السينما التونسية ما بعد الثورة: سرديات الواقع.. بجماليّات جديدة

السينما التونسية ما بعد الثورة: سرديات الواقع.. بجماليّات جديدة

1030 مشاهدة
من لقطات فيلم على كف عفريت

السينما التونسية هي سينما لها طابعها الخاص في الوطن العربي ولها فرادتها فهي مختلفة في رهاناتها وطروحاتها وقيمها الفكرية... لقد اختارت أن تكون في وعاء الجنوب وفي نهج سينما المؤلف حيث المخرج ومن معه في الفيلم يكتبون الحكاية بأنفسهم ويحككونها كما يحكك الشعر قديمًا وتنحت الأفكار التي ستؤثث الشريط كما ينحت التمثال ولعلّ هذا ينسحب على كل الأجيال السينمائية التونسية التي تشتغل على هذا النحو مع اختلاف في التصورات والإيديولوجيا المراد إيصالها، هذا هو الخيط الرابط أو هذا هو البهار السري لهذه الأسطورة الثقافية الصغيرة في تونس.

السينما التونسية هي سينما موجات ولكل موجة علوّها وفعلها وأسماؤها وآثارها على الذائقة العامة

لم تكن سينما نسقية

السينما التونسية لم تكن سينما نسقيّة بالمرّة إذ لا نستطيع الحديث عن مراكمة ما في حقل دلالي أو فكري بعينه أو حتى إيديولوجي فهي سينما أفراد وسينما مخرجين وكل شخصية تحاول أن تصنع مجدها الشخصي وتروّج لمنجزها وتجعل لها مريدين من المبتدئين والإعلاميين وطلبة السينما. وتحيط نفسها بهالة الزعامة السينمائية، وهنا لنا العديد من المخرجين يمكن ذكر بعضهم: النوري بوزيد، فريد بوغدير، مفيدة التلاتلي، الطيب الوحيشي، عبد اللطيف بن عمار، الفاضل الجزيري، محمود بن محمود، عمار الخليفي وغيرهم.

كل هؤلاء تقريبًا وغيرهم لا يشبهون بعضهم إذ لكل واحد منهاجه وأدواته الجمالية وأسلوبه والمدارس العالمية المتأثر بها، لكن النقد السينمائي التونسي يجمع على أنّ الأرضية المشتركة هي انطلاق جميع المخرجين - رغم الاختلافات المذكورة – من منصة الواقع التونسي سواء أكان هذا الواقع سياسيًا أو ثقافيًا أو تنمويًا أو تاريخيًا أو حضاريًا أو إيديولوجيًا.

موجة ما بعد الثورة.. هي الأعتى والأقوى

السينما التونسية هي سينما موجات ولكل موجة علوّها وفعلها وأسماؤها وآثارها على الذائقة العامة: موجة التأسيس مع الجيل الذهبي ("الطاهر شريعة": مؤسّس أيام قرطاج السينمائية،  وعمار الخليفي، مخرج أوّل شريط تونسي بعد الاستقلال عن المستعمر الفرنسي..)، موجة البحث عن الذات والعودة للشرق (مع الفاضل الجزيري ورضا الباهي وعبد اللطيف بن عمار والناصر الكتاري..)، وموجة الاشتغال بالسياسة والصراع الإيديولوجي ( خاصّة مع النوري بوزيد..)، وموجة مهادنة السلطة ولعب الكرّ والفرّ معها والانغماس في الواقع (مع مفيدة التلاتلي ومحمد الزرن وكلثوم برناز وفريد بوغدير..) والموجة الجديدة التي تشكّلت بعد ثورة 14 كانون الثاني/ يناير 2011 والتي يرى المهتمون بالشأن الفني والسينمائي على وجه التحديد أنها الموجة الأعتى والأقوى والتي تضاهي مكانتها التاريخية تقريبًا نفس موجة التأسيس الحقيقي للسينما التونسية أواخر النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الموجة الجديدة لم يكن ميلادها لحظة الثورة كما يتبادر إلى الأذهان بل بدأت الإرهاصات قبل ذلك إذ بدأ العديد من الشباب السينمائي في تحسّس الطريق في المهرجانات السينمائية التونسية مثل مهرجان قليبية للسينمائيين الهواة وهو مهرجان عريق تخرجت منه العديد من الأسماء. وهو يقام صيفًا في مدينة قليبية البحرية (محافظة نابل). نذكر أيضًا مهرجان مدينة هرقلة السينمائي (محافظة سوسة) وهو مفتوح للهواة والمحترفين معًا. تظاهرة أخرى كان لها الفضل على شباب الفن السابع وهي "وثائقيات تونس" التي أنشأتها الفنانة سهام بلخوجة، هذا فضلًا عن دور نوادي السينما في التأطير والتدريب. وقد ساهمت الثورة الاتصالية أيّما مساهمة في تكوين الشباب وذللّت العديد من الصعوبات وخاصة التقنية كما قلّصت من ميزانيات الإنتاج لدى المبتدئين خاصة.

