مهدي البرصاوي: السينما اقتربت أكثر من التونسي و

مهدي البرصاوي: السينما اقتربت أكثر من التونسي و"بيك نعيش" فيلم عن الإنسانية

قال المخرج مهدي البرصاوي إنه لولا حدث الثورة لم يكن "بيك نعيش" ليرى النور بالتصوّر الذي هو عليه اليوم

 

بعد مسيرة سينمائية توّجت بجوائز عن ثلاثة أفلام قصيرة كان آخرها "خلينا هكا خير"، يزيّن المخرج التونسي مهدي البرصاوي المشهد السينمائي بفيلمه الروائي الطويل الأول "بيك نعيش"، هو فيلم يروي "تراجيديا" أسرة كان التماسك والترابط عنوانها ولكنّ عقدها انفرط دون سابق إنذار.

والأحداث في "بيك نعيش" تدور سنة 2011، السنة التي شهدت تحوّلات مفصلية في البلاد التونسية، وعلى وقع تلك التحوّلات واجهت عائلة مكونة من زوج "فارس" (سامي بوعجيلة) وزوجة "مريم" (نجلاء بن عبد الله) وابنهما "عزيز" (يوسف الخميري) مصيرًا في مهب الريح.

اقرأ/ي أيضًا: ألفة يوسف: "وجه الله" ينتقل بي من النسبي إلى المطلق لأبدأ تجربة التصوّف (حوار)

وملامح "التراجيديا" تتشكّل حينما تتعرض العائلة إلى هجوم من قبل إرهابيين ويصاب الابن برصاصة تفتك بكبده، ويواجه والداه تعقيدات عملية زرع الكبد، وفي رحلة البحث عن حلّ تعرّي التحاليل الطبية حقيقة عمرها عشر سنوات إذ يظهر أن "فارس" ليس الوالد البيولوجي لـ"عزيز" ولكنّه لا يتخلّى عنه بل يهتم لشفائه أكثر ممن يحمل جيناته.

مهدي البرصاوي لـ"ألترا تونس": في "بيك نعيش" نروي قصّة عائلة ومن خلال الأحداث نلقي عينًا على الأحداث والأوضاع في تونس خلال الفترة التي عقبت الثورة

وقصّة حب "فارس" و"مريم" وتحوّلها من الاتصال إلى الانفصال تتفرّع إلى مسارات درامية أخرى تجعل من الفيلم مفعمًا بالقضايا، ومن الخيانة الزوجية إلى الحريات الفردية فالتبرّع بالأعضاء والتجارة بها ومعنى الأبوّة. تتعدّد التسميات ولكنّها تعود دائمًا إلى الإنسان.

وللحديث عن الزمن الدرامي وعن انعكاسات التحوّلات التي شهدتها تونس على السينما وعن الرؤية الإخراجية للفيلم وعن هواجس المخرج التقى "ألترا تونس" مهدي البرصاوي وكان له معه الحوار التالي:

  • من بين التفاصيل التي تلفت الانتباه في فيلم "بيك نعيش" الزمن الدرامي الذي اخترت أن يكون سنة 2011، وهي السنة التي ارتبطت في الأذهان بالثورة التونسية، لماذا هذا الاختيار؟

سنة 2011 سنة مهمة على الصعيد الوطني والعربي، إذ عاشت تونس ودول عربية أخرى تحوّلات شملت المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية وغيرها، والعائلة التي تظهر في الفيلم هي الأخرى عاشت تحوّلات تمامًا كالبلد الذي تدور فيه الأحداث.

وفي "بيك نعيش" نروي قصّة عائلة ومن خلال الأحداث نلقي عينًا على الأحداث والأوضاع في تونس خلال الفترة التي عقبت الثورة، وأردتُ في الفيلم أن تسير الأحداث بالتوازي بين عائلة تشهد تحوّلات داخل بلد يشهد هو الآخر تحوّلات مفصلية. وقد تطوّرت الأحداث في نفس السنة بالتركيز على التحوّلات داخل العائلة من جهة وفي تونس من ناحية أخرى.

