هل تونس هي مخبر الصحافة في العالم العربي؟

هل تونس هي مخبر الصحافة في العالم العربي؟

ما الذي يجعل من التجربة التونسية في مجال الصحافة جديرة بالتحليل؟ (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

دائمًا ما تُقدّم تونس على أنها استثناء عربي بما أنها الدولة الوحيدة التي نجحت في مسار انتقالها السياسي نحو الديمقراطية أو التي لم يفض فيها على الأقل إلى حرب أهلية أو إلى انهيار الدولة أو إلى العودة إلى نظام سلطوي كما حصل في بعض الدول العربية الأخرى. فلا غرابة إذًا أن تتصدر الترتيبات العالمية المتصلة بالديمقراطية على غرار ترتيب مجلة "ذي اكونوميست" حيث تحلّ تونس الديمقراطية العربية الوحيدة، أو ترتيب منظمة "صحفيون بلا حدود" بتصدرّها  قائمة الدول العربية. وأضافت الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعدًا جديدًا لفرادة التجربة التونسية حيث انتصر فيها مرشح لا ينتمي إلى الأحزاب ولم يستفد من الإمكانيات المالية والتنظيمية.

إذا كانت التجربة التونسية فريدة سياسيًا في سياقها العربي، فهل يمكن القول إن الأمر كذلك في مجال الصحافة بشكل خاص والميديا بشكل عام؟

اقرأ/ي أيضًا: ما هي أخلاقيات الصحفيين التونسيين؟

وتساهم كل هذه العوامل في تشكيل بريق التجربة السياسية التونسية في سياق عربي لا تزال تسيطر فيه الأنظمة السلطوية بشكل فجّ: زعيم مستفرد بالحقل السياسي يمارس سلطة شاملة لا تحتمل المنافسة أو مؤسسة عسكرية تمنع كل إمكانات الحياة الديمقراطية.  

لكن إذا كانت التجربة التونسية فريدة سياسيًا في سياقها العربي، فهل يمكن القول إن الأمر كذلك في مجال الصحافة بشكل خاص والميديا بشكل عام؟ هل ثمة شيء ما "استثنائيًا" في التجربة التونسية في مجال الصحافة والميديا يجعلنا نقول إنها جديرة بأن تكون "متفردة" في العالم العربي؟ أو بتعبير آخر ما الذي يجعل من التجربة التونسية في مجال الصحافة والميديا جديرة بالتحليل والتمحيص؟

وإذا أردنا أن نتبيّن فرادة الصحافة التونسية ما هي المعايير التي يجب أن نعتمد عليها؟ هل هي الكفاءة التقنية للصحفيين (التميز في أسلوب كتابة الأخبار مثلًا) أم التقنيات الإخراجية لنشرات الأخبار وجودة الصورة والصوت وشبكة المراسلين المنتشرة في كل مكان والشاشات التفاعلية الفخمة؟ وهل أن فرادة التجربة التونسية في مجال الميديا والصحافة تتجسّد في قيام الممارسة الصحفية على معايير غير تقنية وشكلية (فخامة الأستديوهات وروعة الصورة والصوت ومواقع الأنترنت العصرية) على غرار معايير الحرية والمهنية واستقلالية الصحفيين عن السلطة السياسية وقابليتهم للمساءلة والالتزام بالأخلاقيات والمبادئ المهنية؟  

توجد أربعة مداخل على الأقل يمكن أن نستكشف منها خصوصية التجربة التونسية في مجال الصحافة والميديا في سياق الانتقال الديمقراطي.

أولًا: ميديا بلا إشراف وزارة إعلام.. صحافة متحرّرة من وصاية وزير إعلام/رئيس تحرير

عملت النخب السياسية الجديدة في تونس على تعليق المؤسسات السياسية القديمة المرتبطة بالنظام القديم ومن ذلك حذف وزارة الإعلام (أو الاتصال) كإشارة رمزية قوية إلى عمليّة "تحرير" مجال الصحافة والميديا. وكبديل عنها، تأسست الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال، هيئة استشارية، ثم استوجب حذف وزارة الإعلام حوكمة جديدة للقطاع نشأت بعدها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري التي تسهر على تنظيم القطاع أي إسناد الرخص للبث الإذاعي والتلفزيوني ووضع المعايير التي تنظّم هذه المؤسّسات عبر كراسات الشروط.

