31-أغسطس-2022
عدنان الشواشي

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": نعاني من نقص فادح في مؤسسات الإنتاج (صورة من الدورة 56 لمهرجان الحمامات الدولي)

 

هو "فنان الجيلين" كما يحلو للبعض تسميته، عايش عصر عباقرة الغناء والفن، وشهد انطلاق عصر الأغنية الحديثة، ينحدر من ولاية باجة إحدى ولايات الشمال الغربي التونسي، لجدّ كان قاضيًا شرعيًا، ولأبٍ معلم ولاعب كرة القدم، نشأ عدنان الشواشي على الموسيقى منذ صغره، وتعلم العزف والغناء بعمر التسع سنوات، أين بدأت تظهر العلامات الأولى لفنان واعد.

يعدّ عدنان الشواشي أحد أبرز القامات الفنية في تونس، وقد  نشأ على الموسيقى منذ صغره، وتعلم العزف والغناء بعمر التسع سنوات

عُرف الشواشي بالتزامه بالأغنية التونسية وعُرفت به، فهو يعدّ أحد أبرز القامات الفنية لتونس، عاصر آخر عمالقة الفن شرقًا وغربًا بسطوع فجر مجده أوائل سبعينات القرن الماضي، خيّر البقاء في تونس والاستقرار فيها على عكس الكثيرين من أبناء جيله ممن توجهوا شرقًا.

يزخر رصيد المُطرب عدنان الشواشي بالعديد من الإصدارات أبرزها "أحكيلي عليها يا بابا"، التي أداها مع سنية مبارك، و"يا بابا الله يخليك"، و"اش جاب رجلي للمداين زحمة"، و"ابكي يا عين لا لوم عليا"، و"يا أم العيون السود"، و"ريحان".. وغيرهم الكثير. آخر إصدارته كانت أغنية "انحبها" صدرت يوم 13 أوت/ أغسطس 2021 تكريمًا للمرأة في عيدها الوطني. 

يرى الشواشي في الفن التزامًا ورسالة، وهو ما تترجمه مواضيع أغانيه، ويتجلى أكثر في دماثة أخلاقه، التي يشهد بها القاصي والداني، مما جعل منه نجمًا لم يخفت بريقه لدى جمهوره على مرّ عقود. لاقت آخر حفلاته في اختتام مهرجان الحمامات الدولي صدى كبيرًا لدى الجماهير العريضة وعلى منصات التواصل الاجتماعي حيث عجّت بمقاطع فيديو أعادت لنا حنين أغاني شباب آبائنا وطفولتنا.

"الترا تونس" حاور الفنان المخضرم والقدير عدنان الشواشي وفيما يلي نص الحوار:

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": تغيرت الكثير من الأمور في المهرجانات وأصبح لكل مدير مهرجان رؤيته، وهم لا يهتمون إلا بالحصول على الأموال وتحقيق الأرباح لا بالمحتوى الثقافي

  • كيف كان صدى حفل الحمامات وكيف تصفونه؟ 

حفل ناجح بكل المقاييس والحمد لله، ومن أهم الحفلات التي قدّمتها.

  • ليلة الاختتام أثبتتَ أن الجمهور مازال توّاقَا لأغاني "الزمن الجميل"، إذًا أين الخلل؟ ولماذا لا يلقى الفنانون من أبناء جيلكم الاحتفاء اللازم من قبل المنتجين والإعلام؟

علينا أن نسأل الإعلام ومديري المهرجانات، الكل حر في اختيارته، لكن أنا متى ما قدمت عرضًا كان ناجحًا والحمد لله، الجمهور مازال يرنو للاستماع للأغاني الجميلة والنظيفة، هذا لا يعني أن الفن الآخر غير نظيف، هي خيارات.

