تونسيون أدمنوا

تونسيون أدمنوا "العالم الأزرق" ثم غادروه دون رجعة

20541 مشاهدة
إدمان فيسبوك هو إدمان العصر (getty)

أيّا كان نوع اهتمامك وموقعك من العالم الأزرق، عالم فيسبوك، فمن المؤكد أنّك ستجد ما تبحث عنه في عالم افتراضي أوجد لك حياة بديلة، وملأ يومياتك بكلّ ما هو جديد. حتى أنّك قد تغرق دون وعي منك في خندق إدمان مختلف الأشكال، قد يكون مجرّد إدمان الأخبار، أو إدمان الدردشة والأحاديث، أو التعرف على أصدقاء جدد تجمعك بهم سوى صور وهويات قد تكون وهمية.

ولكنّك تنساق وراء عالم تجمع من خلاله بعض "اللايكات"، والأحاديث التي تملأ بها فراغك، أو تسرق منك اهتماماتك الأخرى، حتى تدمن هذا العالم الأزرق دون وعي منك، والذي بات حتى بعض الأطباء والمختصين النفسيين يحذرون منه. وبتنا نطالع بعض العناوين من قبيل كيف تتخلص من إدمان فيسبوك؟ وما هي خطوات التخلص من فيسبوك؟ وأبرز نصائح التقليص من عدد ساعات فيسبوك؟ وكأننا نطالع عناوين التخلص من إدمان التدخين أو المخدرات أو حبوب الهلوسة، لأنّه بالطبع هو الموقع الأول والأشهر في سلسلة مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة وبقوة في السنوات الأخيرة. 

بات ينتشر إدمان فيسبوك بين الشباب لدرجة أن العديد منهم يضطر للجوء لطبيب نفساني ليغادر "العالم الأزرق"

"قد تقضي أكثر من 24 ساعة تتصفح فيسبوك تتابع بعض الأخبار على اختلاف أهميتها، وتدردش مع البعض دون أن تنتبه للأمر، ودون أن تنتبه إلى أنّك تتجه نحو الإدمان"، هكذا حدّثنا كريم عامري (26 سنة) أحد من كانوا مدمني العالم الأزرق كما يقول. وأضاف أنّه ينعزل عن العالم وعن حياته اليومية في بعض الأحيان ليبقى أيامًا في البيت دون الخروج منه ليتصفح فقط فيسبوك خصوصًا منذ اندلاع الثورة، ومتابعة ما يحصل من أحداث حتى أدمن فيسبوك دون أن يدرك ذلك. وقال في تصريحه لنا أنّه يقضي يوميًا معدّل 16 ساعة دون أن يحادث أحدًا أو حتى يتناول أكله مع العائلة ليبقى ساعات وساعات يحادث أصدقاء فيسبوك ويتابع ما يحصل في العالم، وغالبًا يحادث أناسًا لا تربطه بهم أي علاقة على أرض الواقع.

اقرأ/ي أيضًا: لعبة "البلانات".. الإدمان الخفيّ من أجل الربح السريع

كما أشار محدّثنا إلى أنّ الأمر دفعه إلى اللّجوء إلى أخصائي نفسي، وأضاف قائلًا: "قد يسخر البعض من لجوء شخص لأخصائي نفسي لعلاج إدمان فيسبوك ولكن هذا ما حصل معي، فبعد أربع سنوات أيقنت أني أسير في الاتجاه الخاطئ خاصة وقد باءت محاولاتي لمقاطعة فيسبوك بالفشل، واليوم ليس لي حساب على هذا الموقع. وقد خضعت لأكثر من عشرة جلسات علاج، قدم لي فيها المختص نصائح وطرق التخلّص من ذلك الإدمان". وأضاف كريم في حديثه لـ"الترا تونس" قائلًا "ربّما لأنني خريج معهد فنون جميلة وجدت بديلًا في الألوان واللوحات، وهذا من حسن حظي أنني عدت لممارسة ما أهوى، لكن قد يكون الأمر صعب على البعض خاصة ممن يؤمنون أنّ قضاء ساعات طوال على فيسبوك ليس إدمانًا".

