في تونس.. الحوار أو الصراع؟

في تونس.. الحوار أو الصراع؟

عناصر التنافر لاتزال قائمة وهي بالقوة التي يمكن أن تمنع حتمية الحوار (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

مقال رأي

 

نمر الآن في مفترق صعب. عوامل الدفع للحوار قوية وربما حتمية. عناصر التنافر لاتزال قائمة وهي بالقوة التي يمكن أن تمنع حتمية الحوار. لا يمكن الانسياق نحو فكرة "حكومة تصريف أعمال" ورمضان مسكن للأعصاب.

لنبدأ بعوامل فرض الحوار. رئيس الجمهورية قيس سعيّد يملك خوارزميته الخاصة غير التقليدية. لكن لديه ما يكفي الآن من الحس السياسي الذي يجعله يفهم أنه لا يربح كثيرًا إذا أصرّ أن يكون منعزلًا. وسعيّد فهم أن الاتحاد العام التونسي للشغل بدأ بشكل متدرج لكن واضح يأخذ مسافة منه. هذا عامل أساسي لقبول أمينه العام نور الدين الطبوبي في لقاء غير معلن. اللقاء أعاد فيه سعيّد ما يقوله عادة حول نقد القوى "الفاسدة" و"ضرورة استقالة المشيشي"، لكن في نهاية الأمر أقرّ بضرورة إطلاق الحوار ومنح الطبوبي مجالًا للقيام باتصالات على أساس "ذهاب المشيشي" لكن ليس على أساس استقالته وعلى أساس القيام بترتيبات وتفاهمات شاملة.

نمر الآن في مفترق صعب، عوامل الدفع للحوار قوية وربما حتمية، وعناصر التنافر لاتزال قائمة وهي بالقوة التي يمكن أن تمنع حتمية الحوار

من جهة أخرى، ليس للاتحاد من أفق جدي وعملي إلا التحالف مع الرئيس. أي انزواء مع النهضة وهي لاتزال ترعى حليفها على يمينها، المعادي بشكل حثيث للاتحاد هو وضع لا يحتمل. أيضًا العلاقة مع منظمة الأعراف خاصة أن رئيسها يتميز عمومًا بمهجة متعالية ومتوترة بين الحين والاخر مع الاتحاد. الكتلة الديمقراطية، الهشة أصلًا، حليف ضروري للاتحاد، لكنها غير كافية.

اقرأ/ي أيضًا: عن طوفان الشعبوية في تونس..

النهضة من جهتها الداعم الرئيسي لحكومة تصريف أعمال غير قادرة على الحكم بل هي بشكل تراكمي تساهم في الكارثة. من جهة لا تتحكم النهضة تمامًا في المشيشي، بل ربما "صهر الحكومة" (الأدق صهر رئيس الديوان) حسونة الناصفي، بعشرة نواب، يملك تأثيرًا أكبر من النهضة. في المقابل، هي في المحصلة والصورة تتحمل أساسًا وضع الحكومة، أكثر من أي كتلة أخرى. الحلف القائم مع قلب تونس غير مضمون مع بقاء رئيسه في السجن، فهي كتلة معرضة للأهواء والإغراءات من كل حدب وصوب.

أقرّ سعيّد في نهاية الأمر بضرورة إطلاق الحوار ومنح الطبوبي مجالًا للقيام باتصالات على أساس "ذهاب المشيشي" لكن ليس على أساس استقالته

العامل الآخر الرئيسي هو وعي الرئيس بأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي كارثي. عدد من اللقاءات والمعطيات ساهمت في خلق هذا الوعي. ومنها لقاؤه مع زميله في كلية القانون ونائب رئيس البنك الدولي المكلف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. قيس سعيّد يعلم أيضًا ما تتناقله البعثات الديبلوماسية وتركيزها المكثف على الوضع الاقتصادي والمالي الدقيق خاصة في لقائه بسفيري أمريكا الشمالية وطبعًا الأهم سفير الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك استحضار الجميع من الأعراف إلى الاتحاد في تصريحات متنوعة بما يشبه الحملة المنظمة حول اجتماع مجلس إدارة صندوق النقد القادم منتصف أفريل/نيسان الذي سيكون فعلًا حاسمًا في تقرير علاقة الصندوق بتونس. وإذا سقط السقف فسيسقط على الجميع، ولن تفيد حينها مناكفات إلقاء اللوم.

من جهة أخرى، عناصر الثقة لم تنضج بعد. تنقيح قانون المحكمة الدستورية، مس من كبرياء قيس سعيّد من جهتين. أولًا وبشكل بديهي يستشعر الخطر من الضغط لإحداث محكمة فقط لمحاصرته ومن ثمة إمكانية عزله. ثانيًا، يعتبر أن الدستور مجاله حتى من زاوية الاختصاص الذي قضى فيه حياته. وهكذا استدعى زملاءه الأقرب أمين محفوظ والرفاعي لإيجاد صيغة ما للإعلان عن رفض ختم القانون. سيكون ذلك عاملًا قويًا لمزيد التوتر ليس مع النهضة ورئيسها فقط بل أيضًا مع البرلمان وربما حتى بعض أوساط الكتلة الديمقراطية التي تعتبر التنقيحات ناتجة عن مقترحاتها.

تنقيح قانون المحكمة الدستورية مسّ من كبرياء قيس سعيّد الذي بدأ يستشعر الخطر من الضغط لإحداث محكمة فقط لمحاصرته ومن ثمة إمكانية عزله

وسط كل ذلك، يتكشف بشكل متزايد وضع الوزير السابق "نزار يعيش" كبديل محتمل، كنقطة التقاء بين القصر وربما الاتحاد ومونبليزير. أقول ربما لأن مهجة الاتحاد وشيخ النهضة (وليس بعض أجنحتها) لا تبدو متحمسة جدًا للرجل، كما أن لديهم مرشحيهم. طبعًا في كواليس السياسة "خيار يعيش" كان قائمًا ومنذ سيناريو "التخلي" في حكومة الفخفاخ (بعد استقالة الفخفاخ، وعندما تأكد قيس سعيّد من خيانة المشيشي)، حينما تم التفكير في تعويض الفخفاخ بأحد أعضاء الحكومة. منذ ذلك الحين أصبح "يعيش" ضمن قائمة قصيرة من المرشحين الجديين المبكرين لتعويض المشيشي. وعدد من وزراء حكومة الفخفاخ عملوا على تغذية طموح "يعيش"، الذي اكتشف بسرعة إدمان السياسة، واشتغل على تقدم "تصور للإنقاذ" بشكل مبكر، منتقدًا في الكواليس توجهات وزير المالية الحالي علي الكعلي الموصوف بـ"البرود". لكن هذا التكشف المبكر قبل التفاهمات ربما "يحرق المراحل" ومعها "يعيش" نفسه فلا يعيش بما فيه الكفاية ليكون المرشح الفعلي.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

اقرأ/ي أيضًا:

لا عبير فسطاط الوطنية ولا النهضة فسطاط الثورة!

زنقة المشيشي: إما التفاهم الكبير أو التيه الأكبر