ما مصير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؟

ما مصير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؟

يتواصل غلق مقرّيْ الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالعاصمة مند أوت 2021 دون ذكر الأسباب

 

على الرغم من غلق المكاتب المركزية للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ أوت/أغسطس 2021، إلا أنّ رئيسة الوزراء نجلاء بودن وأعضاء حكومتها قاموا بالتصريح بمكاسبهم وممتلكاتهم لدى الهيئة وفقًا لمقتضيات وأحكام القانون عدد 46 لسنة 2018 المتعلّق بالتصريح بالمكاسب والمصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، دون أن يقع الحديث بعد عن مصير الهيئة وما إذا كان تعيين رئيس جديد لها والإذن بعودتها إلى العمل يعدّ أولوية قصوى والحال أنّ  نجلاء بودن قد صرحت خلال أداء اليمين بأنّ من أوليات الحكومة الجديدة مكافحة الإرهاب والفساد، فيما لا تزال الهيئة معطلة عن العمل في مكاتبها المركزية أساسًا منذ شهرين تقريبًا.

اقرأ/ي أيضًا: بودن تصرّح مع عدد من أعضاء حكومتها بالمكاسب والممتلكات لدى هيئة مكافحة الفساد

يذكر أنّه صدر في 20 أوت/أغسطس الماضي قرار بغلق مقري الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في منطقتي البحيرة والبلفيدير وإخلائهما من جميع الموظفين والأعوان، مع إقالة كاتبها العام أنور بن حسن، على أن يتولى المكلف بالشؤون الإدارية والمالية في الهيئة تصريف الأعمال بشكل مؤقت.

وحسب تصريحات إعلامية لوالي تونس الشاذلي بوعلاق فإنّ غلق المقرات جاء تنفيذًا لقرار المكلف بتسيير وزارة الداخلية دون أن يذكر الأسباب. وأشار إلى أنّه لا يعلم أسباب هذا القرار، مؤكدًا أنّ العمل به سيتواصل إلى غاية الانتهاء من حالة الطوارئ.

تُطرح عدّة تساؤلات عن أسباب غلق مقري الهيئة بالعاصمة دون غلق المكاتب الجهوية، وعن مصير الموظفين والعملة بها وكيفية تعيين رئيس جديد لها، وهل أن تعيين رئيسة حكومة سيمكن من حلّ الإشكال

إجراءات يبدو أنه استُند فيها إلى الأمر عدد 50 لسنة 1978 المؤرخ في 26 جانفي/يناير 1978 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ، دون ذكر أي تفاصيل عن دوافعها في ذلك الوقت بالذات، مما يدفع إلى التساؤل عن مدى استقلالية الهيئات وابتعادها عن أي أزمات سياسية، خاصة وأنّ مشاكل الهيئة انطلقت منذ العام الماضي بعد إقالة رئيس الحكومة السابق إلياس الفخفاخ لرئيسها السابق شوقي الطبيب، إضافة إلى استقالة أغلب أعضائها من العمل. 

فيما يطرح توقف الهيئة اليوم عن العمل عدّة تساؤلات عن أسباب إغلاق مقري الهيئة في العاصمة دون غلق المكاتب الجهوية وعددها عشرة مكاتب. إلى جانب التساؤل عن مصير الموظفين والعملة بالهيئة وكيفية تعيين رئيس جديد لها؟ وهل أن تعيين رئيسة حكومة سيمكن من حلّ الإشكال، أم أنّ رئيسها الجديد يجب أن يحظى أيضًا بتزكية من رئيس الجمهورية عملًا بالأمر الرئاسي عدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر/أيلول 2021 والمتعلق بالتدابير الاستثنائية، والتي لا نعلم مدّة الانتهاء من العمل بها.

  • إقالات متكرّرة

وكان مجلس الوزراء المنعقد يوم 24 أوت/أغسطس 2020، بإشراف رئيس الحكومة السابق، إلياس الفخفاخ، قد قرّر إعفاء شوقي الطبيب من مهامه، كرئيس للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتعويضه بالقاضي عماد بوخريص. لكن لم يتمكن عماد بوخريص من تسلّم مهامه على رأس الهيئة بتاريخ 27 أوت/أغسطس 2021، بسبب طعن شوقي الطبيب في قرار إقالته وتقدّمه بطلب تأجيل تسليم العهدة، في انتظار البت في قرار الطعن.

وقد رفضت المحكمة الإدارية مطلب العريضة المقدمة من قبل شوقي الطبيب، على أساس عدم توفر شرط النتائج التي يصعب تداركها في تنفيذ قرار الإقالة. كما استقال أغلب أعضاء الهيئة إثر إقالة شوقي الطبيب من رئاستها دون ذكر أي أسباب أيضًا. 

وبعد سنة تقريبًا من تولي عماد بوخريص رئاسة الهيئة تقرّر في جوان/يونيو الماضي تعيين عماد بن الطالب علي رئيسًا للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد خلفًا لعماد بوخريص، دون توضيح أسباب الإقالة أو تحديد ماهية المهام الأخرى. 