الإرهاب، الحرقة، السياسة.. طروحات غير مألوفة

أما الفائدة الكبرى التي تحصل عليها روّاد موجة ما بعد الثورة فتتمثل في انزياح الدكتاتورية من البلد وانفتاح الفضاء العام ورواج مناخ من الحرية غير مسبوق في تونس.

هذا المناخ كان له الدور الأساسي والمحوري في تغير المشهد السينمائي إذ تصدّرت هذا المشهد وجوه جديدة مع انحسار طفيف للوجوه القديمة فيما يشبه الهدنة في الإنتاج. فكانت الجرأة في الطرح من عناوين هذه المرحلة حيث أصبحت السينما التونسية تتطرق إلى مواضيع مثل الإرهاب فتذهب الكاميرا إلى عمق المجتمع التونسي في الأحياء الشعبية والضواحي والقرى البعيدة. وهو ما قامت به المخرجة رجاء العماري في شريطها "الربيع التونسي" سنة 2015  فتحرج أصحاب القرار السياسي وتشير إلى بعض الاختلالات في استراتيجيات التنمية وتبحث في الأسباب الجوهرية لظاهرة باتت تنخر المجتمع وهي الهجرة السرية بحرًا والتي يسميها التونسيون في مقولهم اليومي بـ"الحرقة".

ثمّة أيضًا من الأسماء الجديدة ممّن عاد إلى الماضي وتحديدًا إلى تاريخ تونس المعاصر واشتغل على الذّاكرة القريبة شغلًا غير تاريخي. هذا المخرج هو "المنصف بربوش" الذي انطلق في شريطه "صراع" من زاوية واضحة وهي تعذيب المساجين السياسيين إبان حكم بن علي وبنى رواية ذات حبكة تراجيدية، قرّبت للمشاهد صورة كانت غامضة وغائبة عن الأذهان، كما يمكن أن يساعد هذا الشريط الباحثين المختصين في التاريخ على فهم ما كان يحدث للسياسيين أو المعارضين في السجون التونسية.

واستثمارًا للهامش الواسع للحرية الذي وفّرته الثورة للشعب التونسي، اشتغل العديد من المخرجين الجدد على سرديات الواقع التونسي فالمخرج "نجيب بلقاضي" في شريطه "باستاردو" يشير إلى العنف الاجتماعي بأسلوب لم تتعوّده السينما التونسية من قبل. أيضًا اشتغل المخرج "فارس نعناع" في شريطه "شبابك الجنة" على القيم والمشاعر الإنسانية الكبرى: الحب، الحداد، الفقد، الألم... العادات والتقاليد البالية وهي من المواضيع الكلاسيكية لدى أغلب المجتمعات تم تناولها في العديد من الأعمال لعلّ  أهمها شريط " نحبّك هادي" للمخرج محمد بن عطية. الشريط وصف بأنه جريء على أكثر من مستوى وخاصة مشاهده الساخنة التي أدت إلى منعه في بعض البلدان العربية منها مصر والسعودية.

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. أسبوع للسينما المستقلة

أشرطة مفعمة بأوكسجين الحرية

هذه الأفلام وغيرها من الموجة الجديدة المفعمة بأوكسيجين الحرية استقبلها الجمهور التونسي بكل شغف وأعادته للقاعات بكثافة بعد هجر. أيضًا استقبل العالم وبكل حب وحفاوة تلك الأعمال. فكانت هناك المشاركات والاستضافات الشرفية الاعتبارية والتكريمية في أكثر من مهرجان احتفاء بتونس المتحررّة لتوّها من قيد الدكتاتورية التي كانت جاثمة على المشهد الثقافي والفني. وأعتبر ذلك تكريمًا للثقافة التونسية.

