يوميات التونسي في زمن الكورونا.. الدفء العائلي في مواجهة كآبة الحجر الصحي

يوميات التونسي في زمن الكورونا.. الدفء العائلي في مواجهة كآبة الحجر الصحي

أعادت أزمة "كورونا" ترتيب حياتنا ويومنا (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

تصدير: "نفعل ما يفعل السّجناء وما يفعل العاطلون عن العمل.. نربّي الأمل" (محمود درويش)


استحوذت "الكورونا" فجأة على نمط حياتنا، وأصبحنا كريشة في مهبّها وهي التي شرعت منذ أكثر من شهر في تغييرنا والحفر عميقًا في ذواتنا الصغيرة وقلوبنا المكدودة من فرط الحبّ والكراهية، والعبث بأرواحنا التوّاقة لمعاني الحياة الجميلة.

كما غيّرت في مسارات الزمن الاجتماعي لكل شعوب العالم، فلم تعد الدنيا كما سبق، ولم تعد أيامنا بنفس الطعم ونفس الرائحة، تغيّر إيقاع يومنا فبتنا نرتّبه على نحو مغاير للعادة: لا توددّ، ولا خروج للمقهى، ولا تريّض، ولا زيارات للأحبة من أهالينا وأصدقائنا وأصحابنا، ولا قبل نودعها على خدود من نحبّ، ولا مصافحات ولا لقاءات.

غيّرت "الكورونا" في مسارات الزمن الاجتماعي لكل شعوب العالم، فلم تعد الدنيا كما سبق، ولم تعد أيامنا بنفس الطعم ونفس الرائحة

أصبح يومنا مشوبًا بالرّيبة والحيطة من بعضنا البعض، وكأنّ كل من يعترضنا هو من حاملي "الكورونا" فبتنا حذرين من بعضنا البعض، وتحوّل المنزل العائلي إلى العالم الرّحب الذي يستوعب إيقاعاتنا الجديدة. والبيت هو ملاذنا الأخير من "الكورونا" القاتلة، وهو جغرافيتنا الجديدة التي تستوعب نمط حياتنا الجديد، داخله نرتّب علاقاتنا من جديد ونقوم بأشياء لم نعهدها من قبل ونطيل النّظر من الشّرفات لأول مرّة فنرى ما نرى لأوّل مرّة.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا وانحباس الأمطار... 2020 سنة بلا ربيع

منذ تفشّي الفيروس في تونس ووظهور الحالات الأولى وغلق المدارس، شرعت الحياة في تونس في التغيّر، لكن مع انطلاق الحجر الصحي العام عادت العائلة التونسية إلى كينونتها التي تلاشت جرّاء الجري اللاهث في مروج الحداثة والتعصير، عادت العائلة إلى بداياتها وصلابتها الأولى بعد أن كانت "سائلة" في العقود الأخيرة.

نتساءل والتونسيون في بيوتهم لساعات طويلة تنفيذًا للحجر الصحي العام الذي سيمتدّ مبدئيًا إلى غاية 4 أفريل/نيسان المقبل، ماذا يفعلون؟ كيف يقضّون يومهم وسهراتهم الطويلة؟

"ألترا تونس" ينقل لكم قصص التونسيّين في تعاطيهم مع الوضع الجديد الذي حتّمه تفشّي فيروس "كورونا".


أمينة كسكاس (أستاذة تربية تشكيلية): كأنّنا نتعرّف على بعضنا البعض من جديد

أمينة، أمّ لبنت عمرها 16 سنة وشاب عمره 22 سنة ويعمل زوجها في مجال التجارة الحرّة، تروي لنا أن عائلتها قبل قرار الحجر الصحي العام كانت تعيش نوعًا من التشظي إذ كان لكل لواحد من أفرادها عالمه الخاص به: من أمكنة يتنقل لها ومشاغل خاصة في علاقة بالدّراسة والعمل والترفيه. وقالت إنهم تقريبًا لا يلتقون إلا ليلًا ولأوقات وجيزة ثم سرعان ما ينغمس الجميع في العالم الافتراضي الخاص به.