وعلى هذا النحو، فقدت الدولة، بتعطيل المؤسسات السياسية القديمة التي كانت تحكم الصحافة والميديا، المنظومة المركزية الرقابية والعقابية التي كانت تستخدمها لبسط نفوذها على الصحافة والصحفيين.

عملت النخب السياسية الجديدة في تونس على تعليق المؤسسات السياسية القديمة المرتبطة بالنظام القديم ومن ذلك حذف وزارة الإعلام (أو الاتصال) كإشارة رمزية قوية إلى عمليّة "تحرير" مجال الصحافة

تعمل الصحافة التونسية إذًا وتتشكّل من جديد في سياق مخصوص سياق غير سلطوي لا يمكن لمؤسّسة ما أو سلطة واحدة أن تبسط نفوذها على القطاع كله أو على المهنة. فلا توجد في تونس قوة سياسية مركزية قوية بالقدر الذي تكون فيه قادرة على إخضاع السلطة بواسطة الطرق التقليدية بسبب تفكيك منظومة الهيمنة السياسية بما في ذلك على الصحافة والميديا التقليدية.

إن غياب وزارة إعلام أو وزير إعلام يعني إذًا أن الصحافة لا تخضع إلى سلطة مركزية (أو رئيس تحرير خفيّ) يسطّر القواعد التي تسير عليها المؤسسات الصحفية وتشتغل وفقها غرف الأخبار كلها. لكن هل يعني ذلك أن الصحفيين يشتغلون بكل حرية دون إكراهات  داخلية  وخارجية  متعددة وذات تأثيرات متفاوتة؟ إن الإجابة هي لا بطبيعة الحال.

فقد سعينا في التقارير السابقة إلى بيان أنواع هذه الإكراهات وهذه الضغوطات: السياقات المهنية التي يعمل فيها الصحفيون التي لا تحقق لهم شروط المهنية الكاملة، وهشاشة مؤسّسات الميديا التي تجعلها (والصحفيون وغرف الأخبار كذلك) أسيرة المستشهرين وكل القوى التي يمكن أن تمارس ضغوطًا على المؤسسات الصحفية بواسطة الإشهار بما في ذلك السلطة السياسية التي يمكن أن تمارس ضغوطًا كبيرة عبر المستشهرين.

ومن بين هذه الضغوط أيضًا تحالف بعض أصحاب المؤسسات الصحفية ومؤسسات الميديا مع أصحاب النفوذ السياسي بسبب مصالح مادية أو أيديولوجية. أما في مؤسسات الميديا العمومية، فهي تخضع أحيانًا كثيرة إلى أشكال متعددة من التدخل الخفي والماكر للسلطة السياسية (عبر آليات التعيين على وجه الخصوص). كما أن هناك منظمات أو هيئات أو فاعلين يمكن أيضًا أن تمارس عدّة أشكال من التأثير المستتر يستنكف الصحفيون عادة على الإفصاح عنها.

ثانيًا: المعايير الدولية؟

لعلّ تونس هي من الدول النادرة في العالم العربي التي تحولت فيها المعايير الدولية إلى مرجعية جديدة، وتصدر عادة بعض المنظمات الدولية تقارير لرصد تطابق تطور الميديا والصحافة مع المعايير الدولية.

 

غلاف تقرير "اليونسكو" حول تطوّر الإعلام في تونس

   

فلا غرابة إذًا أن تكون النصوص القانونية الجديدة على غرار المرسومين 116 الذي ينظّم القطاع السمعي البصري ( الإذاعة والتلفزيون) والمرسوم 115 الذي يتعلّق بالصحافة والنشر متناغمان بشكل كبير مع المعايير الدولية رغم النقائص التي يشير إليها بعض المهنيين أو المنظمات الدولية. ولا تأتي هذه المنظمات بالمعايير الدولية فقط بل هي تأتي أيضًا بالثقافات المهنية السائدة في بلدان منشؤها فرنسا وبريطانيا خاصة.

