في مائوية النادي الإفريقي: خبراء يبحثون في التاريخ الهووي للفريق

في مائوية النادي الإفريقي: خبراء يبحثون في التاريخ الهووي للفريق

ندوة بعنوان : "النادي الإفريقي: النخب الوطنية وتشكل الهويات" (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

الترا تونس - فريق التحرير

 

نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الجمعة 16 أكتوبر/تشرين الأول 2020، بمناسبة مائوية فريق النادي الإفريقي، ندوة بعنوان "النادي الافريقي: النخب الوطنية وتشكل الهويات".

وشارك في الندوة عدد من الأساتذة والمؤرخين وهم كلّ من الأستاذ المحاضر بالمعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر بجامعة منوبة المؤرخ محمد ضيف الله، والأستاذ والباحث الجامعي رضا محفوظي، و الأستاذ الباحث في علم الاجتماع أحمد خواجة، والأستاذ الباحث في تاريخ تونس المعاصر والراهن منصف باني، والأستاذ والباحث الجامعي أسامة بويحي.

وفي مداخلته، قال الباحث منصف باني إن النخبة التونسية والجمعيات الرياضية في تونس شهدت، خلال فترة الاستعمار تطورًا تدريجيًا، وذلك نتيجة توفر عدة عوامل: التثاقف والاحتكاك مع الجاليات الأوروبية، سن سلطات الحماية الفرنسية لقوانين وتشريعات لتنظيم الرياضة والنشاط الجمعياتي، وإرادة النخبة التونسية الانخراط في هذا المجال.

منصف باني: ما كان يميز فتحي زهيّر هو الثنائية والارتباط بين الجانب الرياضي كثقافة وكظاهرة اجتماعية والجانب الوطني السياسي

وأضاف أن النخبة التونسية ساهمت بشكل أو بآخر في تطوير الجمعيات الرياضية بتونس من حيث التأسيس أو الانخراط فيها في مجال التسيير، سواء في فترة الحماية الفرنسية أو بعد الاستقلال، مشيرًا إلى أن المحامي فتحي زهيّر، الذي تقلد عدة مسؤوليات صلب النادي الإفريقي وترأسه بين 1967 و1970، كان أحد هذه العناصر التي ساهمت في الحركة الوطنية من جهة وفي ازدهار النشاط الرياضي من جهة أخرى.

وتابع القول: "فتحي زهير لم يكن مجرد لاعب في النادي الإفريقي، بل كان يحمل شرعية الانتماء إلى هوية النادي الإفريقي باعتباره سليل "باب جديد" الذي تأسست فيه هذه الجمعية من ناحية، ومن ناحية أخرى هو مناضل وطني في الحركة الوطنية"، معتبرًا أن "ما يكان يميز فتحي زهيّر هو هذه الثنائية والارتباط بين الجانب الرياضي كثقافة وكظاهرة اجتماعية والجانب الوطني السياسي".

وأردف منصف باني، في الإطار ذاته، أن زهير كما كان مناضلًا وطنيًا زمن الحماية الفرنسية، أصبح من بناة الدولة الوطنية. قاوم ضد الاستعمار الفرنسي، وتحمل عديد المسؤوليات وشارك في العديد من التظاهرات السياسية. تم اعتقاله ونفيه في الجنوب برمادة. ثم تقلد عديد المناصب الحكومية والبرلمانية والدبلوماسية.

وأشار إلى أن مسيرته كانت ثرية ليس في المجال الوطني والسياسي فحسب، بل أيضًا في المجال الرياضي، إذ انطلقت مسيرته كلاعب في الترجي الرياضي التونسي لفترة قصيرة، ثم لحارس مرمى بالنادي الإفريقي، قبل أن يصاب وينقطع عن اللعب. لكن بصمته كانت بارزة في جانب التسيير، إذ تقلد منصب المسؤول عن الملف القانوني للفريق، ثم مساعد رئيس النادي الإفريقي، ثم تولى رئاسة الفريق بين 1967 و1970.