لكن بيّنت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في بلاغ لها أن رئاسة الحكومة، وجهت إليها يوم 9 جوان/يونيو 2021، مراسلة تقضي بتكليف أنور بن حسن، الكاتب العام للهيئة بمباشرة جميع أعمال التصرف التي يقتضيها تأمين السير العادي لمصالح الهيئة، إلا أنّه تم بعد ذلك بشهرين تقريبًا إقالة أنور بن حسين وغلق مكتبي الهيئة بالعاصمة، دون ذكر أي أسباب أو دافع لذلك. 

قرار الغلق أثار انتقادات كبيرة لدى الرأي العام ولدى عدّة منظمات حذرت من انتهاك المعطيات الشخصية للمواطنين المصرحين لدى الهيئة، أو تعريض المبلغين عن الفساد للخطر

قرار الغلق أثار انتقادات كبيرة لدى الرأي العام ولدى عدّة منظمات. إذ أدانت مجموعة "محامون لحماية الحقوق والحريات" في بيان لها اقتحام وغلق مقر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، من قبل وزارة الداخلية التونسية. وحمّلت المجموعة كلًّا من رئيس الجمهورية قيس سعيّد والمكلف بتسيير وزارة الداخلية مسؤولية آنذاك، رضا غرسلاوي، انتهاك المعطيات الشخصية للمواطنين المصرحين لدى الهيئة، أو تعريض المبلغين عن الفساد للخطر. 

كما عبرت منظمة "أنا يقظ" في بيان لها في أوت/أغسطس الماضي عن تخوّفها إزاء "مواصلة إغلاق مقر الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد وتعطّل عملها، نظرًا للتبعات الخطيرة التي من الممكن أن يواجهها المبلغون عن الفساد".

وقالت المنظمة في ذات البيان إن "تعطّل عمل هيئة مكافحة الفساد، سينجرّ عنه تعطّل إجراءات البت في مطالب إسناد الحماية للمبلغين والتي هي جملة الإجراءات الهادفة إلى حماية المبلّغ عن الفساد ضد مختلف أشكال الانتقام أو التمييز التي قد تسلط عليه من مضايقات أو عقوبات هي في الظاهر تأديبيّة، لكنها في الواقع انتقاميّة ككل إجراء تعسفي، بما في ذلك العزل أو الإعفاء أو رفض الترقية أو رفض طلب النقلة أو النقلة التعسفية".

اقرأ/ي أيضًا: من المسؤول عن تسريب معطيات المبلغين عن الفساد؟

كما أكّد رؤساء الهيئات العمومية المستقلة في بيان مشترك لهم صادر في 27 أوت/أغسطس 2021، تمسكهم المبدئي والثابت باستقلالية الهيئات العمومية وحيادها وإصرارهم على النأي بها عن كلّ أشكال التوظيف السّياسي والإيديولوجي، وتحذيرهم من مخاطر المسّ بوحدتها واستقلاليّتها ومن التدخل في شؤونها خارج ما يقتضيه القانون والمعايير المعتمدة.

كما عبروا عن انشغالهم الشديد وتخوّفهم من خرق قواعد حماية المعطيات الشخصيّة وخاصّة منها المعطيات التي تقوم بمعالجتها الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد في إطار منظومات التصريح بالمكاسب وحماية المبلّغين والتقصّي حول شبهات الفساد.

وفي 15 سبتمبر/أيلول الماضي طالبت منظمة "أنا يقظ"، في بيان لها بإعادة فتح جميع مقرات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، في أقرب الآجال، معتبرة أن في مواصلة غلقها، "مساسًا بحقوق الأفراد وتعطيلًا لمسارات التقاضي والتحقيق في قضايا الفساد المالي والإداري وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع". كما اعتبرت هذا القرار "طعنة في ظهر المبلغين عن الفساد وتخلِّيًا من الدولة عن واجبها القانوني والأخلاقي تجاههم".

ودعت "أنا يقظ" في بيانها إلى تعيين رئيس وكاتب عام جديدين لهذه الهيئة، بالإضافة إلى تعيين مجلس جديد لها، مطالبة باستصدار أمر تعيين أعضاء جهاز الوقاية والتقصي المعطل منذ 2011 والذي قالت إن الرئيس السابق للهيئة، شوقي الطبيب، "تعلل بغيابه، من أجل عدم إعداد هيكل تنظيمي للهيئة".

أكّد رؤساء الهيئات العمومية المستقلة تمسكهم المبدئي والثابت باستقلالية الهيئات العمومية وحيادها وإصرارهم على النأي بها عن كلّ أشكال التوظيف السّياسي والإيديولوجي

وأشارت "أنا يقظ" إلى أن مواصلة غلق مقر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، "لا يترك للمبلّغين عن الفساد أي ملجأ آخر للاحتماء من رؤسائهم ومديريهم في العمل وهو ما يجبرهم في بعض الأحيان إما على الصمت تجاه التجاوزات وجرائم نهب المال العام، أو تعريض حياتهم ومسارهم المهني للخطر جراء عملية التبليغ". 