أمينة كسكاس (أستاذة تربية تشكيلية): حولت منزلي إلى ورشة مفتوحة للرسم وقد أعرض أعمالي بعد الأزمة في معرض عنوانه "كشوف"

أمّا الآن وبعد قرار الحجر الصحّي العام، "بات المنزل هو الملاذ الأول للعائلة، فأصبحنا نرى بعضنا البعض لساعات، ونجلس إلى طاولة الأكل ونتحدّث لبعضنا البعض، ونضحك ونتشاور ونتحاور في بعض المواضيع المؤجلة"، تضيف "كأننا نتعرّف على بعضنا من جديد، نعم لقد عاد الدفء للمنزل بعد أن سلبته إيّانا طبيعة الحياة العصرية في المدينة"، هكذا عبّرت محدثتنا.

وتضيف أنها عادت للرسم بعد انقطاع طويل وحوّلت الضغط النفسي الذي تعيشه العائلة جرّاء تواتر الأخبار بخصوص تفشي وباء "كورونا" في العالم وفي تونس إلى أعمال فنّية من خلال ورشة مفتوحة في المنزل، مبينة أنها قد تعرضها في قادم الأيام بعد انجلاء الأزمة وعودة الحياة إلى سالف نشاطها في معرض عنوانه "كشوف".

أحمد الماكني (قيّم عام بمعهد ثانوي): سأرتّب أرشيف صوري الفوتوغرافية

يقول أحمد إنّه على مشارف الخمسين من العمر وتجربته في التربية والتعليم تتجاوز العقدين، مبينًا أنه لأول مرّة على مرّ حياته المهنية يتمتع بالعطلة الربيعية كاملة، وهو ما وفّر له مساحة هامة من الوقت للجلوس مع أبنائه وزوجته وخاصة والدته التي تعيش معه في نفس المنزل.

اقرأ/ي أيضًا: بين الرقص والغناء.. كيف تفاعل التونسيون مع حظر التجول؟

وبيّن القيّم العام بمعهد ثانوي، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن هوايته هي التصوير الفوتوغرافي منذ كان تلميذًا ناشطًا بدار الشباب، ملاحظًا أن لديه أرشيف مهم سيتفرّغ له هذه الأيام من أجل تبويبه وتنظيمه وإعادة الحياة إليه، وسيشاركه في ذلك ولديه رامي وبهاء بهدف ترغيبهما في فن التصوير الفوتوغرافي.

وهو يعتبر أن أيام الحجر الصحي العام ستكون فرصة ذهبية للسهر العائلي وخاصة الجلوس مع والدته والحديث إليها والاستماع الى أغانيها البدوية البديعة التي كانت تغنيها بصوت رخيم في الأفراح العائلية فيما مضى من الزمن، مشيرًا الى أنه قد يوثق لذلك بالصوت والصورة حتى تبقى الذّكرى حيّة لا تموت، وفق تعبيره.

سامي الأبيض (موظّف بوزارة العدل): سأعود إلى صديقتي الحديقة  

يذكر سامي الأبيض، في بداية حديثه معنا، أنّه متابع جيّد لأخبار انتشار فيروس كورونا منذ ظهوره بالصين إلى حين وصوله لإيطاليا وأوروبا ثّم إلى باقي بلدان العالم، مشيرًا إلى أنه كان يتوقع أن تذهب تونس إلى قرار الحجر الصحي العام. وبينّ أنه استعّد لهذا الحجر جيّدًا، فتزوّد بالمؤونة الغذائية اللازمة لعائلته، وهو حاليًا ملتزم تمام الالتزام بالحجر وما تعلّق بها من التزام إجراءات النظافة وكيفية التواصل الضروري خارج المنزل.

سامي الأبيض (موظف): رغم المشاعر الحزينة التي تلفّنا هذه الأيّام جرّاء ما يحدث للبشرية، يحمل للحجز الصحي بعض الأفضال 

وبخصوص توزيع الوقت، أوضح محدثنا أن بمنزله حديقة جميلة لكنّها تعرّضت للإهمال لسنوات لعدم تنظيفها وتشذيب أشجار زينتها وكرومها وياسمينتها المطلة على الشرفة الرئيسية للمنزل، مؤكدًا أنه سيخصص كامل وقته خلال الأيام القادمة لزراعة بعض الزهور والورود، كما سيخصص مساحة من الحديقة لزراعة بعض الخضر والبقول.

