19-يناير-2023
 الهادي ونور الدين الخياشي

"استعادة ثقافية رشيقة مشبعة بالاعتراف لعلمين ومثقفين تونسيين مهمين كانت لهما بصمتهما في تاريخ الفن التشكيلي التونسي"

 

يأخذنا المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر  في تونس، بداية من 15 جانفي/يناير 2023 وإلى غاية 31 مارس/آذار 2023، إلى أرض البدايات حيث الانبجاسات الأولى للرسم التونسي الحديث ويحملنا في رحلة تاريخية من النادر أن قامت بها مؤسسة ثقافية أخرى من قبل، وذلك عبر معرض استيعادي لفرشاتين هامّتين طبعتا قرنًا من الزمن امتد بين النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين وهما الثنائي العميد الهادي الخياشي ونجله نور الدين الخياشي. إنها تذكرة عودة إلى لحظات المكاشفة التشكيلية التونسية الأولى أو ما يعرف بالمدرسة الأولى.

يأخذنا المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر  في تونس إلى أرض البدايات  عبر معرض استيعادي لفرشاتين هامّتين طبعتا قرنًا من الزمن وهما الثنائي الهادي الخياشي ونجله نور الدين الخياشي

المعرض الذي تحتضنه القاعة العُلوية بالمتحف دشّنته رئيسة الوزراء بحضور عائلة الرسامين وفنانين ومثقفين ورساميين. وتكون بذلك الدولة التونسية سواء بوعي منها أو بعفوية قد قامت بمصالحة مع هذه المدرسة التشكيلية "المقصية"  والتي كان الخياشي الأب أحد ركائزها الأساسية رفقة بيار بوشارل وجول للوش ويحيى التركي وحاتم المكي.

فقد تعمدت "مدرسة تونس للفنون التشكيلية"، تلك الشجرة التي ما انفكت تحجب الغابة التشكيلية التونسية والتي تدور دوائرها في أفلاك سلطة ما بعد الاستعمار وما بعد الملكية، إقصاء المدرسة الأولى وخصوصًا الخياشي الأب لأنه كان "رسام البلاط الحسيني".

تعمدت "مدرسة تونس"، تلك الشجرة التي ما انفكت تحجب الغابة التشكيلية التونسية والتي تدور دوائرها في أفلاك سلطة ما بعد الاستعمار، إقصاء المدرسة الأولى وخصوصًا الخياشي الأب لأنه كان "رسام البلاط الحسيني"

 

 

هذا المعرض التاريخي المهم أسهم في بناء فكرته ومن ثمّة تنفيذها كل من الفنان التشكيلي محمد حشيشة المكلف بتسيير المتحف وتاج الملك الخياشي ابنة نور الدين الخياشي وفريق عمل من المختصين الذي ذللوا كل الصعوبات فخططوا وتنقلوا إلى مخازن الرصيد الوطني بالقصر السعيد وبالمكتبة الوطنية وأمكنة المجموعات الخاصة وأمّنوا الأعمال حتى تكون أمام المتلقي التونسي.

وضمن تمش تاريخي توخاه فريق الإعداد فإننا نقف في البداية على الثمرات الجمالية للمسيرة الفنية المتوجة للرسام الهادي الخياشي ( 1882 ـ 1948 ) الذي تردد يافعًا على مرسم " بنشار" ثم سافر إلى فرنسا مترددًا على الأكاديميات الحرة بمونبارناس ثم بعد ذلك إلى روما حيث تلقى تكوينًا علميًا في تقنيات رسم البورتريه.

وهكذا يعتبر الفنان الهادي الخياشي أول من اختص في رسم البورتريه بالأسلوب الكلاسيكي لرسامي القرن الثامن عشر وبأسلوب مدرسة روما الشهيرة، كما يعتبر أول رسام امتهن الرسم في تونس وذلك بعد أن اعتمدته العائلة الحسينية المصور الرسّمي للبلاط.