كما كانت هناك مشاركات رسمية للأفلام الجديدة في التظاهرات السينمائية العالمية فالسنيمائي الشاب علاء الدين سليم يحصد جائزة "أسد المستقبل" لأفضل أوّل عمل في مهرجان البندقية في دورته الأخيرة ونال تقريبًا جائزة شبيهة في مهرجان أيام قرطاج السينمائية سنة 2016 وهي جائزة "الطاهر شريعة لأفضل أوّل عمل".  وهذا الشاب الذي وصفته الصحافة الثقافية في تونس بـ"مستقبل السينما العربية" كان قد اشتغل في الأعمال الوثائقية في بداية الرحلة الإبداعية، فنال سنة 2012 الجائزة الكبرى في مهرجان مرسيليا الدولي للأفلام الوثائقية عن شريط "آخر واحد فينا" الذي يعود إلى الصراع الأبدي بين الشمال والجنوب وفي وطيس هذا الصراع تضيع الأحلام.

ومن الأشرطة التي شدّت إليها الانتباه شريط "نحبك هادي" للمخرج محمد بن عطيّة، الذي تحصّل على جائزتين من مهرجان برلين الدولي بألمانيا في الدورة 66 وهما جائزة أفضل عمل أول وجائزة النقاد السنوية لأفضل ممثل ونالها الشاب مجد مستورة، الذي قام بدور هادي في الشريط.

لا يفوتنا أيضًا الحديث عن" كوثر بن هنية "، هذا الوجه الجديد الذي يقتحم الساحة السينمائية التونسية ويعيد الأمجاد التليدة فبحصولها على التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية سنة 2016 عن شريط "زينب تكره الثلج" أعادت الصلة مع التتويجات التونسية صلب "الأيام" لأنه وخلال العشرية الأخيرة لم تتوج تونس داخل مهرجانها. نفس المخرجة وبعد سنة تقريبًا تفاجئ المتابعين بشريط جديد تحت عنوان "على كفّ عفريت" الذي شارك في"مهرجان كان" سنة 2017 ضمن قسم "نظرة ما " ونال العديد من التنويهات. كما حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان بروكسال للفيلم المتوسطي، وجائزة أفضل سيناريو في "مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد" في 2017.

في ظل هذا الزّخم الإنتاجي وتشبيب الساحة السينمائية التونسية فإن النّقد السينمائي يكاد يكون غائبًا

الجيل السينمائي القديم لا يزال يتنفّس سينما

أيضًا الجيل القديم والمخضرم ورغم تراجع منتوجه السينمائي، إلا أن بعض الأسماء لا تزال تشتغل وتتنفس سينما. فصاحب أيقونة "السنونو لا تموت في القدس" الفنان القدير  رضا الباهي أخرج سنة 2016 شريط "زهرة حلب"، وهو عمل يرتكز على الراهن والآني إذ يطرح موضوع استقطاب الشباب وترويمهم نحو الدوعشة والإرهاب. كذلك المخرج التونسي المعروف فريد بوغدير يعود ليقف مجددًا وراء الكاميرا لينتج شريط زيزو، وهكذا تكتمل ثلاثيته التي انطلقت سنة 1990 بشريط "عصفور سطح" الشهير ثم عمل "صيف حلق الوادي" الذي أخرجه سنة 1996 ويطرح من خلاله فلسفة تعايش الأديان داخل البلد الواحد.

غياب المتابعة النّقدية

وفي ظل هذا الزّخم الإنتاجي وتشبيب الساحة السينمائية التونسية وتنوّع زوايا الكاميرات والتتويجات الهامة في الداخل والخارج، فإن النّقد السينمائي يكاد يكون غائبًا حيث لم يقابل هذه الموجة الجديدة عتوّ في الكتابات والقراءات العميقة والحفر في مستويات نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وذلك بالرغم من وجود جمعيات تعنى بالنقد على غرار " الجمعية التونسية للنهوض بالنقد السينمائي " و" شبكة نوادي السينما" بالمؤسسات التعليمية.

ولنا أن نقول أخيرًا إنّ السينما التونسية تظلّ من سينماءات القرب ومن سينماءات التفلسف والتفكير. وأغلب قضاياها قيميّة كونية وذات بعد إنساني وأدواتها الجمالية هي تلك الشاعرية التي تسكن الممثل والفاعل السينمائي وذلك رغم صعوبات التمويل وضيق الأسواق. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم قمر على سكايب.. جدل على هامش مهرجان قليبية

مهرجانات تونس.. الخروج إلى الحياة