يمكن القول إن المنظمات الدولية أصبحت تؤدي أدوارًا أساسية في مجال الصحافة والميديا التي تكاد تتحول إلى فاعل وطني في سياق سلطة سياسية تتحكم في نفاذ هذه المنظمات الدولية

اقرأ/ي أيضًا: المفارقة التونسية: هل الصحفيون التونسيون أحرار حقًا؟

ويمكن القول إن المنظمات الدولية أصبحت تؤدي أدوارًا أساسية في مجال الصحافة والميديا التي تكاد تتحول إلى فاعل وطني في سياق سلطة سياسية تتحكم في نفاذ هذه المنظمات الدولية، خاصة وأن الدولة (والحكومات المتعاقبة على الحكم) نفسها كانت فاقدة لسياسة عمومية لتأهيل مجال الميديا أو إصلاحه أو دعمه.

تتسابق المنظمات الدولية وتنافس في وضع برامج متعددة المضامين والأهداف ومنها على وجه الخصوص وخاصة في مجال تأهيل الصحفيين سواء في مجال التقنيات الصحفية (الكتابية الصحفية) أو على تنشئتهم على المعايير الدولية الجديدة. وتساهم المنظمات الدولية كذلك في  تأهيل بعض مؤسسات الميديا العمومية والخاصة أو بعض الهيئات على غرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري أو دعم المنظمات النقابية. ومن الأدوار أساسية التي تؤديها المنظمات الدولية نقل المعايير الدولية وإدماجها في الحقل الصحفي أو في النسيج المؤسسي الجديد للميديا التونسية.

ثالثًا: تجارب التنظّم الذاتي المبتكرة والمحدودة

من المداخل الأخرى التي يمكن أن تسمح لنا بملامسة خصوصية التجربة التونسية هي مسارات التنظيم (أو التعديل) الذاتي (self regulation - autorégulation). إذ وجد الصحفيون التونسيون أنفسهم بعد أسابيع من سقوط النظام أمام امتحان عسير: كيف سيعملون؟ ومن أين سيستمدون قواعد عملهم والحال أن غرفة الأخبار كانت دائمًا تخضع إلى قواعد تملى من خارجها وتصدر من فوق للتطبيق؟ 

إن عملية البحث عن استقلالية المهنة بذاتها عن السلطات الأخرى وخاصة تمايزها عن السياسة وانفصالها عنها يمثل الأساس الذي تقوم عليه الصحافة في الديموقراطية. فلا غرابة إذًا أن يولى المنظرّين أهمية كبرى بشكل عام لهذا البعد أي استقلالية المهنة لفهم الصحافة بشكل عام في المجتمعات الديمقراطية لأن الاستقلالية هي آلية أساسية من آليات المهنية بشكل عام.

وقد سعت مهنة الصحافة في تونس إلى الاستقلالية عبر مسارات متعددة، فكان الشعار الذي رفعه العديد من المهنيين في الأشهر الأولى من الثورة هو شعار السلطة الرابعة الذي كان يعبر عن إرادة الصحفيين في أن يتمايزوا عن السلطة السياسية وأن يتحرروا من نفوذها. وجاءت الردود الأولى من الميديا العمومية في مؤسسات التلفزة التونسية والإذاعة التونسية وفي مؤسسة "لابراس" حيث سعى الصحفيون إلى إرساء ما يسمّى "مجالس التحرير" في  شكل هيئات جماعية وتشاورية تسطر سياسة قسم الأخبار، كما سعى الصحفيون إلى إرساء مبدأ انتخاب الهيئات التحريرية.

 

غلاف تقرير مركز تونس لحرية الصحافة الذي رصد بعض تجارب التنظيم الذاتي في تونس  

 

لكن هذه التجارب لم تعرف كلها النجاح المنتظر. ففي الإذاعة الوطنية، لم تدم هيئة التحرير التي تم تركيزها عن طريق الانتخاب حيث تم إلغاءها من قبل الإدارة العامة التي اعتبرتها "إدارة موازية استحوذت على صلاحيات المدير العام" وبديلًا عن "الإدارة الشرعية التي عينتها الحكومة المنتخبة"، وكان من مهام هيئة التحرير التي حُلّت إعداد البرمجة في الإذاعة واختيار الضيوف وتحديد مهام فرق العمل. كما لم تعمّر هيئة التحرير الأولى التي ركّزتها "إذاعة الشباب" بعد ستة أشهر حيث اعتبرت عملية الانتخاب فيها "غير نزيهة وغير شفافة"، وكان من المنتظر أن تعمل هذه الهيئة على رسم خطوط البرمجة و"منع الإدارة من الاستفراد بها"، والدفاع عن الخط التحريري للمؤسسة غير أن تجاذبات إدارية وسياسية عطلت هذا المسار.