يعتبر الفنان الهادي الخياشي أول من اختص في رسم البورتريه بالأسلوب الكلاسيكي لرسامي القرن 18 وبأسلوب مدرسة روما الشهيرة، وهو أول رسام امتهن الرسم في تونس وذلك بعد أن اعتمدته العائلة الحسينية المصور الرسّمي للبلاط

وقد تفانى الخياشي في رسم بورتريهات من الحجم الكبير للبايات والأمراء والأميرات وأمهات البايات وأعيان تونس وعلية قومها. وأعماله موجودة بأغلب القصور والدور الخاصة ومجموعة منها موجودة بالقصر الرئاسي بقرطاج.

ويقدم المعرض الاستيعادي مجموعة نادرة من هذه البورتريهات الخاصة بالعائلة الحسينية المالكة في تونس قبل الاستقلال والتي أعدها الخياشي بتقنية الزيت على القماش وجاءت متفاوتة الأحجام وذات دقة عالية فالرسام يتقن التفاصيل بألوانها وظلالها، مما يضفي هيبة وبهجة على العمل الفني ومن الأسماء التي رسمها الهادي الخياشي نجد الجد المؤسس للمملكة حسين بن علي الأول كما رسم عددًا من الأمراء.

 

بورتريه لحسين بن علي

بورتريه لحسين بن علي (تصوير رمزي العياري/الترا تونس)

 

بورتريهات لعدد من بايات تونس

بورتريهات لعدد من بايات تونس (تصوير رمزي العياري/الترا تونس)

 

هذا ويحتوي المعرض على بورتريهات عائلية متفاوتة الأحجام تقدم وجوهًا من عائلته بمن فيهم بورتريه لابنه نور الدين الذي ورث من بعده ذاك الالتزام بالفن والرسم فكان امتدادًا لوالده في الأسلوب والتقنيات وأيضًا لوحات من الحجم الصغير لأصدقائه من الأعيان ومشاهد من سيدي بوسعيد والجم تعود إلى بدايات القرن العشرين.

يقدم المعرض مجموعة نادرة من هذه البورتريهات الخاصة بالعائلة الحسينية المالكة في تونس قبل الاستقلال والتي أعدها الخياشي بتقنية الزيت على القماش وجاءت متفاوتة الأحجام وذات دقة عالية

 

 

وتغيب عن الجزء المخصص للهادي الخياشي العديد من الأعمال المهمة ولعل أبرز الأسباب هي عملية السطو التي تعرض لها منزل الخياشي بقرطاج بيرصة في السنوات الثمانين حيث يوجد مرسمه وحيث وثائقه الشخصية وأعماله التي لم يطرحها للبيع. وتفيد عائلته بهذا الخصوص أن عملية السرقة التي تعرض لها منزل الهادي الخياشي استهدفت بالأساس لوحاته وأرشيفه الشخصي وعدة أعمال لفنانين آخرين كانت ضمن مجموعته الخاصة وتضيف العائلة أن الأبحاث الأمنية لم تسفر عن شيء إلى حد اليوم وهكذا تكون تونس قد فقدت جزءًا من رصيدها الفني وتاريخها.

أما نورالدين الخياشي ( 1918ـ 1987 ) الذي توخى نهج والده فكان قد التزم بمدرسة روما في رسم البورتريه فعاد لشجرة العائلة المالكة الحسينية التي حكمت تونس من 1705 إلى حدود قيام الجمهورية سنة 1957 فرسم أغلب البايات بأسلوب دقيق بديع ومن بينهم نذكر محمد رشيد باي وعلي باشا باي الثالث ومحمد الهادي باي ومحمد الناصر باي وعدد من الأمراء والأصدقاء ومن بين الأعمال اللافتة في هذا المعرض نجد بورتريه للسلطان العماني الراحل قابوس.

نور الدين الخياشي درس بالأكاديمية الإيطالية للفنون الجميلة بروما وخالط كبار المعلمين والأساتذة الإيطاليين بتوجيه من والده ما جعله يتبنى الأساليب الكلاسيكية و جعلت منه رائدًا من رواد المدرسة الكلاسيكية الأولى

نور الدين الخياشي درس بالأكاديمية الإيطالية للفنون الجميلة بروما بين 1937 و1941 وخالط كبار المعلمين والأساتذة الإيطاليين بتوجيه من والده ما جعله يتبنى الأساليب الكلاسيكية التي انعكست فيما بعد على تجربته الطويلة التي تنقل فيها بين محاور عديدة جعلت منه رائدًا من رواد المدرسة الكلاسيكية الأولى.