كريم (26 سنة): قد يسخر البعض من لجوء شخص لأخصائي نفسي لعلاج إدمان فيسبوك ولكن هذا ما حصل معي فقد أيقنت أني أسير في الاتجاه الخاطئ خاصة وقد باءت محاولاتي لمقاطعة فيسبوك بالفشل

قصّة أخرى يحدّثنا بها الشاب علي (29 سنة)، هي قصّة طريفة ولكن جرّت صاحبها لإدمان فيسبوك. يقول محدّثنا إنّه يطمح إلى الهجرة إلى أي بلد أوروبي، فكان يلاحق الفتيات الأوروبيات عبر فيسبوك، يربط علاقات بهنّ عبر هذا العالم الأزرق علّه يجد ضالته التي ستنعم عليه بعرض شغل أو عقد زواج يسهل رحيله كما يقول. ويضيف علي في حديثه لـ"الترا تونس" أنّه كان يقضي أحيانًا 24 ساعة يحادث الفتيات الشقراوات إلى أن أدمن فيسبوك يتابع من خلاله حياة الأوروبيين وعالمهم، وأي بلد فيهم أفضل للعيش، وهل الحياة مع فرنسية أفضل وأضمن من العيش مع ألمانية، أو ربما تكون الإيطالية أفضل لا سيما وأنّه يتقن لغتها. لكن بعد ثلاث سنوات من العزلة عن الحياة اليومية "ما زلت لم أحظى بتلك التي تنقذني فيا خيبة المسعى"، هكذا يحدّثنا علي.

ويضيف محدّثنا أنّه خلال خروجه مع الأصدقاء، أو البقاء مع العائلة أو ممارسة أي نشاط، يكون ذهنه دائمًا مع تلك "النقطة الخضراء" التي تجمعه بالفتيات على فيسبوك، ويتساءل، هل أجابت على رسالتي؟ هل فهمت ما قلته؟ هل فعلاً ستساعدني؟ ليجد تركيزه فقط على علاقاته هناك، تلك العلاقات التي يبنيها على مصلحة ما لإيجاد فرصة ما، إلا أن قرر ذات يوم أن يرحل عن ذاك العالم بعد إدمانه أكثر من ثلاث سنوات. في البداية حاول محدّثنا إخبارنا أنّ هجرانه لفيسبوك كان بمحض إرادته، لكنّه كشف أنّه تلقى علاجًا نفسيًا ما زال يواصل جلساته إلى اليوم، وإن تراوده أحيانًا فكرة العودة، وفق قوله.

اقرأ/ي أيضًا: تنتشر عند التونسيين.. "اللودو" بين المرح والإدمان

و"الجلوس لساعات دون أنّ تدرك أو تشعر بالوقت الذي يمرّ، يجعلك تتجرّد شيئًا فشيئًا من بعض الصفات لديك، وتصبح غير اجتماعي، وانطوائي لا تشعر بالثقة إلا خلال مناقشة الناس في فيسبوك وليس بصفة مباشرة"، هكذا تتحدّث مفيدة (28 سنة) مضيفة أنّها تظلّ يوميًا لنحو 18 ساعة تدردش مع صديقاتها على فيسبوك حديثًا يكون أحيانًا عاديًا لا نفع منه ولكن "ندمن تلك الجلسات أمام شاشة الهاتف ترافقنا فيها سوى القهوة والعزلة في غرفة صغيرة".

مفيدة (28 سنة): الجلوس لساعات دون أنّ تدرك أو تشعر بالوقت الذي يمرّ  يجعلك تتجرّد شيئًا فشيئًا من بعض الصفات لديك

وتضيف مفيدة في حديثها معنا "لكن ولعدّة أسباب قررت إغلاق حسابي الشخصي على فيسبوك، لم تكن المسألة بالأمر الهين ولكن استطعت ذلك خاصة بعد أن حصل معي أمر لن أنساه وهو بقائي في البيت طيلة شهر دون الخروج ودون أن أشعر حتى بأنني في حاجة إلى ذلك لأني أدمن عالمي الافتراضي وبت أشعر حينها أنّه يغنيني عما يحصل في الخارج".

وتشير مفيدة قائلة "لم أخضع لعلاج نفسي مثل البعض ولكنني كنت على قناعة بضرورة الخروج من بوتقة العوالم الافتراضية إلى تلك الحياة التي كنا نعيشها خارج العالم الأزرق، أين كنّا نعيش حياة عادية لا فراغ فيها ولا ملل"، مضيفة أنّها باتت تفرض حتى خلال لقائها بصديقاتها عدم استعمال الهاتف أو فتح فيسبوك.

وقد يستغرب البعض، في الأثناء، فكرة اللجوء إلى اخصائيين نفسانيين للعلاج من إدمان فيسبوك لكن خصّصت بعض البلدان فعلًا عيادات لعلاج إدمان فيسبوك، وقد كانت الجزائر أول بلد عربي يفتح مصحة لعلاج إدمان العالم الأزرق منذ سنتين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أنا أسكر.. إذًا أنا موجود": من الدوام إلى الحانة

في تونس.. أطفال لا يعرفون البحر