أحمد بن صالح.. رجل الدولة الوطنية والدفاع عن الديمقراطية

أحمد بن صالح.. رجل الدولة الوطنية والدفاع عن الديمقراطية

الوزير السابق والأمين العام السابق لاتحاد الشغل ومؤسس حركة الوحدة الشعبية أحمد بن صالح (1926-2020)

الترا تونس - فريق التحرير

 

هو الوزير الذي قاد تجربة التعاضد الاشتراكية في فترة الستينيات، وقبلها أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعدها مؤسس حزب الوحدة الشعبية، أول حزب معارض لنظام بورقيبة، إنه أحمد بن صالح، أحد رجال الحركة الوطنية وبناة دولة ما بعد الاستقلال في تونس، والذي ترجّل الأربعاء 16 سبتمبر/أيلول 2020، عن سنّ تناهز 94 عامًا بعد معاناة من مرض عضال بالمستشفى العسكري.

هذا التقرير يستعرض مسيرة الفقيد أحمد بن صالح، منذ نشأته وانخراطه في العمل النقابي، ومساهمته في بناء دولة ما بعد الاستقلال، ومحاكمته من نظام بورقيبة وهروبه إلى الخارج، مرورًا بتأسيسه لأول حزب معارض في المنفى ومسيرة دفاعه عن الديمقراطية، ووصولًا إلى مواقفه الداعمة للثورة التونسية.

اقرأ/ي أيضًا: اغتيال صالح بن يوسف.. تفاصيل جريمة دولة لم تسقط بالتقادم

النشأة والانخراط النقابي

وُلد بن صالح بتاريخ 13 جانفي/يناير 1926 بمدينة المكنين التابعة لولاية المنستير، تتلمذ في "الكتّاب" والمدرسة الفرنسية العربية بالمدينة، قبل التحاقه عام 1938 بالعاصمة بالمدرسة الصادقية، حيث ترأس جمعية الشبيبة المدرسية ونشط في الشبيبة الدستورية، ليبدأ انخراطه في الحركة الوطنية منذ شبابه. بعد حصوله على الشهادة الثانوية، توجّه إلى باريس لدراسة الآداب العربية بجامعة السربون لمدة 3 سنوات بين 1945 و1948 دون أن يكمل مساره التعليمي، وقد ترأس في باريس الكتابة العامة لشعبة الطلبة الدستوريين.

تولّى أحمد بن صالح، وهو في سنّ 28 عامًا، الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل عام 1954 

لعب بن صالح دورًا رئيسيًا في الاتصالات بين الحزب الدستوري الحر من جهة، حيث كان مدير ديوانه الحبيب بورقيبة منفيًا في القاهرة، وباي تونس منصف باي، الذي عزلته فرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، والمنفي وقتها في جزيرة "بو".

انضم عام 1948 إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، وتولى، إثر العودة من فرنسا، التدريس بمعهد ثانوي بجهة سوسة. وتولّي تمثيل المنظمة، بطلب من فرحات حشاد، في الجامعة العالمية للنقابات الحرة (السيزل) عام 1951، رغم أن بن صالح كان يرفض في البداية انضمام اتحاد الشغل لهذه المنظمة النقابية العمالية.

أحمد بن صالح والحبيب بورقيبة

 

تولّى بن صالح، وهو في سنّ 28 عامًا، الأمانة العامة للاتحاد العام التونسي للشغل عام 1954 خلفًا لمحمد كريّم، وتزامنت فترة قيادته للمنظمة الشغيلة مع المفاوضات الأخيرة لاستقلال تونس ونشأة الصراع البورقيبي اليوسفي. وقد انحاز الاتحاد في مؤتمر نوفمبر 1955 الشهير مع الطرح البورقيبي ما شكل علامة فارقة في مسار الصراع الداخلي الناشئ فجر الاستقلال.

بن صالح... من رجال دولة الاستقلال وقائد تجربة التعاضد

ترشّح أحمد بن صالح على القائمة المشتركة (الجبهة القومية) بين الحزب الدستوري واتحاد الشغل في انتخابات المجلس القومي التأسيسي عام 1956 واُعيد انتخابه في مجلس الأمة عام 1959 في أول انتخابات تشريعية بعد الاستقلال. انضمّ لحكومة الحبيب بورقيبة منذ عام 1957 بتولّيه حقيبة الصحة، وذلك قبل توليه الإشراف على الوزارات الاقتصادية ليقود تجربة التعاضد، ثم أُضيفت إليه وزارة التربية في جويلية/يوليو 1968. 

