"والله ما كادوني".. "النوبة" يعيد الحنين إلى مسرح الجنوب الخالد

تسليط الضوء من جديد على إحدى منسيات تونس فنيًا وعوالم فنية راقية خلفها (Artify)

 

"والله ما كادوني ما كادني كان الكلام الدوني.. شوف المحاين شوف".. كلمات استحضرها الكثيرون خلال الأيام القليلة الأخيرة في تونس، رغم أنها تعود لأغنية مرت عليها عقود طويلة وصارت في عداد المنسيات بالنسبة للكثيرين خاصة من الشباب التونسي.

ساهم تمرير مقطع من "والله ما كادوني" في مسلسل النوبة في تسليط الضوء من جديد على إحدى منسيات تونس فنيًا وعوالم فنية راقية خلفها

وعودة الأغنية للانتشار من جديد سببها تمرير مقطع منها في مسلسل رمضاني تونسي يبث يوميًا خلال شهر رمضان على القناة الخاصة التاسعة وهو مسلسل النوبة 2 أو عشاق الدنيا وقد قام بآدائها فنان الراب كافون. وساهم نشر الفنان الأخير فيديو للأغنية مرفقًا بكواليس التصوير على قناته الخاصة على يوتيوب في مزيد انتشارها وتداولها، كما أن نسب مشاهدة المسلسل العالية ساهمت في تسليط الضوء من جديد على إحدى منسيات تونس فنيًا وعوالم فنية راقية خلفها.

ما يُعرف عن "والله ما كادوني" أنه وقع غناؤها في مسرحية من أشهر مسرحيات مسرح الجنوب بقفصة، خلال نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وهي مسرحية عمار بو الزور. والأخيرة مسرحية كوميدية تستعرض حياة عمّار الشاب الريفي الذي يسافر للمدينة ويعاني هناك أصنافًا من الاضطهاد والفقر والحرمان والمعاملة السيئة. وهو عمل من إخراج الفنان التونسي القدير عبد القادر مقداد وقد أخرجها للتلفزيون نور الدين شوشان، ومن تأليف أحمد المختار الهادي ومن أبرز الممثلين المشاركين في العمل عبد القادر مقداد، المنصف البلدي، لطيفة القفصي، وغيرهم.

تقول كلماتها، والتي صارت متداولة خلال الأيام الأخيرة في العديد من الصفحات على مواقع التواصل وعلى يوتيوب:

"والله ما كادوني ما كادني كان الكلام الدوني.. شوف المحاين شوف 

والنجوم يغيبوا لو كان نشكي لنجوم يغيبوا.. شوف المحاين شوف 

والنجوم يغيبوا البحر ينشف والصغار يشيبوا.. شوف المحاين شوف 

والله نذبح روحي لو كان عندي موس نذبح روحي.. شوف المحاين شوف 

والله نذبح روحي شڨوا على صدري وشوفوا جروحي.. شوف المحاين شوف 

والله ما كادوني ستين درجة في العلى ما كادوني.. شوف المحاين شوف".

  • عبد القادر مقداد.. اختفى تاركًا إرثًا مسرحيًا مجيدًا

من خلال هذه الأغنية، يُحيي "النوبة" في ذاكرة التونسيين اسمًا كان بارزًا وفاعلاً فنيًا إلى ما قبل الثورة تقريبًا، ليختفي تدريجيًا إثر ذلك عن الأعمال الفنية وبالتالي عن النقاش العام والإعلام. عبد القادر مقداد وهو فنان مسرحي، أصيل قفصة، ومن بين أهم الأسماء المسرحية التونسية. 

كانت بداياته مع المسرح في سن صغيرة ثم التحق عام 1969 بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس، حيث تحصّل على الديبلوم ثم سافر إلى فرنسا ليواصل دراسته. وإثر عودته في سبعينيات القرن الماضي وتكوين "مسرح الجنوب بقفصة" انضم إليه وارتبط اسمه به لعقود وداخل هذه الفرقة أبدع في أعمال مسرحية بقيت خالدة في ذاكرة التونسيين.

من خلال هذه الأغنية، يُحيي "النوبة" في ذاكرة التونسيين اسمًا كان بارزًا وفاعلاً فنيًا إلى ما قبل الثورة تقريبًا وهو عبد القادر مقداد 

تولى سنة 1975 إدارة "مسرح الجنوب بقفصة" وشارك في أعمال مسرحية عديدة من أبرزها فئران الداموس، صاحب الكلام، عمار بالزور، أحبّك يا شعب وتكشفت الأوراق وغيرها.

لكن مقداد توجه نحو مقاطعة الإعلام خلال السنوات الماضية ورفض عديد المقابلات الصحفية رغم الدعوات المتتالية، وحضر في مناسبات قليلة منها تدخله لنفي إشاعة وفاته التي غزت مواقع التواصل منذ أكثر من سنتين. وكان تحدث بعض المقربين منه من أن الغياب يعود لإحساس بالخذلان العام.

من الأعمال المسرحية المميزة لعبد القادر مقداد 

  • مسرح الجنوب: في غياهب النسيان

وحال الفنان القدير عبد القادر مقداد مشابه لحال مسرح الجنوب بقفصة، هذه التجربة المسرحية المميزة التي يجهلها الكثير من شباب اليوم رغم ما تضمنته أعمالها من رسائل اجتماعية وسياسية.

تأسست الفرقة المسرحية بقفصة والمعروفة بـ"مسرح الجنوب" في بداية سبعينيات القرن الماضي، وأدارها مسرحيون مميزون من بينهم رجاء فرحات كما كانت أعمالها تنهل من واقع الجهة ومشاكلها. 

"عمار بالزور"، "والله ما كادوني" وغيرها من الأعمال الفنية التي استقرت في الذاكرة الشعبية البعيدة، كانت فقط تحتاج عملًا فنيًا من طينتها، من عوالم الهامش، (النوبة) لكي ينفض عنها غبار الزمن ولو لفسحة قصيرة

والتوجه نحو مسرح الجهات في تونس انطلق منذ منتصف الستينيات تقريبًا، خاصة من خلال تجربة الكاف وصولًا إلى قفصة وغيرها من المسارح الجهوية التي خرجت من رحم العاصمة وأثرت المسرح التونسي بأعمال فنية خالدة حتى بداية التسعينيات حين تمت تصفيتها وإحالة العاملين فيها على دور الثقافة وتعويضها بما صار يُعرف بالمراكز الوطنية للفنون الدرامية والركحية.

الأخيرة لا تزال تنتظر إلى يومنا هذا صدور قانون أساسي ينظمها ولا تزال مطالب المسرحيين في جهات البلاد المختلفة مجرد أحلام في أغلب الأحيان، هذا دون الحديث عن حقوقهم المادية والمعنوية التي تكررت روايات بعضهم عن ما تعرضوا له من ظلم ونسيان.

"عمار بالزور"، "والله ما كادوني" وغيرها من الأعمال الفنية التي استقرت في الذاكرة الشعبية البعيدة، كانت فقط تحتاج عملًا فنيًا من طينتها، من عوالم الهامش، (النوبة) لكي ينفض عنها غبار الزمن ولو لفسحة قصيرة.



اقرأ/ي أيضًا:

علي بن عياد.. أسطورة المسرح التونسي

حتّى نعيد الحياة للمسرح المدرسي