كيف علق سياسيون تونسيون على سيناريو

كيف علق سياسيون تونسيون على سيناريو "الانقلاب الدستوري" المزعوم؟

مواقف قيادات ونواب عدد من الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية حول ما ورد في الوثيقة التي قيل إنها "مسربة"(ياسين القايدي/ الأناضول)

 

عاد الحديث عن "الفصل 80" من الدستور التونسي إلى الواجهة مجددًا، إثر نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني "وثيقة" زعم أنها مسربة من مكتب مديرة ديوان رئاسة الجمهورية نادية عكاشة وُسمت بـ"سرية للغاية" تتحدث عن تدبير خطة لـ"دكتاتورية دستورية لتركيز كل السلطات في يد رئيس الجمهورية"، كما وصفها الموقع المذكور.

وبموجب "الوثيقة"، فإن "الرئيس سيدعو إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومي في قصره بقرطاج تحت ستار الوباء والوضع الأمني والحالة المالية العامة للبلاد. ثم يعلن للحاضرين، الذين من بينهم رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، أنه سيفعّل الفصل 80".

بغضّ النظر عن مدى صحة ومصداقية ما جاء في الوثيقة، التي وردت دون إمضاء أو ختم أو أيّ إشارة إلى صاحبها، أثار مضمونها جدلًا على الساحة السياسية وتعددت ردود الأفعال

كما تنص على أنه " لن يُسمح للمشيشي والغنوشي بمغادرة القصر، الذي سيتم إدخاله في حالة عزلة كاملة عن الخارج، وفي تلك الأثناء سيوجه الرئيس خطابًا تلفزيونيًا إلى الشعب للإعلان عن انقلابه. ومن التدابير الاستثنائية "تكليف العميد خالد اليحياوي (مدير الأمن الرئاسي) بالإشراف على وزارة الداخلية بالنيابة، علاوة على مهامه كمدير عام للإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية". ويتم نشر "القوات المسلحة على مداخل المدن والمرافق الحيوية وفي الوقت ذاته سيتم وضع الأشخاص الرئيسيين تحت الإقامة الجبرية".

وبغضّ النظر عن مدى صحة ومصداقية ما جاء في الوثيقة، التي وردت دون إمضاء أو ختم أو أيّ إشارة إلى صاحبها، فقد أثار مضمونها جدلًا على الساحة السياسية، وتعددت ردود أفعال السياسيين الذين أجمعوا على أن الوثيقة غير صحيحة والغاية منها مزيد إرباك المشهد السياسي لكن وفق رؤى مختلفة للأمر. 

"الترا تونس" حاول رصد مواقف مختلف قيادات ونواب عدد من الأحزاب السياسية والكتل البرلمانية حول ما ورد في الوثيقة التي قيل إنها "مسربة":

  • الخميري (النهضة): لا يجب التهاون في التعامل مع هذه المعطيات المسربة

في تعليقه على محتوى الوثيقة، دعا رئيس كتلة حركة النهضة (53 نائبًا) بالبرلمان عماد الخميري إلى ضرورة حمل "المعطيات المسربة"، من وجود دعوات للانقلاب على الدستور وإجهاض الديمقراطية التونسية والانفراد وجمع السلطات بيد شخص واحد وهو رئيس الجمهورية، محمل الجد وعدم التهاون معها. 

اقرأ/ي أيضًا: عناصر الأزمة السياسيّة في تونس وسبل تجاوزها 

وأضاف الخميري، في تدوينة نشرها الاثنين 24 ماي/آيار 2021 على صفحته بموقع التواصل "فيسبوك، "هذا الحديث استمعنا لمن يردد مقالته في البرلمان وفي الجلسات العامة، والدعوات الانقلابية تحت مسمى تفعيل الفصل 80 من الدستور رددها بعض النواب في وسائل الإعلام وفي البرلمان وفي رسائل مفتوحة لرئيس الجمهورية".

الخميري (النهضة): من يدعو للانقلاب أو يحرض عليه يريد الدفع بالبلاد نحو المجهول بضرب وحدة الدولة والمساس بأمنها واستقرارها

أكد أن "من يدعو لهذا الخيار أو يحرض عليه يريد الدفع بالبلاد نحو المجهول بضرب وحدة الدولة والمساس بأمنها واستقرارها"، حسب تقديره.

  • عبد اللطيف المكي (النهضة): الأفكار الموجودة بالوثيقة معروف من يروّج لها

فيما يرى القيادي بالحزب ذاته، عبد اللطيف المكي، أنه "ليس في الوثيقة المسربة أي إشارة تدل على علاقتها برئيس الجمهورية"، مستطردًا: "الأفكار الموجودة بالوثيقة معروف من يروج لها من السياسيين".