منصف باني: حقق النادي الإفريقي في عهد فتحي زهير تتويجات كبرى ومسيرة ناجحة أبرزها حصوله على البطولة الوطنية 1966/1967، وعلى الكأس على حساب الترجي في 1968/1969، وعلى الكأس على حساب المستقبل الرياضي بالمرسى 1969/1970

واعتبر أن رئاسة النادي الافريقي لم تكن سهلة خلال تلك الفترة، لاسيما وأن بعد الاستقلال أصبحت هناك منافسة بين الجمعيات وخاصة مع جمعية الترجي الرياضي التونسي، مضيفًا أن رغم الصعوبات حققت الجمعية في عهد فتحي زهير تتويجات كبرى ومسيرة ناجحة أبرزها حصول النادي الإفريقي على البطولة الوطنية 1966/1967، وعلى الكأس على حساب الترجي في 1968/1969، وعلى الكأس على حساب المستقبل الرياضي بالمرسى 1969/1970.

وأشار، في هذا الإطار، إلى أن المسيرة الثرية للنادي الإفريقي ولفتحي زهير لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة لعديد العوامل، أبرزها وجود إرادة من قبل المؤسسين والمسيرين لنجاح هذه الجمعية، معتبرًا أنها جمعية غير عادية من ناحية التأسيس إذ ارتبطت بالعلم التونسي ولم تتأسس بسهولة في مرحلة مقاومة فعلية سياسية ثقافية في فترة الاستعمار الفرنسي، لذلك بقيت هذه الجمعية راسخة في أذهان التونسيين لعقود وبرزت كمثال للمدارس التربوية وساهمت بشكل أو بآخر في تجميع جانب كبير من التونسيين وفي الحفاط على الهوية التونسية. هذه الجمعية بفضل نخبها الوطنية التي ساهمت في إشعاعها ستبقى راسخة في أذهان كل أبناء الوطن ولا نستغرب قول البعض "شعب الإفريقي" لأن أبناء الإفريقي "ظاهرة".

منصف باني: هذه الجمعية بفضل نخبها الوطنية التي ساهمت في إشعاعها ستبقى راسخة في أذهان كل أبناء الوطن ولا نستغرب قول البعض "شعب الإفريقي" لأن أبناء الإفريقي "ظاهرة"

ومن جهته، ذكّر الباحث في علم الاجتماع أحمد خواجة بأن النادي الإفريقي هو أول جمعية إسلامية تونسية تأسست في المغرب العربي، في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1920، وبعده بسنة تأسس فريق مولدية الجزائر، ثم بعده بسنوات تأسس وداد كازابلانكا، وبعد بسنوات فريق "اتحاد طرابلس"، مما يحيل إلى أن ما يحدث اليوم في تونس لا بدّ أن يحدث في بلدان المغرب العربي، وكأن في ذلك إشارة إلى أنه من الصعب الفصل بين هذه المجتمعات.

وأضاف الباحث، في سياق متصل، أن فترة ما بين الحربين العالميتين، هي فترة انتعاشة سياسية ثقافية نقابية ظهرت بها العديد من الحركات الاجتماعية السياسية والنقابية، كما ظهرت خلالها عديد التساؤلات عن الهوية والوطن، وهي فترة اختلاف حسمت بين مفاهيم قديمة ومفاهيم جديدة"، مشيرًا إلى أن من هذا المنطلق برز مفهوم "الحومة" الذي يتراوح بين البادية والحاضرة، و"الحومة" في تفسيرها الاجتماعي هي التي تحمي من كل ما هو "وحش" أي كل ماهو غريب وخارجي وأجنبي وخطير، ومن هنا تأتي رمزية "باب جديد" كـ"حومة".

أحمد خواجة: عند تأسيس النادي الإفريقي، كانت مقراته في باب جديد وفي حزامه، مما يدلّ على الالتصاق الحميمي بالحومة"، وهو ما يعكس الثنائيات داخل الفضاء الحضري التونسي وتأثيره على تشكل الهويات المرتبطة بالجمعيات الرياضية

وتابع خواجة القول: "عند تأسيس النادي الإفريقي، كانت مقراته في باب جديد وفي حزامه، مما يدلّ على الالتصاق الحميمي بالحومة"، خالصًا إلى أن ذلك يعكس الثنائيات داخل الفضاء الحضري التونسي وتأثيره على تشكل الهويات المرتبطة بالجمعيات الرياضية وبالصعود الاجتماعي..."

وفي مداخلته، تطرّق المؤرخ محمد ضيف الله إلى الحديث عن مدى تأثر التونسيين خلال تلك الفترة بالفرنسيين ، مشيرًا إلى أن كل ما يحدث في فرنسا كان ينعكش مباشرة على ما يقع في تونس. 