لم تكن مسارات التنظيم الذاتي أو التعديل في داخل مؤسسات الميديا أو في مستوى  المهنة برمتها دائمًا ناجحة مما يؤكد أن الصحافة لم تضع إلى الآن الآليات التي تسمح لها بالتخلص من الإكراهات

كما لم تفلح إذاعة "تونس الدولية" (إذاعة عمومية) في إرساء هيئة تحرير دائمة حيث كان وجودها هيئة تحرير صوريًا بسبب عدم التزام الصحفيين بحضور اجتماعاتها. ولم تختلف تجربة "إذاعة صفاقس" عن بقية الإذاعات، فلم يدم عمل هيئة التحرير سوى بضعة أيام. وتواصلت تجربة هيئة التحرير في "إذاعة قفصة" ستة أشهر فقط ولم يتكرر انتخابها خاصة أن رئيس تحرير الإذاعة آنذاك اعتبر أن هيئات التحرير بدعة  في الميديا السمعية والبصرية وقال إن مجالس التحرير كافية. ويرجع عدم استمرار عمل هيئة التحرير في "إذاعة تطاوين" إلى التغيير المستمر في إدارة الإذاعة كما لم تدم تجربة هيئة التحرير في "إذاعة الكاف" وكذلك في "إذاعة المنستير".

اقرأ/ي أيضًا: هل التلفزة التونسية مرفق عمومي حقًا؟

وعاشت التلفزة الوطنية صراعًا داخليًا بسبب الاختلاف بين الإدارة والصحفيين بخصوص تشكيل هيئة تحرير وتم حل هيئتين بعد طعن إدارة القناة في شرعيتها مع الاتفاق فيما بعد على تعيين رئيس تحرير عن طريق تقديم ملفات تنظر فيها لجنة خبراء، لكن لم يفعل دور رئيس التحرير الجديد. وفي المقابل، استمرت تجربة إنتخاب رئيس التحرير في جريدتي "الصحافة" و"لابراس" وهما المؤسستان العموميتان الوحيدتان اللتان استمرتا في العمل إضافة إلى تجربة وكالة تونس إفريقيا للأنباء.

وبشكل عام، لم تكن مسارات التنظيم الذاتي أو التعديل في داخل مؤسسات الميديا أو في مستوى  المهنة برمتها دائمًا ناجحة مما يؤكد أن الصحافة في تونس لم تضع إلى الآن الآليات التي تسمح لها بالتخلص من الإكراهات والتأثيرات المختلفة التي يمكن أن تتعرض إليها من السلطة السياسية أو من السلطات الأخرى. في المقابل، إن الصحافة التونسية هي بلا شك من أكثر "الصحافات" في العالم العربي التي شهدت تجارب في مستوى التنظيم الذاتي أطلقتها المهنة بصفة إرادية دون تدخل من السلطة السياسية أو تأطير منها.

رابعًا: تجارب التعلّم الذاتي

ثمة مدخل رابع يمكن أن يتيح لنا أن نفهم خصوصية الصحافة في تونس بالنظر إلى مثيلاتها في العالم العربي وهو ما يمكن أن نطلق عليه الإمكانات على التعلم الذاتي. إذ يسمح غياب الآليات السلطوية العقابية التقليدية التي تملكها الدولة للتحكم في الميديا لمهنة الصحافة أن تنخرط في عملية التعلم الذاتي دون وصاية لأنها أصبحت مستقلة بذاتها.

عملية التعلم الذاتي ليست بالبساطة التي نتصورها ونتائجها يمكن أن تكون متفاوتة بحسب السياقات المختلفة ولعل أهم مثال عن ذلك تعاطي الصحافة التونسية مع الأحداث الإرهابية

لكن عملية التعلم الذاتي هذه ليست بالبساطة التي نتصورها ونتائجها يمكن أن تكون متفاوتة بحسب السياقات المختلفة، ولعلّ أهم مثال عن ذلك تعاطي الصحافة التونسية مع الأحداث الإرهابية التي عرفتها البلاد منذ 2011. فقد تعاملت الصحافة التونسية مع الأحداث الإرهابية  بعفوية ودون حساب لمسؤوليتها في الترويج للإرهاب حتى أنها حسب تقارير رصد نشرتها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين قامت بنشر مصطلحات خاصة بالجماعات الإرهابية، وتبني أسماء التنظيمات الإرهابية دون توصيفهم، وأعادت نشر مواد دعائية إرهابية، وصور الإرهابيين مسلحين في موضع قوة، وكذلك نشر صور للقتلى أو الجرحى وعائلاتهم، وتسجيلات الجرائم الإرهابية وقامت كذلك بتنزيل بيانات الجماعات الإرهابية.  

