كواليس انقلاب 7 نوفمبر 1987.. شهادات على العصر

كواليس انقلاب 7 نوفمبر 1987.. شهادات على العصر

أطاح زين العابدين بن علي بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بانقلاب أبيض يوم 7 نوفمبر 1987 (جويل روبين/أ.ف.ب)

الترا تونس - فريق التحرير

 

يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 هو يوم مفصلي في التاريخ المعاصر لتونس، هو تاريخ انقلاب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد لزهاء 3 عقود منذ استقلالها عام 1956 وحتى اليوم المذكور، حينما غدره وزيره الأول بن علي متحالفًا مع قيادات أمنية بانقلاب مبرّره العلني هو عجز رئيس البلاد على أداء مهامه.

كيف خطط الوزير الأول بن علي للانقلاب على رئيسه بورقيبة؟ من ساعده؟ كيف جرت الأمور في الساعات الأخيرة قبل تنفيذ الانقلاب؟ وكيف كانت ردة فعل الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة؟

وقد وعد بن علي في بيان انقلابه بإطلاق مسار ديمقراطي تعدّدي في البلاد بيد أنه أخلف وعوده، ليتولى حكم البلاد بالحديد والنار على مدى 23 سنة حتى أسقطه التونسيون في ثورة 17 ديسمبر/14 جانفي التي اندلعت في مواجهة استبداد وحيف نظامه الذي كان يحتفل بانقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني باعتباره "يوم التحوّل المبارك".

كيف خطط الوزير الأول بن علي للانقلاب على رئيسه بورقيبة؟ من ساعده؟ كيف جرت الأمور في الساعات الأخيرة قبل تنفيذ الانقلاب؟ وكيف كانت ردة فعل الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة؟

"ألترا تونس" يجمّع شهادات لشخصيات شاهدة على العصر واكبت انقلاب 7 نوفمبر:


الحبيب عمار (آمر الحرس الوطني زمن الانقلاب): بورقيبة كان يخطّط للإطاحة ببن علي

يعدّ الحبيب عمار الرجل الثاني في انقلاب 7 نوفمبر، بل هو رجل الميدان والتنفيذ الذي أشرف على الأرض على عملية تطويق قصر قرطاج وعزل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

عمار، الذي كان آمرًا للحرس الوطني زمن الانقلاب، تحدث بعد الثورة على كيفية تخطيطه مع زين العابدين بن علي للانقلاب، مبينًا أن الفكرة اختمرت يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 1987 حينما أعلمت سعيدة ساسي، بنت أخت بورقيبة، بن علي أن رئيس الدولة يعتزم إقالته من الوزارة الأولى.

وأضاف أن بن علي قال وقتها إنه سيقدم استقالته حفظًا لماء وجهه، ولكن يقول عمار أنه طلب منه التريث لتبدأ حينها فكرة الإطاحة ببورقيبة لتتعدد من وقتها اللقاءات الثنائية فيما بينهما.

الحبيب عمار: بورقيبة كان يخطّط للإطاحة ببن علي من الوزارة الأولى وموعد الإطاحة ببورقيبة كان مخططًا له يوم 8 نوفمبر 1987

اقرأ/ي أيضًا: منهم المرزوقي والشابي وبن سدرين ..هؤلاء أنصفوا محمد المزالي في محنته

وقال إنه كان من المخطط تنفيذ الانقلاب يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني الموافق ليوم عيد الشجرة، ولكن بن علي أعلمه أنه جاءته معلومات من الأمنيين المندسين وسط الإسلاميين أن الاتجاه الإسلامي يخطط لعملية انقلابية بدوره في نفس يوم التخطيط الانقلابي الأول. وأكد عمار أنه تقرر حينها تقديم عملية الانقلاب بيوم واحد.

وأفاد آمر الحرس الوطني وقتها أنه تم إعلام الهادي بكوش، الذي سيصبح الوزير الأول في أول حكومة لبن علي، بالمخطط الانقلابي يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني. وأضاف عمّار أنه كان من المبرمج في البداية تعيين حامد القروي كوزير أول ولكن أكد أنه دفع نحو تعيين الهادي البكوش باعتبار علاقاته "الطيبة" مع الجزائريين وقتها. ولكن كذّب رواية البكوش لاحقًا حول وجود مخطط لتسميم بورقيبة.

