية ولدت بالموزنبيق وشبّت بجنوب إفريقيا وعادت لأرضها بالبرتغال لتكتب قصائد شعرية بالطين ثم تحوّلها الى خزف خالد. آنّا أوضحت لـ"الترا تونس" أنها تزور لتونس لأول مرة لكنها في كل زاوية من أزقتها تشعر أن لها جذورًا هنا، مشيرة إلى تأثير العرب على الثقافة البرتغالية. كما أكدت أن الخزف التونسي أصيل وعريق ولا أدل على ذلك من روعة المعلم الذي يحتضن مقر المركز الوطني  للخزف الفني.

يشارك في الدورة الثامنة للملتقى الدولي للخزف الفني خزافون من مختلف أنحاء العالم (رمزي العياري/ الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: عودة دار الثقافة ابن خلدون للنشاط.. مواصلة السير في دروب الثقافة الواسعة

" أنطونيو بيوفيجيليو" خزاف شاب من إيطاليا ذكر أنّ ملتقى تونس بات معروفًا على مستوى أوروبا والعالم ويقصده كبار الخزافين وهو فرصة للتفاعل مع هؤلاء الكبار كما نوه أنطونيو بالزيارات التي نظمها الملتقى إلى كل من متحف باردو والقرية الحرفية بمدينة نابل، حيث اطلعوا على تاريخ تونس العريق وخصوصًا رحلة الخزف في مستوى الأشكال والتقنيات. كما انبهر محدّثنا بمحافظة بعض الجهات التونسية على نفس الطرق القديمة التي كان الأجداد ينجزون بها أعمالهم الخزفية.

أما المصري أسامة إمام، عضو الأكاديمية الدولية للخزف، فأكّد أن الملتقى جمع صفوة الخزافين من العالم وهو مكسب ثقافي بالنسبة لتونس، مشيرًا إلى أنه أقام بتونس لسنوات عديدة واشتغل بقطاع الخزف ويعرف تاريخ الخزف في تونس. كما حدّثنا أسامة عن الصدى الطيب للملتقى في مصر من خلال مشاركات لكبار الخزافين المصريين مثل ضياء الدين داوود وخالد سيراج وهيثم هداية ومروى زكرياء.

وعن المشروع الذي اقترحه أسامة لهذا الملتقى، أشار إلى أنه مستوحى من معلم سيدي قاسم الجليزي، الذي لم ير له مثيلًا من قبل.

النحات التونسي الطاهر الضاوي لـ"الترا تونس": معلم سيدي قاسم الجليزي يعتمل في داخلي بشكل فلسفي ليتمظهر في أعمال فنية جديدة وغريبة

" مالخاز شفالديز " الخزاف الجيورجي لم يخف سعادته بهذه الزيارة لتونس والمشاركة في الملتقى، مؤكدًا أنها ستضيف لتجربته خاصة أنه وجد نفسه مع خيرة الخزافين في العالم. وأضاف مالخاز أن الفن هو لغة البشر الحقيقة، معتبرًا الخزف تلخيصًا لتاريخ الإنسان. من جهته، اعتبر الخزاف الإسباني كارلوس مارتيناز مشاركته في ملتقى تونس للخزف الفني ذات أهمية في تنمية تجربته وذلك بناء على التفاعلات مع الفنانين المشاركين مضيفًا أن فضاء المركز هو مكان ملهم ومليء بالأفكار والإيحاءات الفنية.

عبّر المشاركون في ملتقى الخزف الفني عن انبهارهم بمعلم سيدي قاسم الجليزي (رمزي العياري/ الترا تونس)

عبّر المشاركون في ملتقى الخزف الفني عن انبهارهم بمعلم سيدي قاسم الجليزي (رمزي العياري/ الترا تونس)

الأستاذ النحات التونسي الطاهر الضاوي حدثنا عن سطوة المكان وتأثيره في تفكير الفنان في إشارة إلى معلم سيدي قاسم الجليزي قائلًا "زرته أكثر من مرة لكني أشعر أني لا أعرفه. فهو يعتمل في داخلي بشكل فلسفي ليتمظهر في أعمال فنية جديدة وغريبة".

كما أكد الضاوي أنه جاء من عالم النحت ليلتحم بمجالات السيراميك الفني حيث تختلف المواد والتقنيات وخاصة عملية إنضاج الأعمال في الأفران في درجات حرارة تفوق الألف درجة.

بعد هذه الرحلة التي قام بها "الترا تونس" في دروب الملتقى الدولى الثامن للخزف الفني بتونس الذي سيعرض منتجات الورشات في اليوم الختامي، تأكد لدينا أن هذه التظاهرة تستحق كل الدعم من قبل الدولة وخاصة توفير المزيد من الأفران والمزيد من الترويج والمزيد من الإمكانيات. ولم لا الذهاب في اتجاه تأسيس "المتحف الدولي للخزف الفني المعاصر".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مهرجان قرطاج الدولي.. السّياق التاريخي ومراكمة الذاكرة الثقافية

مسرح السيليوم بالقصرين.. حينما يولد الأمل من خاصرة العدم