 

 

  • إذًا هل الغياب عن الساحة خيار أم تغييب؟ 

كلاهما غياب وتغييب، غياب خاصة في الفضاء المرئي، لأنني بكل صراحة لا أرى نفسي في بعض المنابر المرئية ولا أجد الراحة، خاصة تلك التي تتضمن المزاح الزائد عن الحد، لكلّ منا مقاييسه وأفضّل عدم الحضور، وتغييب طبعًا، لكنني دائم الحضور في الإذاعات وفي وسائل الإعلام الإلكترونية.

في علاقة بالمهرجانات، تغيرت الكثير من الأمور، ولكل مدير مهرجان رؤيته، في الحقيقة هم لا يهتمون إلا بالحصول على الأموال وتحقيق الأرباح لا بالمحتوى الثقافي.

 

الفنان عدنان الشواشي لدى إحيائه سهرة بمهرجان الحمامات الدولي في دورته الـ 56

 

  • لكن مسرح الحمامات بلغ الحد الأقصى من طاقة استيعابه؟ 

ليس ذلك فحسب، بل نفدت التذاكر قبل ساعات.

  • أين يكمن الخلل إذًا؟ هل لعدم تقديمكم ملفات؟ 

أنا لا أقدم ملفًا، ما الذي سيضيف تقديم الملفات، أنا فنان معروف وكل من يريد العمل معي يتصل بي، ما سأقدمه على الركح أنا مسؤول عنه وأختار ما أريد، إلا في صورة ما إذا كان الحفل تكريمًا لفنان أو لشخصية تاريخية ما.

  • ما هي الأسباب وراء غيابكم عن الساحة؟ 

أنا موجود في المحامل الإلكترونية، في الإذاعات، وفي بعض المهرجانات، أين ما ذهبت أجد الجمهور، بعد مهرجان الحمامات كان لي حفل في مدينة قرمبالية من أحسن الحفلات في حياتي صراحة.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": فضّلت البقاء في تونس مع عائلتي وأبنائي، فالتوجه لمصر فيه مخاطرة، كما أنّي غير مطالب بالسفر، ففنّي وأغاني هي من تسافر وليس أنا

  • في وقت قرر فيه الكثير من الفنانين من أبناء جيلكم التوجه نحو مصر والشرق، اخترتم البقاء في تونس، هل ندمتم على ذلك؟ 

لكل فلسفته في الحياة، أنا فضّلت البقاء في تونس مع عائلتي وأبنائي، التوجه لمصر فيه مخاطرة نسبيًا، أفضّل الاستقرار، وأنا غير مطالب بالسفر، أغانيّ وفني من يسافر ليس أنا، الكثير من الفنانين لم يزوروا تونس يومًا وأغانيهم محفوظة ومحبوبة، علمًا وأني قدمت حفلات في كثير من المناسبات في مصر وسوريا والعراق وليبيا والمغرب وغيرهم.

  • لماذا خيّر الشواشي أيضًا التخصص في المدرسة/الأغنية التونسية عوض غيرها؟ 

مدرستي عالمية ومقامات أغانيّ مختلفة، تجد التونسية والشرقية والغربية، ما يبقى تونسيًا دائمًا هي الكلمات. منذ طفولتي اعتدت سماع الأدوار لعباقرة الفن كعبد الحي حلمي وزكرياء أحمد والشيخ الصفطي وأم كلثوم وإديث بياف وشارل أزنافور وشارل براون وريتشارد، كما أحب الاستماع للمدارس الإيطالية.

استماعاتي متنوّعة وأحاول التنويع في أغانيّ لكن ما أحافظ عليه دائمًا الكلمة التونسية.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": عدم فهم اللهجة التونسية ادعاء من المشرقيين للمحافظة على أسبقيتهم، فهم سبقونا بالتسويق للهجاتهم من خلال صناعة السينما

  • هل كانت الكلمة التونسية عائقًا لانتشار أغانيك؟

هذه فتوى أصدرها إخوتنا من المشرق للمحافظة على أسبقيتهم في السوق بادعاء أن لهجتنا غير مفهومة، في حقيقة الأمر هم سبقونا بالتسويق للهجاتهم من خلال صناعة السينما والدراما ومن خلال أفلامهم الغنائية، فيما مضى كان السيناريو يُكتب حول الأغاني.