لكن المهنة سرعان ما أدركت مسؤوليتها إزاء الظاهرة الإرهابية دون الحاجة إلى تعليمات صادرة عن وزارة الإعلام أو "لجان الخبراء" التي تشكلها على غرار ما يحصل في عديد الدول العربية، لجان تمثل آليات وصاية على الصحافة والصحفيين. فتعددت المبادرات على غرار تقارير الرصد والمواثيق التحريرية الخاصة بالإرهاب وكذلك الدورات التدريبية والنقاشات المهنية مما ساهم في تطوير معالجة الأحداث الإرهابية.

وعلى هذا النحو، يمكن القول إن الإخلالات التي وقعت فيها الصحافة التونسية عند تغطيتها للأحداث الإرهابية أو الأخطاء الصحفية عمومًا هي مؤشر رغم كل شيء على هذه الحالة الانتقالية التي تعيشها الصحافة التونسية. فهي  تؤشر، من جهة أولى، إلى نقص في المهنية لكنها في الوقت ذاته تؤشر كذلك، من جهة ثانية، إلى أن غياب آليات ضابطة للمعالجة الصحفية صادرة عن هيئات عليا تحجم من دور الصحفي وتحوله إلى كاتب مطيع.

الدرس التونسي: هل يؤدي الانتقال الديمقراطي إلى صحافة جيدة وجديدة؟ 

لا بد للإجابة عن هذا السؤال أن نقر بأن تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس متعددة الأبعاد ومركبة وهي فريدة على نحو ما ولكنها ليست مثالية أو نموذجية بالضرورة. ولعلّ ما يميز هذه التجربة على وجه الخصوص أن الحقل السياسي فيها منفتح لا يمكن لقوة سياسية ما أن تستأثر به، ولهذا نتائج عديدة على تحوّلات الصحافة والميديا. فرغم الحرّيات الواسعة والأطر القانونية الجديدة المتناغمة مع المعايير الدولية، لا تمثل الصحافة التونسية نموذجًا يُقتدي به في الدول العربية التي لا تزال فيها الصحافة رهينة السلطة السياسية وخادمة لها.

إن ما يستحق الدراسة في التجربة التونسية ليس طابعها النموذجي أو المثالي ولكن التجارب التي يخوضها الصحفيون التونسيون لبناء مهنتهم خارج إملاءات السلطة السياسية المركزية وبشكل مستقلّ عنها

إن ما يستحق الدراسة في التجربة التونسية إذًا ليس طابعها النموذجي أو المثالي ولكن التجارب التي يخوضها الصحفيون التونسيون لبناء مهنتهم خارج إملاءات السلطة السياسية المركزية وبشكل مستقلّ عنها ودون تدخل منها، وفي سياق اُستبدلت فيه آليات السيطرة التقليدية على الصحافة والميديا بمنظومة مركبة من الإستمالات والإكراهات. ومن هذا المنظور، إن ما يميز التجربة التونسية هو أنها تمثل مخبرًا يمكن أن نرصد فيه تحولات الصحافة في سياق ديمقراطي تتوفر فيه الحريات السياسية التي تتيح لمهنة الصحافة أن تعيد تشكيل نفسها وأن تجدد نماذجها.

تبيّن التجربة التونسية أن الصحافة الحرة والمهنية المحترمة للأخلاقيات والتي تسعى إلى تحقيق حق الناس في المعرفة وفي الحصول على أخبار جيدة ومهنية لا تنزل من السماء مرة واحدة، بل تحتاج إلى مسارات مركبة ومتنوعة وإلى تجارب متعددة وهي تحتاج إلى شروط متعددة حتى تتحقق. 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - الحوار مع الجمهور (3/1)

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - مجلس الصحافة (3/2)

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 - سطوة "الكرونيكور" (3/3)