أحمد بن صالح مع المستشار الفيدرالي الأسترالي برونو كريسكي ووزير الشؤون الاقتصادي الكيني تيم بويا عام 1968

 

وكان بن صالح، في الأثناء، عضوًا في الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الذي أصبح منذ مؤتمر 1964، الحزب الاشتراكي الدستوري، وكان يتولى بالخصوص خطة الأمين العام المساعد.

قرّر الحبيب بورقيبة نهاية الستينيات، إنهاء تجربة التعاضد، التي تختلف آراء السياسيين والاقتصاديين بخصوص نجاحها أو فشلها، وأيضًا حول الأسباب الحقيقية لإنهاء هذه التجربة الفريدة في تاريخ البلاد.

صورة تجمع الحبيب بورقيبة وأحمد بن صالح في مدينة بون

 

إنهاء هذه التجربة ترافق مع خيار بورقيبة مواجهة بن صالح الذي وقع رفته من الحكومة والحزب الاشتراكي الدستوري والبرلمان نهاية 1969، ثم أُحيل في ماي/أيار 1970 على المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى، الذي أصدرت ضدّه حكمًا بـ10 سنوات أشغال شاقّة، قبل تهريب بن صالح من سجنه عام 1973 إلى الجزائر ليستقر في بعض العواصم الأوروبية منفيًا.

المنفى ورحلة الدفاع عن الديمقراطية زمنيْ بورقيبة وبن علي

أسس أحمد بن صالح في منفاه، عام 1973، أول حزب معارض لبورقيبة، وهو حركة الوحدة الشعبية التي تبنت الفكر الاشتراكي، وذات التوجه القومي، والتي انشقت عنها تباعًا مجموعة أسست "حزب الوحدة الشعبية" الذي نال التأشيرة القانونية عام 1983.

اقرأ/ي أيضًا: العميد فتحي زهير.. الوساطة الضائعة بين بورقيبة وبن يوسف

ظلّ في المقابل، بن صالح، منفيًا، دون الاعتراف القانوني بحركته السياسية المعارضة، وغير معترف بالانتخابات التي كان ينظمها بورقيبة على مر السنوات إلى غاية الانقلاب عليه يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 من قبل وزيره الأول آنذاك زين العابدين بن علي.

أسس أحمد بن صالح في منفاه، عام 1973، أول حزب معارضة لبورقيبة، وهو حركة الوحدة الشعبية التي تبنت الفكر الاشتراكي وذات التوجه القومي

عاد بن صالح من منفاه عام 1988، آملًا في بدء صفحة جديدة في تاريخ البلاد، وتدشين مسار ديمقراطي طالما انتظره التونسيون، ولكن كانت الخيبة، إذ عمل بن علي، الذي قال إن بن صالح كان أستاذه في معهد الذكور بسوسة، على خنق الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان والاستبداد بالسلطة.

وتعرّضت حركة الوحدة الشعبية بدورها لتضييقات، ولم ينل أحمد بن صالح التأشيرة القانونية لحزبه كما كان ينتظر.

وبعد بدء سنوات الجمر ضد الحركات المعارضة وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، وتيقّنه أن بن علي ليس إلا دكتاتورًا جديدًا في تونس، قرّر بن صالح مغادرة تونس في خريف 1990، وربط علاقات في منفاه بالخصوص مع الوزير الأول الأسبق محمد مزالي.

ظلّ أحمد بن صالح من قيادات المعارضة التونسية التاريخية طيلة التسعينيات، قبل أن يعود إلى تونس في خريف 2000، ولكن ظلت حركته المعارضة، حركة الوحدة الشعبية، غير متحصلة على التأشيرة القانونية، مقابل دعم السلطة لما سُميّ "حزب الوحدة الشعبية" الذي كان حزبًا كاريكاتوريًا داعمًا لبن علي.