  • التحوّلات التي شهدتها تونس انعكست على السينما وبرز "جيل" من السينمائيين برؤى وتصورات جديدة خلقت ديناميكية في المشهد السينمائي، ماهي تجليات هذا التحوّل برأيك؟

لولا حدث الثورة لم يكن "بيك نعيش" ليرى النور بالتصوّر الذي هو عليه اليوم، فقبل سنة أحد عشرة وألفين كنا نعيش دكتاتورية انجرت عنها رقابة مطلقة على المجال الفكري عمومًا، وهو ما يعني أنه لا يمكن التطرّق إلى بعض القضايا وكانت صناعة الأفلام تتصف بالنضالية ذلك أنها تجري تحت القمع.

واليوم تحرّرنا وتحرّرت الكلمة ونلنا حريّة التعبير فلم يعد المخرجون حبيسي دائرة النضالية وأصبحوا يلامسون مشاكل الشعب ويعرضونها في أعمالهم السينمائية، والسينما اقتربت أكثر من الشعب التونسي وهو ما يعكس عودة الجمهور إلى قاعات السينما لأنه وجد أفكار قريبة منه وشخصيات تمثله، ونحن اليوم أمام جيل جديد في طريقة صناعته للأفلام وطرح المواضيع.

مهدي البرصاوي لـ"ألترا تونس": "بيك نعيش" يتطرّق إلى العديد من القضايا كالخيانة الزوجية والتبرع بالأعضاء والتجارة بها

  • وأنت تتحدّث عن قضايا المجتمع تأخذنا إلى الواقعية التي تميّز "بيك نعيش"، إذ نلاحظ أن الفيلم يقوم على البساطة ويكاد يخلو من المؤثرات، لماذا اخترت هذا التوجّه؟

في الحقيقة هذا ما أردته من الفيلم، أن تكون سيرورته بسيطة دون مؤثرات بصرية أو صوتية فالسيناريو مليء جدًّا بالأحداث التي تتفرّع عن الازمة التي تعيشها العائلة، ولم أرد أن يكون هناك زخم على مستوى الصورة بقدر تتبع العائلة وهي تتعاطى مع المشاكل التي تواجهها.

واخترت البساطة لكي يكون التركيز على أحاسيس شخصيتي "فارس" و"مريم" ومسار تحرّكهما من أجل إنقاذ ابنهما واعتمد التصوير بالأساس على اللقطات القريبة جدًّا في محاولة للقرب منهما وترجمة أحاسيسهما وفهمها ومرافقتهما في إيجاد حل للمشكل الذي يواجهانه.


مراسلة "ألترا تونس" مع المخرج التونسي مهدي البرصاوي

اقرأ/ي أيضًا: المسرحية ارتسام صوف: المرأة التونسية تخوض حروبًا باردة وخفيّة (حوار)

  • "بيك نعيش" بانوراما من القضايا، يراه البعض فيلمًا عن الخيانة الزوجية وآخرون عن التبرع بالأعضاء والتجارة بها، كيف يراه مهدي البرصاوي؟

نعم، الفيلم يتطرّق إلى العديد من القضايا كالخيانة الزوجية والتبرع بالأعضاء والتجارة بها. وهناك إشارة إلى التحولات التي شهدتها تونس وليبيا، ولكن في نظري يبقى الفيلم قصّة حب بين رجل وامرأة يعيشان عديد الصعوبات ويحاولان تجاوزها.

  • هذه القصة تجلّت أغلب تفاصيلها في الفعل غير اللفظي الذي اعتمدته الشخصيتان الرئيسيتان سواء من خلال تعابير الوجه أو الحركات، فلماذا اللجوء إلى حديث الجسد في أغلب المشاهد؟

حينما نتحدّث عن العائلة بما هي نواة مركزية فإنّما نتحدّث عن مشاعر كثيرة وانفعالات متغيرة لا سيما ساعة المصاعب والأزمات، وفي الفيلم هناك تركيز على الأحاسيس ولا يوجد كلام كثير.

