"هنا يباع الخمر خلسة".. حينما يتحدى باعة الخمر الأمن وكورونا معًا

يؤكد باعة الخمر تزايد الإقبال على استهلاك الخمر في فترة الحجر الصحي (الشاذلي بن إبراهيم/جيتي)

 

"هنا يباع الخمر خلسة" هذه الجملة الشهيرة والمثيرة التي تصادفك مكتوبة بخطّ مختلفة على بعض جدران الأنهج الخلفية والزوايا المهجورة في الأحياء الشعبية التونسية بضواحي العاصمة والمدن الكبرى، هي من أقدم جمل تحدي السلطة تداولًا منذ نشأة الدولة الحديثة إلى اليوم.

اقرأ/ي أيضًا: شباب "الكالا".. عن سوسيولوجيا "النفّة" في تونس

أكثر من مجرّد عبارة

تُكتب هذه العبارة كـ"آفيش" تهكمي وتندّري على الجدران الخربة وبخطوط مائلة على الوجه الآخر للمدينة بمعناها الفلسفي والجمالي، لكنها تحمل في عمقها النفسي ترسّبات اجتماعية وانكسارات وخذلان للدولة تجاه فئات بعينها وتروى قصص النّسيان والتّهميش والإهمال والتآكل الاجتماعي لفئات من المفقّرين التونسيين.

وإذا ما رمنا الغوص أكثر في بنية ومجاهل هذه الجملة/النّص، نجد أنها ذات مدلول إقصائي أو ما يسميه أمبرتو إيكو بـ"العلامة المركّبة"، فهي تروي قصص منحوتات اجتماعية متفرّدة لا تتشابه رغم إتيانها ظاهريًا نفس الممارسات السلوكية ووجودها في نفس الأمكنة. كما نجد لهذه المقولة أوجه أخرى تتزين كالأطياف منها ما هو سياسي واحتجاجي باعتبارها تعبيرًا عن الذات المنسية المتدلية خارج المجتمع الكبير.

تقصيًا لجملة "هنا يباع الخمر خلسة" في زمن الكورونا، توجهنا إلى الزهروني بتونس العاصمة للقاء بعض باعة الخمر

لكنها أيضًا كيانات تأبى لنفسها التصنيف النمطي رغم تسرّع "الجسم الاجتماعي" إطلاق صفات بعينها ذات مدلولات أخلاقية، إذ يسمّي المختصون في القانون هذه الفئة بعبارتين شهيرتين وهما "المخالفين للقانون" و "المارقين عن القانون"، فيما يصف علماء الاجتماع الكلاسيكيين باعة الخمر خلسة بـ"غير الممتثلين".

وتقصيًا لجملة "هنا يباع الخمر خلسة" في زمن الكورونا، توجهنا إلى الزهروني بتونس العاصمة، والزهروني لمن لا يعرفه هو حي شعبي تشكّل بالضاحية الغربية للعاصمة تونس منذ ستّينيات القرن الماضي، استمد تسميته من اسم الولي الصالح "سيدي أحمد الزهروني". وهذا الحيّ معروف أيضًا بكثافته السكانية إذ يعدّ حسب آخر تعداد عام للسكان والسكنى حوالي 694 ألف نسمة، فيما تتجاوز مساحته 350 هكتارًا.

يعدّ الزهروني فضاءً خصبًا لتقصي تلك الجملة الشهيرة. وصلت بعد منتصف النهار، وكان الطقس ربيعيًا مشمسًا، تخيّرت ركنًا بشارع النخيل ووقفت أنتظر صديقًا من سكان الحي سيكون دليلي في مجاهل المهمة. وأثناء لحظات الانتظار، تبدو وتيرة الحياة اليومية تحت سماء الزهروني مستمرة بشكل طبيعي: النساء والرجال من مختلف الأعمار وبعضهم مرفوق بأطفاله في انشغال بالتبضع، مع معاينة اكتظاظ في سوق الحي وأمام تجار المواد الغذائية بالجملة المتواجدين بكثرة في الأنهج المحاذية. هنا في الزهروني وبعد تأملك لهذه المشاهد، ينتابك مباشرة شعور بأن فيروس كورونا لم يصل بعد إلى هذا المكان بل وكأن الحجر الصحّي العام الذي أقرته الدولة منذ أسابيع هو مجرّد إشاعة.