  • ما مصير الموظفين وملفات الهيئة؟

تعيين المكلف بالشؤون الإدارية والمالية في الهيئة لتصريف الأعمال بصفة وقتية مقابل غلق مقري الهيئة بالعاصمة إجراء متناقض، لا سيما وأن أحد أعضاء الهيئة (رفض ذكر اسمه) أفاد لـ"الترا تونس" أنّ عمل المكتبين مازال معطلًا في حين تعمل بقية المكاتب الجهوية بصفة عادية. كما يتساءل أغلبهم عن مصير عمل الهيئة ومصير موظفيها. وهل سيواصلون العمل في حال عودة الهيئة كما كانوا يعملون حسب الوضعيات السابقة، أم سيقع تنظيم الهيئة وسير عملها بشكل جديد وانتظار تعيين رئيس جديد للهيئة بتكليف من رئيس الحكومة الجديد.

كما أفاد أحد الموظفين(رفض ذكر اسمه) أيضًا لـ"الترا تونس" أنّ بعض أعضاء وموظفي الهيئة سبق أن أرسلوا مراسلة لرئيس الجمهورية قيس سعيّد للسؤال عن مصير عمل الهيئة وما إذا سيقع النظر في مآلها كأولوية لمكافحة الفساد، إضافة إلى مصير عشرات الموظفين والعاملين بها ومصير الملفات المودعة بالهيئة، أملًا  في أن يقع تعيين رئيس جديد للهيئة بعد تعيين الحكومة الجديدة والإذن بعودة نسق عمل الهيئة والنظر في مشاكل الموظفين بها. 

بعض المنظمات الأخرى عبرت عن مخاوفها حول مصير الملفات بعد غلق الهيئة. إذ عبر مرصد رقابة في بيان له بداية الشهر الحالي إلى أنّه "عن بالغ قلقه على إثر تواتر تسريب ملفات ووثائق حساسة وسرية تابعة للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" معتبرًا ذلك "انتهاكًا خطيرًا لسرية أعمال هيئة مستقلة". وأبدى المرصد قلقه مما يمكن أن يترتب عن ذلك من "تضييقات وانتقام من المبلغين عن الفساد وتلاعب بمعطيات شخصية وتصاريح بالممتلكات والمكاسب وشكاوى من طرف مواطنين أصبحوا عرضة للتشهير والابتزاز"، وفق توقعاته.

موظف بهيئة مكافحة الفساد لـ"الترا تونس": بعض أعضاء وموظفي الهيئة سبق أن وجهوا مراسلة للرئيس سعيّد للسؤال عن مصير الهيئة وما إذا سيقع النظر في مآلها كأولوية لمكافحة الفساد، إضافة إلى مصير عشرات الموظفين والعاملين بها

كما حمّل المرصد "المسؤولية كاملة على أي تسريب أو ضياع لأي ملف من ملفات الهيئة أو مس بسرية معطيات المواطنين إلى كل من رئيس الجمهورية الذي اتخذ قرار إغلاق مقرات الهيئة والتحفظ على ملفاتها والمكلف بتسيير وزارة الداخلية الذي نفذ القرار، دون تقديم أي مبررات لذلك القرار أو أي ضمانات لحماية الوثائق والمعطيات وهويات وتبليغات المبلغين عن الفساد".

وأكد أن "ذلك القرار غير المدروس أدى إلى تزايد التضييقات على المبلغين في عدة قطاعات في الفترة الأخيرة وتعطّل البت في مطالب إسناد الحماية، وهو امتياز ممنوح حصرًا للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. كما أدى إلى إيقاف كل التحقيقات الجارية واستفادة من تحوم حولهم شبهات الفساد من تعطّل إجراءات البحث والتقاضي إلى أجل غير مسمى".

ودعا المرصد رئيس الجمهورية إلى إنهاء قرار التجميد ورفع يد السلطة التنفيذية عن هيئة مستقلة حملها القانون والاتفاقيات الدولية مسؤولية الحفاظ على سرية معطيات المواطنين وتوفير الحماية للمبلغين عن الفساد، وإلى تحمل مسؤولية الأمر الواقع في ضمان حماية وسلامة وثائق الهيئة وأرشيفاتها وهوية المبلغين عن الفساد ومعطيات المصرحين بمكاسبهم لدى الهيئة، وفق ما جاء في نص البيان.

كما دعا النيابة العمومية إلى "فتح بحث تحقيقي في حالات التسريب المتواترة لكشف كل من تورط في المس من سرية ملفات الهيئة ومعطيات المواطنين، وإلى تحميل المسؤولية لكلّ من تسبب في ضرر لمواطنين كان عيبهم أنّهم وثقوا في القانون وفي هيئة يفترض كونها مستقلة ومؤمنة من الاختراق ومن هيمنة السلطة التنفيذية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكافحة الفساد: بضاعة تحت الطلب في سوق الشعبوية

"تصفية الأجسام الوسيطة".. عنوان المرحلة القادمة في تونس