للتذكير، فإنّ الأغاني الجزائرية انتشرت حتى في الغرب، الأغاني الهندية أيضًا انتشرت عندنا وحفظناها حتى دون فهم، وتبقى لغتنا أقرب للفصحى من باقي اللغات نحن وإخوتنا في ليبيا.

  • متى كانت في تقديركم فترة ازدهار الأغنية التونسية؟ 

كل عصر فيه المقبول والحسن والرديء، لكل عصر نجاحاته، ولا يمكن  إنكار نجاحات جيل الشباب اليوم، يوجد الكثير من الأعمال المقبولة والمشرّفة، لكن المشكل أنها لا تصل للجماهير، لأن للصورة قيمتها وتغيب علينا ثقافة تصوير الأغاني، في الشرق يتم تبنّي الفنان بالكامل لإخراجه في أحسن صورة، ولا يمكننا مزاحمتهم في الصورة نظرًا لقلة الإمكانيات المادية على الرغم من توفر الطاقات البشرية. نعاني من نقص فادح في مؤسسات الإنتاج.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": في الشرق يتم تبنّي الفنان بالكامل لإخراجه في أحسن صورة، ولا يمكننا مزاحمتهم نظرًا لقلة الإمكانيات المادية

  • كيف تصفون تجربتكم مع سنية مبارك وأنيس الصيادي وما تقييمكم لأعمال الفنانين الشبان اليوم؟ 

اكتشفت سنية مبارك لما كان عمرها 11 عامًا، اخترتها من بين العشرات لتميُّزها، كانت جاهزة، تعزف الموسيقى وتحفظ الأدوار ولها دراية بالنغمات، الشيء الوحيد الذي علمتها إياه نطق الحروف عن طريق مخارجها، وقدمتها للجماهير العريضة.

أنيس الصيادي بدوره أدى أغنية "يا بابا الله يخليك" وعمره 4 سنوات، أدى دون خوف أو رهبة.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": الكثير من الطاقات الغنائية مهدورة في تونس، وللأسف الكثير ممن لا يستحقون نجدهم في كل المنابر سعيًا خلف الإثارة

بالنسبة للشباب اليوم، هناك طاقات ممتازة لكن المشكل غياب مؤسسات إنتاج فنية بإمكانها تبنيهم على غرار زملائهم، ليس في المشرق فحسب بل في العالم بأسره. كيف لشاب يخطو أولى خطواته أن يقوم بتصوير فيديو كليب، أو سلك طريق النجومية دون إمكانيات ومساعدة؟

في الشرق وفي باقي دول العالم يتم تبنّي الفنانين الشبان وصناعة نجوم منهم والتسويق لهم، الكثير من الطاقات الغنائية مهدورة في تونس. وللأسف الكثير ممن لا يستحقون نجدهم في كل المنابر جريًا وراء الإثارة.

 

 

  • من وجهة نظر موسيقية ما رأيكم في الراب كفن يحقق أرقامًا قياسية ونسب مشاهدة عالية ويلاقي إقبالًا من الناس؟ 

لمَ لا؟ الراب نوع من أنواع التعبير الموسيقي الفني، في أمريكا الراب له مستوى عال، كلمات حُلوة وموسيقى ممتازة وتسجيل جيّد ومواضيع وأغان حُلوة، لكن كما في كل الاختصاصات، نجد أشياء غير مقبولة، متطفلون ومستوى منحدر.

يبقى الراب فنًا قائم الذات وناجحًا، والدليل على ذلك إقبال الناس عليه والاستماع له في مختلف الأماكن، في السيارات والإذاعات والحفلات.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": الراب فن قائم الذات وناجح، والدليل على ذلك إقبال الناس عليه، لكن لا وجود لحرية مطلقة في الفن

الأغنية للتسلية، وللإفادة في بعض الأحيان، ليست كل الأغاني هادفة، لكن ما يجب أخذه بعين الاعتبار، خصوصيّتنا كعرب وكمسلمين، حيث من غير اللائق التلفظ بألفاظ خارجة عن النطاق لا تحترم العائلة التونسية والمتلقي، هناك من يعتقد أن الفن حرية مطلقة، لا وجود لحرية مطلقة دون حدود ومقاييس وإلا صارت فوضى وهذا ما نراه ليس في تونس فقط حتى في الخارج.