آمر الحرس الوطني السابق الحبيب عمار هو رجل التنفيذ في انقلاب 7 نوفمبر

 

وأكد الحبيب عمار أن الإطاحة ببورقيبة جرت عمليًا بتطويق القصر الرئاسي بقرطاج واستبدال عناصر الأمن الرئاسي بعناصر من وحدة "الكومندوس" بالحرس الوطني، مؤكدًا أنه لم يقع اقتحام القصر وأبقوا على بورقيبة نائمًا ليلتها.

وقال عمّار إنه كان أول شخصية تصف بن علي بـ"سيدي الرئيس"، مضيفًا أنه كان توجد خطة "ب" مع بن علي تقضي بانتحارهما معًا في حال فشل عملية الانقلاب، مؤكدًا عدم علم أي دولة أجنبية بهذه العملية.

الهادي البكوش (كاتب بيان 7 نوفمبر): هذه مراحل إعداد الانقلاب

يعدّ الهادي البكوش الرجل الثالث في انقلاب 7 نوفمبر بعد بن علي وعمّار، وهو من كتب بيان الانقلاب الذي تُلي في الإذاعات، وهو أيضًا الوزير الأول في أول حكومة يشكلها بن علي.

وفي برنامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة، يقول البكوش إن بن علي استنجد به من الأجل الإطاحة ببورقيبة في أكتوبر/تشرين الأول 1987، وإنهما كانا يعقدان إلى جانب الحبيب عمار اجتماعات لإبعاد أول رؤساء البلاد. وأفاد أنه تقدم بنفسه بمقترح بتشكيل حكومة يكون هو رئيسها ووضع مجلس رئاسي من حوالي سبعة جنرالات لإدارة البلاد لمدة ستة أشهر، ولكنه أكد أن المقترح تمَّ رفضه من بن علي وعمار على حد السواء.

الهادي البكوش: أنا من كتبت بيان 7 نوفمبر وبن علي لم يغيّر حرفًا منه وبن علي وعمار رفضا مقترحًا لتشكيل مجلس رئاسي يضم 7 جنرالات لإدارة البلاد لمدة 6 أشهر

ووفق الخطة النهائية المتفق عليها بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول وفق قوله، تم الاتفاق أن يجمع بن علي بعد صلاة الجمعة يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني كل محافظي الأمن والحرس، بينما يعد بن عمار الحرس الوطني للتوجه في منتصف ليل 7 نوفمبر/تشرين الثاني إلى قصر قرطاج بغرض تطويقه. وأكد أنه من قام بكتابة "بيان 7 نوفمبر" ثم طلب من بن علي أن يعيد كتابته بخط يده لتسهل قراءته، ولم يغيّر فيه حرفًا واحدًا.

 

شهادة الحبيب البكوش في برنامج "شاهد على العصر"

 

وأفاد أن ليلة الانقلاب كان يوجد مع بن علي في مقر وزارة الداخلية، مبينًا أنه كان بصدد وضع اللمسات الأخيرة للحكومة الجديدة، فيما كان بن علي في اجتماعات مع ضباط الأمن والجيش، وإعداده مع وزيرة الصحة سعاد اليعقوبي للتقرير الطبي لإثبات العجز الصحي لبورقيبة.

وأكد البكوش ما ذكره عمّار مبينًا أنه علم لاحقًا أن الإسلاميين كانوا يعدون للإطاحة ببورقيبة بتاريخ 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 وقد تلقي بن علي قبل انقلابه معلومات عن "تحركات مشبوهة" ومنها أن أحد حراسه الشخصيين هو إسلامي.

وأضاف أن الانقلاب تم على الساعة الثانية بعد منتصف الليل من يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني مشيرًا إلى أن مسؤول في الأمن الرئاسي تردّد في الاستجابة لمطلب الحبيب عمار بسحب عناصر الأمن الرئاسي، وذلك قبل تدخل بن علي وإعطاءه أوامر بتسهيل مهمة آمر الحرس الوطني، مشددًا على عدم تدخل أي طرف أجنبي في العملية.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة الخبز.. هل حرّكها صراع سياسي داخل أجنحة السلطة؟!