ونحن في الطريق للقاء أحد أبناء عائلة يمتهن أفرادها بيع الخمر، حدثني دليلي أن الحجر الصحي لم يعطّل هؤلاء التجار عن العمل بل يبدو أنهم في أوج نشاطهم، فقد تنامت تحركاتهم في ظل الوضع الأمني الجديد حيث رجال الأمن في انشغال بمطاردة المحتكرين والمخالفين للحجر الصحي.

شكري (بائع خمر خلسة): مشكلتي مع "السيستام" والأمور جيّدة مع كورونا

أثناء ترتيب صديقنا الدليل للقاء هاتفيًا، مرّ حذونا سرب من الأطفال يمتطون درّجات هوائية ويسابقون الرّيح ولا يبالون بفيروس كورونا، دخلنا أنهجًا خلفية عديدة لنتوقّف في زاوية بعينها، وما هي إلا دقائق معدودات حتى حلّ "شكري" (اسم مستعار). وهو شاب ممشوق القوام كنحت على أبنوسة، وبزي رياضي فخم، ويبدو أنه لم يتجاوز العقد الثالث من عمره.

وبعد دردشة صغيرة رافقتها بعض الضحكات التي خففت من التوتر الداخلي والالتزام الأخلاقي من جهتي بعدم نشر اسمه أو اسم عائلته أو ذكر عنوانه، بدأ شكري حديثه قائلًا: "أنا أصغر أفراد العائلة، وقد وجدت جميع أهل الدار يبيعون الخمر منذ وعيت على الدنيا حتى اعتدنا المداهمات الأمنية. مثلًا، قد أصحو من النوم وأجد عون أمن حاملًا سلاحه أمامي".

شكري (اسم مستعار لبائع خمر): لا أحد يحبنا، لا الدولة ولا الناس. أيُراد لنا أن نموت؟ أليس لدينا الحق للعيش معكم؟

كان قاع صوت محدثنا مليئًا بالمرارة والألم مواصلًا: "لا أحد يحبنا، لا الدولة ولا الناس. أيُراد لنا أن نموت؟ أليس لدينا الحق للعيش معكم؟". يضيف "نحن 4 إخوة، والأمن يعرفنا جيدًا، وبيع الخمر مهنتنا التي نعيش بفضلها. دخلنا للسجون وعانينا ولكننا لن نتنازل. أخي الأكبر في السجن وسيخرج قريبًا".

اقرأ/ي أيضًا: شباب راديوهات الواب في تونس.. إرادة تتحدّى الكورونا

سألناه عن العمل خلال أيام الحجر الصحي العام فرد: "الحمد لله الأمور جيّدة. الناس في بيوتهم وقلقة جدًا ويريدون بعض الترفيه تجاوز ضغط كورونا" مضيفًا ضاحكًا: "ونحن نوفر لهم بعض الترفيه".

وعن طرق البيع المتبعة، أكد شكري أنها "صنعة وفن" لمرواغة "الحاكم" (الأمن) مبينًا أنه يشتغل مع أفراد العائلة ليلًا ونهارًا بتوزيع الأدوار والمهام. وأوضح أن البعض يتولى الرصد في الأماكن الاستراتيجية بالحي، ومنهم من يتحاور مع الزبائن ويسلمهم "القطعية" دونما إطالة في الحديث معهم خاصة في أوقات بعينها، ومنهم من يمسك "الكاسة" أي الحساب. وأضاف أنه تكوّنت لديهم خبرة في إدارة هذا العمل الخطر "أحيانًا يعدّ الأمن كمينًا لكن نتفطّن له ونتصرّف بالشكل اللازم".

تزايد الإقبال على استهلاك الخمر في الأحياء الشعبية خلال أزمة كورونا (الشاذلي بن إبراهيم/جيتي)

 

وبخصوص العلاقة بالجيران في الحي، قال محدثنا إنها "باهية وخايبة" (سيئة وجيّدة) مضيفًا "يوجد ناس جيّدون ويوجد -الصبابة- (الوشاة) ومن يشي بنا هو من ينافسنا. مشكلتنا ليست مع الجيران بل مع –السّيستام- الي مسكّر علينا (يضايقنا)".