  • ما تقييمكم للفن التونسي اليوم مقارنة بالأمس؟

لكل زمن جماله، لا زمن جميل في المطلق ولا زمن ملوث في المطلق، لكن بحكم التطور والإنترنت، صارت القصص والمعلومات تصل بطريقة أسرع للناس وبالتالي تخلق تفاعلًا. كثير من الأشياء تغيرت، الفنان من قبل كان ينشأ في الراشدية ويحفظ المقامات القديمة والأدوار ويتعلم الموسيقى ويُمْتحن، الآن خلال 24 ثانية يمكن لأي كان أن يصير نجمًا.

  • بعد ثورات الربيع العربي، هل صار الشواشي يتحرج من تعامله مع الرئيس الراحل معمر القذافي؟ 

أبدًا، أنا لحّنت له أغنية عاطفية لا ثورية "لا أحب الدموع في مقلتيك"، كتبها مواساة لزوجته إثر العدوان الأمريكي على طرابلس ووفاة ابنته بالتبني سناء جرّاء الهجوم آنذاك، هم اقترحوا عليّ تلحين الأغنية خلال زيارتي الأولى لليبيا، وقدمتها للجمهور في صيغة "البلاي باك" مع الراحل نجيب الخطاب مرة واحدة، مع العلم أني لم أستغلها فنيًا لأن قيمتها أكبر من النقود على الرغم من أنني تلقيت مبلغًا محترمًا جدًا مقابلها.

عدنان الشواشي لـ"الترا تونس": كنت المؤذن بجامع الحي الأولمبي بالمنزه طيلة 3 سنوات، كانت تجربة رائعة، ومستعد طبعًا لإعادة التجربة

  • لماذا تواصل إنتاج الفنان لطفي بوشناق أحد أبناء جيلكم في حين توقف إنتاج آخرين من أبناء نفس الجيل؟ 

لم أنقطع عن الأغنية، آخر إنتاج لي كان السنة الفارطة، أغنية "انحبها" و"شدة وتزول" كذلك، دائمًا كان لي جديد، لطفي شخص مجتهد ويقدّم الجديد دائمًا وله أستوديو خاص به وهذا أمر مهم للغاية وله قيمة، الشاذلي الحاجي له رصيد جيد من الأغاني، لكن الشاذلي شخص عزيز النفس وهذا من الممكن أن يكون عائقًا نوعًا أمام ما تقدمه.

  • كيف يصف الشواشي تجربته كمؤذن؟ 

كنت المؤذن بجامع الحي الأولمبي بالمنزه طيلة 3 سنوات، كنت أفتح الجامع في الفجر وأقوم بتأدية الأذان في الوقت المحدد ودعوة الناس للصلاة، كانت تجربة رائعة، الحمد لله أنني ربحت الثواب، بالطبع على استعداد لإعادة التجربة، لكن أترك الفرصة لغيري. سجلت فيما مضى الأذان مع الإذاعة الوطنية لكن لا أدري لمَ لم يبث إلى اليوم.

  • هل من إصدارات منتظرة لكم؟ 

لا أتحدث عن مشاريع الأغاني الجديدة إلا بعد بثها فعليًا، أحيانًا أنطلق في تلحين أغنية وأكتشف في الأثناء أنها غير جيدة فأمحوها وأنطلق مجددًا، لا وجود لأغنية تحتاج سنة من التحضير أو أكثر، في الأخير، الأغنية ليست مشروعًا، هي لحظة من لحظات العمر يجسّمها الملحن أو الشاعر في أغنية حتى تصل إلى الجمهور.