وأردف، في تدوينة نشرها على صفحته على فيسبوك الأحد 23 ماي/آيار الجاري، "منذ مدة قلت في نفسي إن تناقص حماس بعض الأطراف السياسية للحوار الذي اقترحه اتحاد الشغل مرده انشغالها بأفكار أخرى تحاول أن تورط فيها رئيس الجمهورية"، حسب رأيه.

وتابع القول: "لن يكون هناك حل إلا عبر الحوار تحت سقف المصلحة الوطنية ومنهج الاستفادة من كل الآراء المطروحة دون شروط مسبقة"، وفقه.

  • غازي الشواشي (التيار الديمقراطي): لا يجب الانسياق خلف وثيقة لا هوية لها

ومن جهته، قال الأمين العام للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، الاثنين 24 ماي/آيار 2021، إنه "لا يجب إعطاء هذه الوثيقة أكثر من قيمتها، لأنها وثيقة دون هوية أو إمضاء أو ختم أو أيّ مصدر معلوم".

وأضاف، في تصريح لـ"الترا تونس"، "هناك بعض الأطراف تدفع في اتجاه تعفين الأوضاع وتعميق الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، وهم أعداء الديمقراطية الذين يعملون ضد استقرار البلاد، وضد إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي في تونس"، مؤكدًا أنهم "يتواجدون في عديد الأحزاب والمكونات في المشهد السياسي"، حسب تقديره.

واستبعد الشواشي أن "يكون الفصل 80 من الدستور بابًا يسمح لرئيس الدولة بالانقلاب على الشرعية وعلى مؤسسات الدولة"، موضحًا أن "المشرّع الدستوري وضع حدودًا وشروطًا وضوابط من شأنها أن تجعل ممارسة هذا الفصل يكون بالتشاور مع رئيس الحكومة ورئيس البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية، وهو فقط للتصدي لأي خطر داهم قد يهدد أمن البلاد"، وفق قوله. 

الشواشي (التيار الديمقراطي) لـ"الترا تونس": يجب وضع مصلحة البلاد وأمنها واستقرارها فوق كل الاعتبارات ومواجهة هذه الدعوات للتفرقة والفتنة

وأردف: "لا أعتقد أنه يمثل آلية متاحة لرئيس الجمهورية الحالي أو غيره ليستعملها للانقلاب على الشرعية"، واصفًا ما جاء في الوثيقة بـ"الهراء" الذي يروجه "أشخاص غير واعين وليست لديهم قراءة سليمة للدستور التونسي"، حسب رأيه. 

وتابع محدث "الترا تونس" قائلًا: "نحن نعيش تجربة ديمقراطية، وفي الديمقراطيات ليست هناك لا انقلابات دستورية ولا غير دستورية"، داعيًا إلى عدم الانسياق خلف هذه الوثيقة وعدم إعطائها أكثر من حجمها، ووضع مصلحة البلاد وأمنها واستقرارها فوق كل الاعتبارات ومواجهة هذه الدعوات للتفرقة والفتنة لتعميق الأزمة المركبة التي تعيشها تونس. 

كما أكد غازي الشواشي ضرورة "الاستماع اليوم فقط لأصوات العقلاء والحكماء والتي تطرح تجاوز الأزمة وإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي وإنقاذ البلاد من الانهيار والانفجار والإفلاس والفشل"، وفق تعبيره.

  • الصادق جبنون (قلب تونس): الغاية من نشر هذه الوثيقة إحداث زوبعة في السياسة التونسية

ولا يختلف موقف الناطق الرسمي باسم قلب تونس (30 نائبًا) محمد الصادق جبنون عن المواقف السابقة، إذ وصف الوثيقة المسربة بـ"المرتبكة" الغاية منها تعميق الأزمة السياسية في تونس.

اقرأ/ي أيضًا: نص الأزمة في تونس في سياق ما بعد الحداثة: جاك دريدا وجان ليوتار نموذجًا

وأضاف جبنون، في تصريح لـ"الترا تونس"، "هناك عديد الشوائب ونقاط الاستفهام حول الوثيقة، مما يجعلها في الوقت الحالي لا ترتقي إلى درجة عالية من المصداقية، والغاية من نشرها إحداث زوبعة في السياسة التونسية"، حسب وصفه.

وتابع القول: "على كل حال، نحن لا نأخذ بعين الاعتبار مثل هذه الوثائق التي تسرب على هذه الشاكلة، ونسعى إلى إيجاد تعاون حقيقي بين كل مؤسسات الدولة".