رفيق الشلي (مدير الأمن الرئاسي زمن الانقلاب): دعم إيطالي لانقلاب بن علي

رفيق الشلي كاتب الدولة للداخلية بعيد الثورة وصاحب كتاب "متلازمة قرطاج.. الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي" الصادر عام 2012، كان مساهمًا في عملية الانقلاب العسكري بصفته مدير الأمن الرئاسي الذي استجاب لطلب الوزير الأول بن علي بتسهيل عملية الإطاحة ببورقيبة.

يقول الشلي، في تصريحات إعلامية بعد الثورة، إن عملية الإطاحة ببورقيبة انطلقت بعزله بداية مع طلاقه من زوجته وسيلة بن عمار وثم إبعاد كاتبه الشخصي علالة العويتي وكذلك إبعاد مدير ديوانه منصور السخيري بتعيينه وزيرًا، وحتى أن بن علي أبعد شخصًا يُدعى محمود بن حسين كان يعلم بورقيبة بتفاصيل الأمور ويقرأ له الجرائد. وأضاف أن بورقيبة أصبح منعزلًا في قصره ومعه فقط ابنة اخته سعيدة ساسي التي كانت بيد بن علي، وفق قوله.

صورة تجمع رئيس الجمهورية الراحل الحبيب بورقيبه بوزيره زين العابدين بن علي عام 1986 (أ.ف.ب)

 

وحول كواليس العملية الانقلابية، أفاد أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا على الساعة منتصف الليل والربع يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني من بن علي يطلب منه الالتحاق بمقرّ وزارة الداخلية، وقال إنه وصل بعد نصف ساعة ليجده مُحاطًا بقيادات الجيوش الثلاثة وبقيادات أمنية، فيما كان الهادي البكوش يضع تشكيلته الحكومية.

وأضاف أن الوزير الأول أعلمه أن رئيس الدولة كبر في السن وبات عاجزًا عن أداء مهامه، وقال الشلي إنه كان مقتنعًا بدوره بضرورة إبعاد بورقيبة لكبر سنه ومرضه، مضيفًا أنه كان أمام خيارين إما القبول بخطة بن علي بعد تلقيه تطمينات على حياة رئيس الدولة، أو رفض الخطة وهو ما يعني إيقافه وهو ما لا يُجدي، وفق قوله، على اعتبار أن بن علي قال له إنه لن يتراجع عن خطته ولو استعمل القوة. وفي هذا الجانب، قال إنه أعلمه بأن العملية في بلدان أخرى تتم بالقتل مشيرًا إلى أن بن علي وضع اصبعه تحت رقبته في إشارة للقتل.

رفيق الشلي: مسؤول الحراسة في الأمن الرئاسي رفض في البداية الاستجابة لطلبي بسحب عناصر الأمن من القصر الرئاسي وبن علي قام بانقلابه بتنسيق مع المخابرات الإيطالية

كما أكد مدير الأمن الرئاسي وقتها أن الوزير الأول كان رئيسه المباشر في العمل. وأضاف أنه طلب من آمر الحرس الوطني الحبيب عمار أن يتوجهًا معًا للقصر الرئاسي قبل وصول وحدة "الكومندوس" من الحرس بـ10 أو 15 دقيقة، لأن عناصر الأمن الرئاسي قد ترفض تطبيق أوامره إن شاهدت دبابات الحرس، وفق تأكيده.

مدير الأمن الرئاسي السابق رفيق الشلي استجاب لخطة بن علي للإطاحة ببورقيبة

 

وأضاف أنه طلب من مسؤول الحراسة في القصر الرئاسي "الوكيل دقوق" بسحب عناصر الأمن الرئاسي، ولكنه رفض تنفيذ أمره، مبينًا الشلي أن رد الوكيل يمكن تفهمه لأن عناصر الأمن الرئاسي تلقت تكوينًا يتضمن رفض تطبيق أوامر ولو صادرة من المدير المباشر إن جاءت في الليل وبشكل قد يهدّد أمن رئيس الدولة.