أما في السهرات الطويلة، ستعوّض المسامرات الليلية العائلية جانبًا من الوقت الذي كان مخصصًا للأنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي لأنه، بحسب رأيه، فقدت العائلة التونسية اليوم أجهزة تواصلها وهي تحتاج بالأساس إلى مزيد الجلوس مع بعضها البعض والاستماع إلى قصص الأبناء وأحلامهم. وختم محدثنا أنه رغم المشاعر الحزينة التي تلفّنا هذه الأيّام جرّاء ما يحدث للبشرية، يحمل للحجز الصحي بعض الأفضال وفق تعبيره.

أميرة لملوم (طالبة): أعددت برنامجًا سينمائيًا عائليًا

أميرة لملوم، طالبة في جامعة خاصة وناشطة في نوادي السينما، تتابع باستمرار آخر الإصدارات السينمائية في العالم وهي من أحباء السينما الإيطالية التي تعتبرها درسًا عظيمًا في السينما، مبينة أنها أعدت برنامجًا سينمائيًا عائليًا بعد أن ناقشت الأمر مع شقيقيها ووالديها وتحديدًا مع والدها أستاذ اللغة الفرنسية المتقاعد.

اقرأ/ي أيضًا: طبيبة تونسية في إيطاليا تروي لـ"ألترا تونس" تجربتها في مواجهة كورونا

تضيف لـ"ألترا تونس" أن أوقات الحجر الصحي طويلة وكئيبة وخاصة في الليل مستذكرة مقولة نيتشه "علينا بالفن كي لا تميتنا الحقيقة"، لتواصل أن للسهرة السينمائية العائلية تقاليدها ونواميسها من إضاءة وأكل ثم نقاش عام بين أفراد العائلة حول الشريط.

أميرة تحدّثت أيضًا عن سهرات مماثلة ينفذها أصدقائها من أحباء السينما مع عائلاتهم، مشيرة إلى أنها تتبادل معهم الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وهي تفكر في إقامة سهرة جماعية عبر تقنية "السكايب" من أجل الاستفادة من وقت الحجر وتحويله إلى مساحة فنية رائعة والتخلص من تلك الرتابة التي سرعان ما تستبدّ بالعائلة.

أمين قيراط (معلّم): نحن عائلة تعشق المطالعة

أمين قيراط، وهو معلّم تطبيق منذ ثلاثة عقود، أب لثلاثة أبناء ومتزوّج من معلّمة أيضًا، ما إن سألناه عن كيفية تقضية وقت الحجر الصّحي، حتى أجاب مباشرة بالمطالعة ملاحظًا: "نحن عائلة تعشق المطالعة ونروّج لها دائمًا لدى تلامذتنا في المدارس التي مررنا بها، نملك مكتبة منزلية بها مئات العناوين وأغلبها أدبية".

أمين قيراط (معلم): الحجر الصحي الذي فرضته "الكورونا" هو فرصة للمطالعة والعودة للكتاب

وأضاف أن الحجر الصحي يمثّل فرصة هامّة بالنسبة إليه لتدارك كتب كثيرة أجّل قراءتها قائلًا: "ربّما أنهي خلال الأيام القادمة مجموع روايات الكاتب البرازيلي الكبير جورجي أمادو وخاصة عمليه "قباطنة الرمال" و"الرجل الذي مات مرّتين".

وقال محدثنا إن زوجته رتّبت أمرها وقائمة الكتب التي سينطلق الأبناء في مطالعتها والتي ستشمل بالأساس الأدب الفرنسي مشيرًا إلى أن أبناءه الثلاثة في مستوى التعليم الثانوي.

وختم قيراط حديثه معنا أن الحجر الصحي الذي فرضته "الكورونا" على شعوب العالم بما في ذلك الشعب التونسي هي فرصة للمطالعة والعودة للكتاب "ففي ذلك مداواة وراحة للنفس التي تشعر بالألم خلال هذه الأيّام".

سنية خميري (صاحبة شركة): الحجر أعادني إلى هواية الطبخ وصناعة الحلويات

من جانبها، اختارت سنية الخميري، متخرّجة من المدرسة العليا للتجارة بتونس، نهج القطاع الخاص وغامرت ببعث مؤسسة تجارية ذات توجه تصديري للسوق المغاربية، تحدثت إلينا، بداية، عن الصعوبات التي يمكن أن تمرّ بها مؤسستها جرّاء قرارات إيقاف كل الأنشطة غير الحيوية التي اتخذتها الحكومة للتوقي من انتشار فيروس "كورونا" ببلادنا.