ويبيّن شكري بخصوص التزود أنه وإخوته يقتنون سلعتهم من الفضاءات التجارية المخصصة لبيع الخمور المعدّة للحمل وأن مجال اختصاصهم هو الخمور التونسية الشعبية فقط، وأضاف أن لديهم مسالك أخرى لا يعرفها غيرهم.

وأوضح أن الأسعار التي يبيعون بها سلعهم غير مرتفعة مقارنة مع باقي الباعة لذلك هم قبلة عدة زبائن خاصة في جوف الليل عندما تُغلق المحلات، ملاحظًا أن هذه المنطقة الزمنية الخطرة تتطلب الكثير من الحذر لأن أغلب الزبائن "سكارى وجاو للزيادة" (سكارى وقدموا للاستزادة).

ونحن نختم هذا اللقاء، حاول شكري أن يعطي صورة جيدة على بيع الخمر خلسة قائلًا: "نحن لسنا سيئين كما يرد في أخباركم عنّا. نحن أناس عاديون نحب ونكره لكنّنا أُجبرنا على افتكاك لقمة عيشنا عنوة كي نعيش كباقي المواطنين".

أحمد (بائع خمر خلسة): لا نشكل خطرًا على المجتمع

حينما كنا في طريقنا للقاء "أحمد" (اسم مستعار) وهو من تجار بيع الخمر خلسة قرب المنتزه العمومي البلدي، حدّثني صديقي أن هذا المنتزه كان مطلبًا شعبيًا لأبناء منطقتي الزهروني والحرائرية فاستجابت بلدية العاصمة التي حوّلت جزءًا من "المنبت الكبير" الذي يتزود منه الناس بنباتات وأشجار الزينة لحدائقها إلى فضاء لائق بات متنفسًا للمواطنين بمختلف شرائحهم.

أحمد (اسم مستعار لبائع خمر): أزمة كورونا فتحت لنا باب الرزق إذ قلّت المداهمات الأمنية وكثر إقبال الناس في ظل تفرغهم على استهلاك الخمر

اقتربنا من المنتزه الذي كان مغلقًا جرّاء الحجر الصحي العام حتى لاح أحمد في انتظارنا وبجانبه دراجة نارية ويبدو من الوهلة الأولى أنه في العقد الرابع من عمره، كان بدجينز أسود ويضع قبعة رياضية ويدخن متوجسًا كذئب.

كانت فاتحة اللقاء تتمثّل في بعض الأحاديث الجانبية مع الصديق الوسيط تتعلّق بمصير بطولات كرة القدم في تونس وأوروبا وضغوط الحجر الصحي. وبعد التأكيد على عدم التسجيل والتصوير وعدم إفشاء المعلومات الشخصية والالتزام من جهتي بذلك، أوضح محدثنا، بداية، ووجهه ممتلئ بالحسرة أنه حصل على الباكالوريا ذات صيف لا يُنسى لكنه لم يتمم دراسته الجامعية لأسباب اجتماعية كانت تعيشها عائلته، مما اضطره والعائلة للنزوح من الشمال الغربي والاستقرار بالزهروني.

وأشار إلى أنه لمّا انسدت سبل العمل القار، انجذب لممارسة مهنة بيع الخمر خلسة مع مجموعة من الشبان، ولمّا فهم أحابيل هذه المهنة الخطرة استقل برأس ماله وبدأ مغامرته الشخصية في هذا العالم الذي بقدر إغداقه المال على صاحبه، فإنه قد يدفع به أحيانًا الى مخاطر عديدة مثل دخول السجن وهو ما حصل له ذات كمين نصبه رجال الأمن في ليلة صيف.

اقرأ/ي أيضًا: حوارات | كيف يفهم كبار أساتذة الفلسفة في تونس أزمة كورونا؟

تبدو نباهة وثقافة أحمد عالية في مجاله إذ يعتبر أنشطة بيع الخمر خلسة جزءًا من الاقتصاد الموازي لها تعقيداتها ومواسمها ولها أيضًا مسالكها ورجالها الذين يحسنون ملاعبة القوانين، مشيرًا إلى وجود مستويات ودوائر أكبر للتهريب والاتجار بالمشروبات الكحولية. وأضاف أن حجم المعاملات المالية الخاص ببيع الخمر خلسة وما اتصل بها ضخم الى أبعد الحدود ولا أحد يستطيع حصره، وفق قوله.

