كيف تناولت الدراما التونسية الأمراض النفسية؟

كيف تناولت الدراما التونسية الأمراض النفسية؟

أبدع مهذب الرميلي في أداء شخصية "فتحي" في مسلسل "نوبة"

 

"فتحي" و"كريم"، شخصيّتان من مسلسل "نوبة" أثارتا سيلًا من التعليقات عن أداء دور المريض النفسي لصدمة تلقّاها أو لعقد وتراكمات حملها معه من الطفولة، ويؤدّي الدورين الممثّلان المسرحيّان مهذّب الرميلي وعاصم بالتوهامي اللذين تمكّنا من رسم ملامح المضطرب نفسيًا كل بطريقته.

والشخصيّتان أعادتا إلى الذاكرة إنتاجات تونسية كانت فيها الأمراض والاضطرابات النفسية مادة خصبة لسيرورة الأحداث، منها "حسابات وعقابات" و"كمنجة سلامة" و"عاشقة السراب" و"منامة عروسية".

اقرأ/ي أيضًا: صورة "البوليس" في الدراما التونسية.. من التلميع إلى التشنيع

صورة المريض النفسي في الدراما

في "حسابات وعقابات" و"كمنجة سلامة"، تعاني الشخصيتان "نجلاء" و"ثريا" من اضطرابات نفسية اقترنت بتعاطي علاج لدى أخصائيين نفسانيين، أما في "عاشقة السراب" و"منامة عروسية" فتشكو الشخصيتان "معز كانوليكا" والزاهي" من اضطربات نفسية ناتجة عن صدمات دون الإشارة إلى تعاطيهما علاجًا نفسيًا.

أعادت كل من شخصيتي "فتحي" و"كريم" في "نوبة" إلى الذاكرة إنتاجات تونسية كان فيها المرض النفسي مادة خصبة لسيرورة الأحداث

وشخصية "نجلاء" التي أدّتها الممثلة سوسن معالج في "حسابات وعقابات" تعاني من اهتزاز في الشخصية ناتج عن سطوة وتغطرس والدها رجل الأعمال الذي يسعى بطل الطرق إلى رسم مسارات حياتها حتّى أنّه كان سببًا في طلاقها من زوجها.

في المسلسل الذي كتب قصّته علي اللواتي وأخرجه الحبيب المسلماني، تمكّنت سوسن معالج من رسم ملامح امرأة مضطربة نفسيًا في انفعلاتها وحركاتها وسكناتها وردود أفعالها، ومن النوبات الهستيرية إلى بعض السلوكيات التي تمارسها نكاية في نفسها وفي والدها إلى محاولة الانتحار، تجلّت قدرتها على ترجمة هواجس مريضة نفسية.

شخصية "نجلاء" التي أدّتها الممثلة سوسن معالج في "حسابات وعقابات" تعاني من اهتزاز في الشخصية 

 

أما شخصية "ثريا" التي أدّتها الممثلة المسرحية راضية النصراوي في مسلسل "كمنجة سلامة"، فكانت محاكاة لواقع مريضة نفسياً، ترى نفسها امتدادًا لأختها "سلامة" التي ماتت منتحرة حتّى أنّها تغار على زوجها وتحاول منعه من الزواج بعد وفاتها.

في هذا العمل الدرامي الذي كتبه أيضًا علي اللواتي وأخرجه حمادي عرافة، أقنعت النصراوي متابعي الشاشة الصغيرة بدورها، وهي التي امتصت كل تفاصيل الشخصية "المريضة" واستبطنتها لتعيد إنتاجها على شاكلة أداء بدا مقنعًا في نوبات صراخها وعزلتها وجولاتها الليلية وحيدة وحواراتها مع طبيبها النفسي.

فيما جسّد يونس الفالحي دور "معز كانوليكا" في مسلسل "عاشقة السراب"، في دور تستشف فيها الاضطراب النفسي من خلال الخطاب والحركات، وإن كانت الشخصية في باطنها تعكس تمثلات لواقع المبدع والفنان في مجتمع قد يلفظه لمجرّد كونه مختلفًا.

وفي خطابه يروي "كانوليكا" حكايات عن القيروان والمدينة المائيّة وكأنّ به يرسم عالمًا آخر غير الذي يعيش فيه وعاني فيه نظرة دونية من الآخر الذي ينعته بنعوت فظّة ويقطع عليه لحظات انغماسه في عالمه الذي نسج ملامحه بهدوء داخلي يضادد اضطرابه الخارجي.

ومسلسل "منامة عروسية"، هو الآخر، كان فيه تجسيد للاضطراب النفسي إثر صدمة جعلت شخصية "الزاهي" التي يؤدّيها الممثل علي مصباح تساءل كل ماضيها وتجعل الحاضر زمنًا للمحاسبة والمحاكمة، وقد وصلت الاضطرابات النفسية التي رزح تحت عبئها حدّ حرقها منزل صديقه "المنصف الشارد" بعد علمه بحمل أخته منه منذ سنين.