جبنون (قلب تونس) لـ"الترا تونس": عهد الانقلابات انتهى، فتونس ديمقراطية راسخة والجيش الوطني برهن في عديد المرات أنه متمسك بمؤسسات الجمهورية وبالدستور وبالمنظومة الديمقراطية

كما شدد المتحدث باسم قلب تونس على أن "عهد الانقلابات انتهى، فتونس ديمقراطية راسخة والجيش الوطني برهن في عديد المرات أنه متمسك بمؤسسات الجمهورية وبالدستور وبالمنظومة الديمقراطية"، مستطردًا أن "الخلافات داخل الديمقراطيات تحلّ بالحوار وبالمؤسسات القضائية وفي نهاية المطاف بالانتخابات"، وفق تقديره. 

  • العياري (نائب مستقل): على رئاسة الجمهورية مقاضاة موقع "ميدل إيست آي"

ومن جانبه، دعا النائب عن حركة أمل وعمل بمجلس نواب الشعب ياسين العياري رئاسة الجمهورية إلى مقاضاة موقع "ميدل إيست آي"، معلقًا: "لا نريد مزيد تدخل المواقع الأجنبية في سياستنا الداخلية بوثائق من هذا القبيل". 

وأضاف العياري، في تصريح لوسائل إعلام محلية على هامش الجلسة العامة المنعقدة الاثنين 24 ماي/آيار 2021 بالبرلمان، "صحيح أن رئيس الجمهورية لديه نزعات تسلطية باعتباره يريد أن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة البرية والجوية والمدنية ويريد أن يكون مشرفًا على وزارة العدل والداخلية، لكن ليس من الممكن أن نبني موقفًا على وثيقة سخيفة غير معلومة المصدر ونربطها برئاسة الجمهورية، فأي شخص بإمكانه أن يخط ورقة مثلها". 

وتابع النائب المستقل: "نحن في حاجة اليوم إلى تنقية المناخ السياسي، مثل هذه الوثائق والتسريبات لا تساهم في ذلك بل تدفع إلى مزيد تأزيم الوضع"، حسب تقديره. 

  • الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة: الوثيقة مهزلة وسنردّ بالقانون

وسرعان ما نشرت الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية، الاثنين 24 ماي/آيار 2021، بيانًا نددت فيه بإقحامها فيما وصفته بـ"المستنقع الكلامي"، معتبرة أن ما ورد في الوثيقة "مهزلة"، حسب توصيفها. 

وأضافت، في ذات الصدد، أن ردّها سيكون بالقانون، مؤكدة تمسكها بالحيادية وتكريسها مبادئ الأمن الجمهوري والوقوف على نفس المسافة من الأحزاب والأطياف السياسية"، حسب نص البيان.

الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة تؤكد تمسكها بالحيادية وتكريسها مبادئ الأمن الجمهوري والوقوف على نفس المسافة من الأحزاب والأطياف السياسية

كما شددت الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة على أن عهد الانقلابات والدكتاتورية قد ولى، وفق تقديرها.

  • موقف رئاسة الجمهورية 

ولئن تواصلت ردود الأفعال هنا وهناك حول ما سمي بـ"الوثيقة المسربة للدكتاتورية الدستورية"، فإنه لم يصدر إلى حد كتابة هذه الأسطر أي موقف رسمي من رئاسة الجمهورية، بينما نقل موقع "الصباح نيوز" عن مصدر مسؤول برئاسة الجمهورية قوله إن الرئاسة "لن تسكت عن المغالطات الكبرى التي رافقت الوثيقة المسربة وهي بصدد بلورة موقف واضح وصريح للرد على كل ما جاء في وثيقة الانقلاب المزعوم"، مؤكدًا أن "عناصر الرد جاهزة وسيتم عرضها على الرأي العام الوطني والدولي لوضع حد لكل التجاوزات التي يمكن أن تحصل مستقبلًا، وفق المصدر ذاته. ولم يتسنَّ لـ"الترا تونس" التثبت من مدى صحة ذلك.

  • ماذا يقول الفصل 80؟

وينص الفصل 80 من الدستور التونسي على التالي: "لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب.

ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.

وبعد مُضيّ ثلاثين يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يُعهَد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يومًا.

ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانًا في ذلك إلى الشعب".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدعوات لتفعيل الفصل 80 من الدستور.. أي سيناريوهات منتظرة في تونس؟

مفارقات المشهد السياسي في تونس بعد انتخابات 2019