أحمد بن صالح والثورة التونسية

ابتهج أحمد بن صالح باندلاع الثورة التونسية ضد نظام الاستبداد نهاية عام 2010، واقترح مفتتح عام 2011 بمعاضدة المعارض التاريخي لنظام بورقيبة أحمد المستيري تأسيس برلمان شعبي يتمتع بالشرعية الثورية ويضم ممثلين عن الجهات التي اندلعت فيها الثورة، تنشأ عنه حكومة ثورية، ويحرّر دستورًا للبلاد يُستفتى عليه الشعب. وقدم بن صالح والمستيري مقترحهما لرئيس الجمهورية المؤقت وقتها فؤاد المبزع، الذي قرّر في المقابل الدعوة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

رفض بن صالح، حينها، بعث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، ولم يقبل أن يكون عضوًا فيها. وكان يدعو منذ عام 2011 للمصالحة الوطنية بين الأطراف السياسية، ويدعم الإجراءات القضائية التي انطلقت ضد حاشية بن علي، مؤكدًا ضرورة محاسبة كل من أذنب في إطار محاكمة عادلة.

اقترح أحمد بن صالح عام 2011 بمعاضدة المعارض التاريخي لنظام بورقيبة أحمد المستيري تأسيس برلمان شعبي يتمتع بالشرعية الثورية

وقد تحصلت حركة الوحدة الشعبية لتوّها وقتها على التأشيرة القانونية بعد نحو 4 عقود من تأسيسها، وتولى بن صالح خطة الأمانة العامة، معتبرًا أن التنمية المتوازنة في البلاد ترتكز على الدولة والقطاع الخاص والتعاضد.

وصرّح بن صالح عام 2012 أن من بين من تزعم الحكومة بعد الثورة من حاول اغتياله في بداية السبعينيات لأسباب تتعلق بمطامعهم في الحكم، وفق قوله، وتحدث عن دور بعض السفارات في محاولة إجهاض التجربة الديمقراطية التونسية.

وإثر أزمة صيف 2013 التي هددت مسار البناء الديمقراطي، دعا بن صالح لتنظيم مؤتمر وطني شعبي للخروج من الأزمة والتوافق بين القوى السياسية.

وكانت العلاقة بين أحمد بن صالح والرئيس السابق الباجي قائد السبسي يشوبها التوتر، بما كان من موقعيْ الرجلين في ظل نظام بورقيبة، إذ يذكر مثلًا الوزير الأول السابق الهادي البكوش، في برنامج "شاهد على العصر" على قناة الجزيرة"، أن بن صالح كان مرشحًا ليكون الرجل الأول بتونس عام 1969، وإن السبسي حرض على عزله. وبعد الثورة وبعد إعلان السبسي مبادرة "نداء تونس" صيف 2012، اتهمه أحمد بن صالح بـ"خيانة الثورة التونسية"، وحذّر عام 2014 من انتخاب السبسي معبرًا عن "استغرابه "الشديد من الرغبة الجامحة التي تتملك  السبسي لحكم تونس، وفق تعبيره.

مؤلفات حول أحمد بن صالح

صدرت عدة مؤلفات حول أحمد بن صالح بصفته بالخصوص من قاد تجربة التعاضد الاشتراكية في فترة الستينيات، عدا عن دوره في الحركة النقابية، وفي الخلاف البورقيبي اليوسفي، وأيضًا دوره كزعيم أول حركة سياسية معارضة لنظام بورقيبة، وعمومًا باعتباره أحد أهم رجال الحركة الوطنية في تونس، في السلطة والمعارضة، في المنظمة الشغيلة وفي الحزب الحر الدستوري. وفيما يلي أهم هذه الإصدارات:

  • "شهادة أحمد بن صالح السياسية، إضافات حول: نضاله الوطني والدولي"، عبد الجليل التميمي، منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، زغوان-تونس 2002.
  • "حوارات مع أحمد بن صالح" (باللغة الفرنسية)، نورة البورصالي، تونس، 2007.
  • "أحمد بن صالح وزمانه"، سالم المنصوري، تونس، 2018.
  • "حوارات مع أحمد بن صالح حول الديناميكية الاجتماعية في تونس في الستينيات" (باللغة الفرنسية)، مارك نرفين، باريس، 1974.

    غلاف كتاب "أحمد بن صالح وزمانه"

 

اقرأ/ي أيضًا:

علي الزليطني.. قصة أحد مناضلي الاستقلال المنسيين

الحبيب عاشور.. "أسد البطحاء" وحامل لواء استقلالية اتحاد الشغل