أما عن ظروف تجارته الموازية أيام الحجر الصحي، حدّثنا أحمد أنه وفّر كمية هامة وبنفس الأسعار القديمة مضيفًا باللهجة العامية: "الكورونا حلّت باب الرزق والحاكم (الأمن) رخف علينا شوية والناس ولّى عندها الوقت باش تستهلك بزايد".

وختم محدثنا قوله وهو يمسك بدراجته النارية ويهمّ بالمغادرة بأنه لا يعتبر نفسه يشكل خطرًا على المجتمع رغم الصورة النمطية المروّجة على أهل مهنته، مؤكدًا أنه سيواصل بيع الخمر خلسة ما دامت الدولة متخلية عنه وعن عائلته وفق قوله. وقال إن الدولة تسعى دومًا للمعاملة الزجرية ومعاقبته وأمثاله بالخطايا المالية والسجن ولا تسعى لمدّ يد المساعدة والجلوس إليهم والتحاور معهم من أجل البحث عن الحلول والبدائل الممكنة.

سفيان الفراحتي (مختص في علم الاجتماع): ضرورة إخراج هذه الظاهرة من دوائر محللي السلطة

"إن هذه الظاهرة القديمة في المجتمع التونسي قلّما تناولتها العلوم الإنسانية في تونس بالعمق المطلوب وقلّما استأنس فقهاء القانون بدراسات العلوم الاجتماعية حتى يطوروا القوانين الخاصة ببيع الخمر خلسة"، هذا ما أكده سفيان الفراحتي المختص في علم الاجتماع والباحث بالجامعة التونسية الذي اتصلنا به لمزيد فهم هذه الظاهرة من زوايا جديدة.

يقول محدثنا إن ظاهرة بيع الخمر خلسة هي إنتاج عملية تطوّرية داخل مجتمع عرف عبر تاريخه إخلالات عديدة في مسارات التنمية فثمة مواريث اجتماعية وثقافية لا بد من الرجوع اليها حتى نفهم أكثر هذه المسألة الشائكة التي يتداخل فيها الأخلاقي بالقانوني.

سفيان الفراحتي (مختص في علم الاجتماع): هذه الفئات قابلة للاستعادة والدمج الاجتماعي دونما تعسف أو إسقاط ضمن رؤى سياسية انتخابية

وبيّن لـ"ألترا تونس" أن تاريخ هذه الظاهرة يتطلب منا القيام بحفريات علمية في بنية شخصية هذا المجتمع الصغير وجروحه من ابستيمية الخطاب النظري والتقني إلى مدارات التفكيك الاجتماعي وفق تعبيره. وأكّد أن باعة الخمر خلسة "عادة ما ينظر إليهم بأنهم أجساد تصنع الجريمة بالمعنى القانوني في حين أنها أجساد تنحني خارج المجتمع الكبير لإحساسها بالإجحاف، فهي أجساد تشعر بالإقصاء وهي في قلب المجتمع".

وأضاف الفراحتي أن النظرة الاختزالية من وجهة نظر البنّائين الاجتماعيين الكلاسيكيين هي المعتمدة في تونس داعيًا إلى التخلي عنها لأن الدراسات الحديثة التي يقودها بوب كونيل وبيتر فروند، تبين أن هذه الفئات قابلة للاستعادة والدمج الاجتماعي دونما تعسف أو إسقاط ضمن رؤى سياسية انتخابية.

وختم الباحث في علم الاجتماع، حديثه معنا، بأن هذه الظاهرة لا بد من إخراجها من دوائر محللي السلطة وذلك حتى تتحرر المفاهيم المحيطة بها والتي عادة ما يتناولها الإعلام والساسة ورجال القانون دونما تمعن أو بقدر من التفلسف وهو، من وجهة نظره، أمر في غاية الخطورة العلمية.

                         

اقرأ/ي أيضًا:

طبيبة تونسية في إيطاليا تروي لـ"ألترا تونس" تجربتها في مواجهة كورونا

سيدة تروي لـ"ألترا تونس" معاناتها بسبب تحليل كورونا: تعرضنا للهرسلة والنبذ