وأشارت المرأة المتزوجة حديثًا إلى أنها ستعود خلال أيام الحجر الصحي إلى هوايتها الأولى وهي الطبخ وصناعة الحلويات التونسية موضحة أنها بصدد تلقّي دروس في الغرض وقد اتفقت مع مدرّبتها على مواصلة الدروس عن بعد بواسطة الأنترنت خلال أيام الحجر.

سفيان الفراحتي (المختصّ في علم الاجتماع): هذه أدوات المجتمع لمواجهة أزمة الكورونا

هذه التغيرات التي طرأت على الحياة الاجتماعية بالنسبة للتونسيين جرّاء أزمة الكورونا وقرار الحجر الصحي العام، أثّرت على العادات اليومية وغيّرتهم وأعادت ترتيب أدوات تواصلهم وقرّبتهم لبعضهم البعض وهم تحت سقف واحد منذ سنوات عديدة.

سفيان الفراحتي، المختص في علم الاجتماع والباحث بالجامعة التونسية، يرى أن ارتفاع منسوب القلق لدى التونسيين ناجم بالأساس عن الإحساس بالخوف من المجهول بمعنييه الاثنين أي الوباء اللّامرئي والمستقبل الغامض، معتبرًا أن ذلك أمرًا طبيعيًا تعيشه الآن كل الشعوب التي توخت الحجر الصّحي العام توقيًا من تفشي الفيروس.

سفيان الفراحتي (مختص في علم الاجتماع): عناصر القوة التي يمكن للفرد أن يواجه بها الكورونا هي استنهاض آلية التكيف التي تسكن

لكنّه يذهب إلى أن تغيّرات اجتماعية جذريّة ستحدث في تونس وفي كل العالم بعد تخطّي أزمة الكورونا مقارنًا ذلك بما خلّفته الحرب الكونية التي عاشتها البشرية في النصف الأول من القرن العشرين وما ترتّب عنها من تغيّرات في البنى والقيم الاجتماعية مضيفًا أن الباحثين في علم الاجتماع باتوا يتحدّثون عن الإنسانية ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

وأوضح، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أن الاختلافات التي كانت سائدة بين الأفراد والمجموعات داخل المجتمع الواحد قبل الكورونا ستطرأ عليها تغيّرات عميقة مبيّنًا أنّ أنماط العلاقات الاجتماعيّة ستتغيّر هي الأخرى، مشيرًا إلى أنّ التونسيين استشعروا ذلك خلال أيام الحجر الصحّي العام، وهو حسب رأيه، ما سيكسبنا أدوات اتصال جديدة في تعاملنا مع ذواتنا أو مع أفراد العائلة وحتى مع المجتمع بمختلف تقسيماته.

وأشار الفراحتي إلى أن فترة الحجر الصحي هي مادّة خصبة للعلوم الإنسانية بمختلف فروعها ستجعلنا نفهم الشخصيّة التونسية على نحو مختلف. وأكّد أن ما يعيشه التونسيين هذه الأيام داخل بيوتهم وخارجها تحدث عنه عالم الاجتماع "قي روشيه" ووصفه في مقالات عديدة تتصل بالتغير الاجتماعي وحدّده في أربعة نقاط مترابطة وهي: عمومية ما يحدث وسريانه على كل الفئات، وإصابة البنية النفسية والسلوكية، والتحولات المنجرة عن ذلك وأخيرًا ديمومة التغيير واستمراريته.     

وأبرز الباحث في علم الاجتماع، في خاتمة حديثه معنا، أنّ عناصر القوة التي يمكن للفرد أن يواجه بها المستجدات التي قد تطرأ مع أزمة الكورونا هي استنهاض آلية التكيف التي تسكنه وهي أحيانًا خاملة ولا تعمل ومن ثمّة الدخول في عملية كبرى لصناعة الأمل وذلك حتى تستمرّ الحياة، على حد تعبيره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هبة مواطنية "زمن الكورونا"

الخيارات التونسية في مواجهة الكورونا..