دور "الزاهي" من بين الأدوار الراسخة في ذاكرة المشاهد التونسي

 

المتأمل في تفاصيل شخصية الزاهي في الوضعية الدرامية المتعلّقة بالاضطراب النفسية، سيلاحظ أنّ علي مصباح أجاد لعب دور المضطرب في سلوكياته وأفعالها وخطابه وتفاعله مع محيطه، فكان دور "الزاهي" من بين الأدوار الراسخة في ذاكرة التونسي في هذا العمل الذي أخرجه الحبيب المسلماني.

وبالعود إلى مسلسل "نوبة عشّاق الدنيا" في جزئه الثاني إثر جولة بين أعمال درامية رسخت في ذاكرة المشاهد التونسية، لا بدّ من وقفة مع الممثلين المسرحيين مهذّب الرميلي وعاصم بالتوهامي اللذين أدّيا شخصيّتين مضطربتين نفسيًا كل بأسلوبه الخاص وأدواته التي لا تشبه إلاّه.

عن خلق شخصية "فتحي" في نوبة

"فتحي" الشخصية التي أسرت العيون في الجزء الثاني من "نوبة"، يؤدّيها الممثل المسرحي مهذّب الرميلي بكل شغفه وحبّه للتمثيل، شخصية جدلية متقلّبة مركّبة حد الارتباك تتماهى فيها الانفعالات وتتهاوى على اعتابها مشاعر متناقضة تدفعك إلى التساؤل من أي رحم خلقت هذه الشخصيّة؟

إيماءات وسكنات وحركات تسافر بالمشاهد بين تفاصيلها، نبرة صوت متغيرة متبدّلة وفق الحالة وعلى ايقاعها تتراقص النظرات، تقمّص تام لدور "فتحي" الذي عايشه مهذب الرميلي طيلة الجزء الأول من "نوبة"، وهو ما يعتبره معطى أساسيًا في تعامله مع الوضعية النفسية للشخصية في الجزء الثاني.

من شخصية قوية صدامية وقيادية هي أحد أطراف الصراع في "الربط" وهو ما يتجلّى في الحلقة الأولى من الجزء الثاني، إلى شخصية منكسرة فقدت عائلتها في حادث انفجار ضريبة الاقتراب من محيط عصابة خطرة، هي وضعية انتقالية في بناء شخصية فتحي، حسب حديث الرميلي لـ"ألترا تونس".

مهذب الرميلي لـ"ألترا تونس": شخصية "فتحي" في "نوبة" تركيبتها ثنائية تحاكي ما يسمّى المسرح داخل المسرح أو التمثيل داخل التمثيل

في حديثه عن شخصية "فتحي"، يقول الممثل الذي بث من روحها فيها، إن تركيبتها ثنائية تحاكي ما يسمّى المسرح داخل المسرح أو التمثيل داخل التمثيل، فمع تقدّم الأحداث لا أحد يفهم فعلًا إن كان مجنونًا أو يلعب دور المجنون، خاصة وأنه يظهر في بعض اللقطات ماسكًا بزمام عقله.

الشخصية تعرّضت إلى صدمة كان يمكن أن تؤدّي بها إلى الجنون، لكن يبدو أنّها ركنت إلى وضعيتها النفسية لتواصل مهمتها الأمنية وهي التي تعي أن المؤسسة حيث تعمل مخترقة ولا يمكن أن تخاطر بحياة أحد آخر من حولها في مواجهة عصابة خطيرة، وفق حديث الرميلي.

أما عن التوليفة التي خلقت الشخصية على تلك الحالة التي شدّت الأنظار إليها، يقول محدّثنا إن التركيبة النفسية المعقّدة تستلهم من الحس البوليسي والحس الجنوني، وإن تبدو في هذا الموسم أصعب من حيث الأداء فهي بالنسبة له أسهل من السنة الماضية لأنها تجاوزت مرحلة البناء وأصبحت قائمة الذات.

اقرأ/ي أيضًا: 6 أسباب تفسّر: لم لا نتوقف عن مشاهدة مسلسل "شوفلي حل"؟

في علاقة بمراحل خلق الشخصية، يشير إلى أنه يفكّكها خاصة وأنها من بين الشخصيات النمطية المتداولة، وهو ما جعله يصبّ كل اهتمامه على أن يكون مختلفًا في أدائها، الأمر الذي جعله يتعامل معها بكل مكوناتها بعيدًا عن أنها شخصية أمنية وبعيدًا عن الأداء المبالغ فيه.