وقال إن الحبيب عمار استشاط غضبًا لما رفض "الوكيل دقوق" تنفيذ الأمر، وأظهره مسدّسه، ويضيف مدير الأمن الرئاسي وقتها رفيق الشلي، في شهادته، أن الوكيل لما عرف جديّة الموقف، أعلمه أنه سينفذ أمره وبالتالي أمر بسحب عناصر الأمن الرئاسي لتعوَضها عناصر "كومندوس" الحرس الوطني.

في جانب متصل، يؤكد رفيق الشلي أن بن علي خطط للانقلاب بتنسيق مع المخابرات الإيطالية مشيرًا إلى أنه تجمعه علاقات سابقة مع مديرها فيفيو مارتيني، والذي كان يصرح للصحف الإيطالية أنه كان مستعد لتهريب بن علي بطائرة مروحية حال فشل الانقلاب، وأنه هو من أعلم الجزائر بالانقلاب. وأضاف الشلي أن مدير المخابرات الإيطالية أعلم أيضًا مدير المخابرات الفرنسية "انبو" الذي استشاط غضبًا وقال له "ما دخلكم في تونس؟".

عمر الشاذلي (مدير الديوان الرئاسي والطبيب الخاص ببورقيبة): هكذا وصف بورقيبة الانقلاب

عمر الشاذلي كان اليد اليمنى للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في الأشهر الأخيرة، إذ كان وزيرًا ومديرًا للديوان الرئاسي وأيضًا طبيبه الخاص الذي كان يزوره كل يوم. وقال في شهادته لوسائل إعلام بعد الثورة إن بورقيبة عمل في آخر أيامه كرئيس للدولة بشكل عادي مبينًا أن آخر عمل رسمي له كان في حدود منتصف نهار 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 بتوقيعه على جوائز ستقدمها وزارة الثقافة بمناسبة يوم السينما أو المسرح.

وأضاف أنه كان على مأدبة العشاء يومها مع بورقيبة أي ليلة الانقلاب، وأنه حدثهم بعد العشاء على الحروب الصليبية إلى غاية الساحة الحادية عشر ليلًا، مؤكدًا أنه كان في صحة جيدة وفق قوله.

عمر الشاذلي:  الوزير الأول الجديد الهادي البكوش طلب مساعدتي لإقناع بورقيبة بالذهاب إلى "دار الهناء" في صفاقس التابعة لرئاسة الجمهورية

وأفاد الشاذلي أنه تلقى لاحقًا اتصالًا هاتفيًا أعلمه بالقبض على الوزير السابق المقرّب من بورقيبة محمد الصياح، ثم جاءه اتصال آخر يطلب منه الاستماع للإذاعة ليسمع وقتها "بيان 7 نوفمبر"، وأضاف أنه توجه للقصر الرئاسي ليصل على الساعة 7 صباحًا ولكنه وقع منعه من الدخول. وتحدث وقتها أن جريدة "لابراس" أصدرت عددًا ليوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 يشيد ببورقيبة، ثم أصدرت عددًا آخر مع الساعة الحادية عشر صباحًا تشيد ببن علي.

وقال الطبيب الخاص لبورقيبة إن الوزير الأول الجديد الهادي البكوش طلب منه المساعدة لإقناع بورقيبة بالذهاب إلى "دار الهناء" في صفاقس التابعة لرئاسة الجمهورية، غير أن الرئيس المنقلب عليه رفض الأمر. وتوجه في المقابل إلى ضيعته في جهة مرناق، مبينًا أن بورقيبة قرر قبل شهرين من الانقلاب أن يهب هذه الضيعة التي اقتناها بماله الخاص إلى رئاسة الجمهورية.

وأضاف عمر الشاذلي أنه لم يستطع الالتقاء بالحبيب بورقيبة إلا يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 أي 3 أيام بعد الانقلاب وكان مرفوقًا بابنه الحبيب، وأفاد إنه قال له مباشرة "هذه خيانة" فردّ عليه رئيس الدولة الذي أصبح سابقًا "لا.. بل هذا غدر".

عمر الشاذلي آخر مدير للديوان الرئاسي زمن بورقيبة وطبيبه الخاص يتحدث عن يوم الانقلاب

 

اقرأ/ي أيضًا:

فرنسا مطالبة بالاعتذار والتعويض عن جرائمها بحق التونسيين.. هل ترضخ؟

اغتيال صالح بن يوسف.. تفاصيل جريمة دولة لم تسقط بالتقادم