ولم يكتف الخياشي الابن  برسم وجوه العائلة المالكة بل أسهب في رسم مظاهر تزيّن النساء التونسيات فرسم أنواع لباسها وطرق الاستعداد للاحتفال والجلسات النسائية الخاصة سواء في الصباح أو المساء أو أثناء السهر فجاءت لوحاته في هذا المحور ثرية ودقيقة ومليئة بالتفاصيل مما جعلها مرجعًا تاريخيًا لكل من رام البحث في هذه المسائل الاجتماعية.

كما ركزت بعض أعماله على الحياة اليومية للتونسيين بأنهج وأزقة مدينة تونس ولعب الأطفال وأيضًا مظاهر المناسبات كالأعراس والأعياد، فبدا الخياشي وفيًا لتلك اللحظات العفوية وذاك السلوك المجتمعي فنقل كل المشاعر الإنسانية التي تحيط بتلك الأحداث وأسكنها لوحاته، حتى أن البريد التونسي حول جلها الى طوابع بريدية وذلك من أجل أن يتمتع بها عامة التونسيون عندما كان التراسل ورقيًا.

ركزت بعض أعمال نور الدين الخياشي على الحياة اليومية للتونسيين بأنهج وأزقة مدينة تونس ولعب الأطفال وأيضًا مظاهر المناسبات كالأعراس والأعياد، فبدا وفيًا لتلك اللحظات العفوية وذاك السلوك المجتمعي التونسي

نور الدين الخياشي كان قريبًا من أنشطة الحركة الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي لتونس وكان صديقًا لرموزها الأمر الذي جعل دولة الاستقلال تمنحه عن جدارة امتياز إنجاز شعار الجمهورية التونسية المعروف بـ (نظام، حرية، عدالة) ونجد بهذا المعرض التخطيطات الأولى والمسودات التي اشتغل عليها نور الدين الخياشي في فترة إعداد الشعار والتي توجها رسم زيتي متميز لشعار الجمهورية التونسية الحالي.

 

شعار الجمهورية التونسية

شعار الجمهورية التونسية المعروف بـ (نظام، حرية، عدالة) من إنجاز نور الدين الخياشي (تصوير رمزي العياري/الترا تونس)

 

 

أيام المعرض الممتدة إلى نهاية شهر مارس/آذار ستشهد يوم 26 جانفي/يناير 2023 حدثًا مهمًا وهو تقديم كتاب "الهادي ونور الدين الخياشي ركيزتان من ركائز الرسم التونسي في تناغم تام" وهو من تأليف تاج الملك الخياشي ومصطفى شلبي.

نور الدين الخياشي كان قريبًا من أنشطة الحركة الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي لتونس وكان صديقًا لرموزها الأمر الذي جعل دولة الاستقلال تمنحه عن جدارة امتياز إنجاز شعار الدولة التونسية المعروف بـ (نظام، حرية، عدالة)

إن هذا المعرض التشكيلي الذي حرص على التزود بكل أدوات النجاح والجذب للمتلقين من مختصين وغيرهم، قد يبدو في ظاهره استعادة ثقافية رشيقة مشبعة بالاعتراف لعلمين ومثقفين تونسيين مهمين كانت لهما بصمتهما في تاريخ الفن التشكيلي التونسي، لكن في جوهره هو يحمل عملية رتق تاريخي بين حقب فنية أثّرت وتأثّرت بسياسة تلك اللحظة التاريخية.

كما يبدو من خلال معرض الثنائي الخياشي أن المصالحة مستمرة والمحادثة الرمزية والتاريخية بين رموز الفن التشكيلي التونسي مستمرة و "المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر" يكرّس ذلك، همّه الوحيد هو صيانة الذاكرة الثقافية وإعادة تقديمها بموضوعية وبذوق معاصر.

 

لوحات لنور الدين الخياشي حول النساء التونسيات في القرن العشرين

لوحات لنور الدين الخياشي حول النساء التونسيات في القرن العشرين (تصوير رمزي العياري/الترا تونس)