عن تفاعله مع الشخصية، يلفت أيضًا إلى أنّه لا يعتمد على النقل المباشر من خلال الاحتكاك بأمنيين في فضاءات عملهم وذلك من أجل تفادي السقوط في التقليد أو الاستعانة بخبرة أخصائيين نفسانيين بل اقترح فرضية فنية ورسم ملامح الشخصية من خلال مركبات نابعة من ذهنه وتمثلاته للواقع من حوله.

في حديثه عن الأدوات التقنية التي مكّنته من التحكم في مفاصل الشخصية، يؤكّد على ضرورة المعرفة بالمجال الفني والمعرفة العامة بمجالات مختلفة، وهو ما ينعكس على مستوى نبرة الصوت وتقطيع النص والأنفاس، وهي معارف يتجاوز بها الفنان مرحلة تقنية الفن.

وللمسرح فضل كبير في إتقان الرميلي لدوره وهو ما تجسّده لحظات خلق الحالات الدرامية للشخصية من خلال توظيف ملكاته الحسية والجسدية والوجدانية والشخصية حتّى أنّه يتلبّس بالشخصية ويدخل في حالة "تخميرة" يعيش فيها كل الوضعيات التي لا يراها المشاهد، على حدّ تعبيره.

عين على شخصية "كريم"

عند الحديث عن شخصية المريض النفسي في الدراما التونسية لا يمكن المرور دون الغوص في تفاصيل شخصية "كريم" التي أدّاها الممثل المسرحي عاصم بالتوهامي في "نوبة" وارتداها من أخمص قدميه إلى أعلى رأسه وهو ما جعله محل حديث المتابعين خاصة وأنه دوره الأول في الدراما.

أداء مقنع حدّ الإرباك، تمكّن من كل زوايا الشخصية حتّى أن المتابع يكاد يظن أنّ فيها الكثير منه في الواقع، وهو أمر غير صحيح، فبالتوهامي إنسان مرهف الحس شاعري ولكنّه أجاد في دوره استنطاق الجانب الشرير الذي يرقد داخل كل فرد.

"كريم" شخصية مضطربة في حركاتها وأقوالها وأفعالها

 

"كريم" شخصية مضطربة في حركاتها وأقوالها وأفعالها، نظراتها مستفزّة وأنفاسها وصمتها، عاشت طفولة بين جدران مأتم ونمت داخلها عقد نفسية يرسمها في كل مرّة على شاكلة جرح غائر في جسد فتاة أو وجهها ويتلذّذ بصراخها وبسيلان الدم.

اضطراب الشخصية لا يتوقّف عند هذا الحد فهو يتغذّى من أنفاس الآخرين وهي تصارع الموت ولا يتوانى عن كتم الحياة في أجساد من يصطفيهم أسياده للموت، هي مركّبات نقص عايشها حينما كان طفلًا وكبرت معه ورغم كثرة المحيطين به إلا أنّه وحيد جدًا.

تعابير الوجه والايماءات ونبرة الصوت وتقطيع الأنفاس، كلّها تفاصيل تشدّك شدًا إلى شخصيّة "كريم"

شخصيّة صعبة ومركّبة وتتطلّب "عناء" لتقمّصها دون السقوط في الأداء المبالغ فيه أو تسطيحها، لكن عاصم بالتوهامي تمكّن من الغوص في أعماقها عبر أداء تلقائي بعيد عن التصنّع، مستثمرًا في ذلك عمرًا من السير على خشبة مسرح ألفها وألفته.

تعابير الوجه والايماءات ونبرة الصوت وتقطيع الأنفاس، كلّها تفاصيل تشدّك شدًا إلى شخصيّة "كريم" التي استدرّت التعليقات منذ ظهورها في "نوبة"، في دور قال عنه عاصم بالتوهامي في تصريحات إعلامية إنّه صعب ويبعث على الخوف.

وشخصية "كريم" موجودة في فضاءات كثيرة في سيناريو المسلسل، وفق حديث بالتوهامي، وتتفاعل مع شخصيات أخرى كثيرة، ولسبر أغوارها استند على مرجعيات وقواعد علمية من خلال الانغماس في قراءة السيناريو وتتبع الخطّ الدرامي للشخصية.

وفي مشاهد كثيرة تبدو لك الشخصية متحرّرة من كل القيود وحتّى من الكاميرا ذاتها التي ترصد تحرّكاتها وهو ما يعكس تمكّنًا من آليات الأداء واستحضارًا لخلفيات ورؤى خاصة بالممثل الذي شكّل ملامح شخصية لا تخلو من طرح فنّي وجمالي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"والله ما كادوني".. "النوبة" يعيد الحنين إلى مسرح الجنوب الخالد

هل تحوّلت الدراما التونسية إلى خطر يهدّد المراهقين؟