وأضاف، في ذات الصدد، أن في فترة ما بين الحربين، كانت الرياضة مجالًا من مجالات التثاقف بين الفرنسيين والتونسيين الذين يتأثرون بها، مذكرًا بأن الجمعيات التونسية ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، وكانت تشكّل ثنائيات مع الجمعيات الفرنسية والجمعيات اليهودية.

وبالحديث عن عبارة "دربي"، أوضح المؤرخ أنها ظهرت في كرة القدم لأول مرة في صحيفة "دايلي إكسبرس" الانقليزية سنة 1914 في الحديث عن مقابلة بين ليفربول وإيفرتون، ثم استعملت في الفرنسية لأول مرة سنة 1927، وبالتالي المقابلات التي أجريت بين النادي الإفريقي والترجي الرياضي التونسي قبل سنة 1927 ليست "دربيات" لأن المصطلح لم يظهر آنذاك.

كما لفت إلى أن "الدربي" ليس عبارة تدل عن مقابلة فحسب، بل هو ظاهرة غير عادية خلقت مفهومًا وجمالية جديدة للمدينة وللمجال الحضري، وانتقل الدربي من مجرد مباراة بين الفرق إلى مجال للتنافس الإبداعي بين الشباب ليصبح أحد إيقاعات المدينة.

محمد ضيف الله: من المفارقات أن جمعية رياضية احتفت بمائويتها، بينما الحزب الدستوري الحر لم يحتفل بمائويته كحزب. وكأن ذلك الزخم والبروز الكبير الذي كان للسياسة لم يضاهيه مثل هذا الاحتفال بفريق رياضي

وعلى صعيد آخر، قال ضيف الله: "من المفارقات أن جمعية رياضية احتفت بمائويتها، بينما الحزب الدستوري الحر لم يحتفل بمائويته كحزب. وكأن ذلك الزخم والبروز الكبير الذي كان للسياسة لم يضاهيه مثل هذا الاحتفال بفريق رياضي".

وفي مداخلته، قال الأستاذ والباحث الجامعي رضا محفوظي: عندما نقول "الإفريقي عقلية" فإن هذه التسمية لم تأتِ من عدم، إذ أن الفريق لديه خلفية تاريخية وثقافية واجتماعية.

وأوضح محفوظي، في هذا الصدد، أن "النادي الإفريقي نشأته لم تكن رياضية فحسب، بل كانت له أبعاد ثقافية واجتماعية، وكانت له نويات تهتم أيضًا بالموسيقى والمسرح، وكانت تخلق ديناميكية وحركية، إذ كانت تنظم عروضاً وتظاهرات، ليس في باب جديد فحسب، بل حتى خارج تونس"، مضيفًا أنه "على سبيل المثال، سنة 1936 ، توجه النادي بفريق كرة القدم والفريق الموسيقي والفريق المسرحي إلى قسنطينة. ولعب فريق كرة القدم مباراة مع النادي القسنطيني، وفي عشية اليوم ذاته، قدم الفريق المسرحي عرضًا مسرحيًا، فيما أشرف الفريق الموسيقي على سهرة موسيقية في قسنطينة.

رضا محفوظي: النادي الإفريقي نشأته لم تكن رياضية فحسب، بل كانت له أبعاد ثقافية واجتماعية، وكانت له نويات تهتم أيضًا بالموسيقى والمسرح، وكانت تخلق ديناميكية وحركية، إذ كانت تنظم عروضاً وتظاهرات، ليس في باب جديد فحسب، بل حتى خارج تونس

وأشار، في سياق متصل، إلى أن النادي الإفريقي كان من مؤسسي الراشدية التي ساهمت في الحفاظ على التراث الموسيقي التونسي وفي تنميته، وهناك الكثير من اللاعبين في النادي الإفريقي الذين ساهموا في تدوين الراشدية، مثل صالح المهدي الذي كان من أبناء النادي وساهم في أغنية "يحيا النادي الإفريقي" التي لحّنها حبًا في فريقه، وعبدالرزاق كاراباكا الذي كان عضوًا مؤسسًا في الإفريقي وكان في نفس الوقت شاعرًا معروفًا، وعبدالعزيز العقربي الذي كان عضوًا مؤسسًا وكان رجل مسرح معروف جدًا".