وكما يقال العين تعكس ما يختلج الروح وأحيانًا تكون النظرة أقدر على تجسيد الفكرة من الكلمة وأحيانًا يكون تعبير الوجه أو النظرة أو الحركة أكثر وقعًا من الكلام نفسه، والتواصل غير اللفظي مهم إذ أنه لا يمكن تمرر بالكلام فقط وأحيانًا نظرة واحدة كفيلة بأن تترجم سيلًا من الكلمات.

مهدي البرصاوي لـ"ألترا تونس": أنا موجود في النص لأنني مؤلفه وأردت من خلاله أن أصوّر حداثة المجتمع الذي أريد أن أحيا فيه

  • في الفليم أقنع سامي بوعجيلة في أدائه لدور "فارس"، ورغم أن البعض يرى فيه الرجل المثالي إلّا أنه لم يكن كذلك، كيف ترى هذه الشخصية؟

سامي بوعجيلة تحصّل على عديد الجوائز عن دور "فارس"، ولكني لا أرى "فارس" الرجل المثالي فهناك ردّ فعل حينما علم بخيانة زوجته تجلّى في لجوئه إلى الهروب من المواجهة. وفي شخصية "فارس"، الإنسان يتكلم قبل أن يتكلم الرجل وقبل أن يتكلّم الأب، هي شخصية لها محاسنها ومساوئها ويمكن أن تخطئ وتصلح خطأها ولكنّها دائمًا تعود إلى الحي والإنسانية.

  • في الأغلب لا تخلو الأفلام من هواجس مخرجيها، أين نرى مهدي البرصاوي في الفيلم؟

في الحقيقة السؤال صعب، ولكن أنا أراني في دور "فارس" وفي دور "مريم" وأنا موجود في النص لأنني مؤلفه وأردت من خلاله أن أصوّر حداثة المجتمع الذي أريد أن أحيا فيه. وأنا موجود في الرسالة التي أراد الفيلم أن يمرّرها وهي أننا كلنا خطّاؤون وأنه مهما كان الخطأ فإننا يجب أن نتجاوزه وأن نعطي فرصة للآخر ليساعدنا على تجاوزه.

  • هل تعتبر أنّك نجحت؟

أنا أعتبر أنني نجحت في هذا العمل إذا نسي المتفرّج أن المرأة امرأة وأنّ الرجل رجل، ونسي الخطأ بغض النظر عن جنس مقترفه، المهم أن يتذكّر الرجل والمرأة أن كلاهما إنسان، والمهم هو التسامح، لذلك أقول دائمًا إن الفيلم يتحدّث عن الإنسانية وعن الحب خاصة وأننا نعيش في مجتمع فيه لكل شيء ثمن وحتّى الإنسان صار جزءًا من التجارة. ونحن اليوم نريد أن نعود إلى الإنسانية التي فقدها الكثيرون.

  • "بيك نعيش" هو الفيلم الروائي الأوّل لمهدي البرصاوي، وهو فيلم لاقى استحسانًا في علاقة بالسيناريو والإخراج والتمثيل، ألا ترى أنّك قد رفعت السقف كثيرًا، وهو ما يحمّلك مسؤولية أكبر في العمل المقبل؟

نعم هو الفيلم الروائي الأوّل وأنا سعيد لأنه نال استحسان الجمهور والنقاد على المستوى العالمي. الفيلم، ونحن أردنا أن ينطلق توزيعه تجاريًا في تونس، لأنه يتحدّث عنها وسيكون موجودًا في القاعات في الخامس عشر من جانفي/ كانون الثاني الجاري.

وسأواصل المشوار في السينما وبعد أن يصل الفيلم للجمهور أنطلق في فيلم جديد، وكل فيلم هو مسؤولية على عاتق المخرج من الكتابة إلى الإخراج والتمويل والإنتاج.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صاحب "أفروديت": اخترتُ الهامش.. ونحاول أن نفتح للأطفال نافذة أخرى على العالم

رفيقة بوجدي: هذه حكايتي مع الدراما في تونس والجزائر وهكذا ننافس الأتراك (حوار)