وأفاد الباحث الجامعي، في ذات الصدد، أن "الفريق كان يشرف على إقامة حفلات لأغراض إنسانية للمساهمة والتبرع بها، كما كانت تقام عروض مسرحية وموسيقية في بعض التظاهرات الثقافية، ويتم تخصيص مداخيلها للدعم المادي الذاتي للنادي الإفريقي"، متسائلًا : "لماذا لا يستثمر النادي الإفريقي، اليوم في ظل الأزمة الراهنة، في الجانب الثقافي مثلما كان يفعل سابقًا، بإمكانه القيام بإسهامات ثقافية تعود عليه بالدعم المالي الذاتي".

وتابع القول: "لو تكون هناك إرادة وهيئة تسييرية لها بعد نظر وتستثمر في المجال الثقافي ، فبإمكان النادي الإفريقي الخروج عن جدارة من أزمته"، وفق تقديره.

رضا محفوظي: عندما نقول "الإفريقي عقلية" فإن هذه التسمية لم تأتِ من عدم، إذ أن الفريق لديه خلفية تاريخية وثقافية واجتماعية

ومن جانبه، قال الأستاذ والباحث الجامعي أسامة بويحي، في مداخلته التي بعنوان "جماهير النادي الإفريقي: من التشجيع إلى المقاومة"، إن "المقاومة تكون دائمًا مرتبطة بالشعوب في مواجهة أخطار تهدد وجودها واستمراريتها".

وأضاف، في ذات الإطار، أن "المتعارف عليه هو أن الجماهير الرياضية مهامها تتلخص في مواكبة المباريات ودعم الفرق في ظرفية زمانية ومكانية محددة"، مستدركًا القول: "اليوم أصبحنا إزاء جماهير تعتبر الفريق الذي تشجعه "قضية" مهمة ومركزية، وأضحت تلعب دورًا يتجاوز في المجمل دور المسؤولين".

وأردف الباحث الجامعي أنه "لا يمكن أن نفهم جماهير اليوم المنتظمة في مجموعات "الألتراس" إلا بفهم هذه الثقافة وهذه الحركة وهذه "العقلية" كما يطلق عليها"، مشيرًا إلى أنها أضحت تمثل "أسلوب حياة جديد، ليس في التشجيع فحسب، بل هو أسلوب عيش وأسلوب حياة، بما معناه أن تكون مشجعًا كل يوم وفي كل مكان وزمان".

أسامة بويحي: النادي الإفريقي يحمل هوية مقاومة وكلما اشتدت أزماته كلما تزايد عدد مشجعيه، وهناك ميزة فريدة من نوعها عند جماهير النادي الإفريقي وهي وعيها بتاريخ النادي المقاوم والعريق

ولفت بويحي، في الصدد ذاته، أن "هذه المجموعات مختلفة تمامًا عن الجماهير العادية التي تكتفي بمواكبة مباريات فرقها في مناسبات متفاوتة، في الانتظام والاهتمام بالشأن الرياضي وكل ما يهم الفرق التي يساندونها"، مؤكدًا أن "أهم ما يميز مجموعات الألتراس هو أنها لا تقوم على انتماء محلي أو مهني، إذ من الممكن أن نجد فيها العاطل عن العمل والمتعلم الوأستاذ والمحامي والطبيب... وهي تنتظم كشبكة وكجسم موحّد للأفراد الذين يجمعهم الشغف بالفريق".

وأضاف: "انتماء مجموعات الألتراس يعني قبل كل شيء تبنّي هوية خاصة، أي أننا صرنا اليوم إزاء تشكلّ هويات"، متابعًا القول: "النادي الإفريقي يحمل هوية مقاومة، ومقاومة اليوم لا تشبه مقاومة الماضي المرتبطة بولادة النادي من رحم الحركة الوطنية، وإنما مقاومة من نوع آخر، وهي لديمومة واستمرار الفريق".

كما شدد الأستاذ والباحث الجامعي على أن "اليوم كلّما اشتدت أزمات النادي الإفريقي، تزايدت أعداد مشجعيه وجماهيره"، معتبرًا أن "هناك ميزة فريدة من نوعها عند جماهير النادي الإفريقي وهي وعيها بتاريخ النادي المقاوم والعريق".

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

النادي الإفريقي.. مائة عام منذ تأسيس فريق الأحمر والأبيض

إصدار طابعين بريديين بمناسبة مائوية النادي الإفريقي