التوتّر الدائم بين الغنوشي وموسي.. أكثر من خلاف سياسي؟

التوتّر الدائم بين الغنوشي وموسي.. أكثر من خلاف سياسي؟

تتعمّد عبير موسي تعطيل أشغال البرلمان بصفة متعمّدة ومتكرّرة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

يواجه مجلس نواب الشعب عدة استحقاقات وتحديات تهم القوانين المعطلة منذ البرلمان السابق، إضافة للنظر في ملفات لم تعد تقبل مزيدًا من التعطيل على غرار المصادقة على قوانين اجتماعية واقتصادية إضافة لانتخاب أعضاء الهيئات الدستورية والمحكمة الدستورية.

يعرف البرلمان توتّرات متتالية تتمظهر بالخصوص في كلّ جلسة عامة على ضوء التهجمّات المستمرّة من رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي تجاه رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي

غير أن البرلمان الحالي، مشتت التركيبة، يعرف توتّرات متتالية، تتمظهر داخل بعض اللجان وبالخصوص في كلّ جلسة عامة على ضوء التهجمّات المستمرّة من رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحرّ عبير موسي تجاه رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

هذا التوتّر المستمرّ والملاسنات المكرّرة كانت منتظرة منذ ما قبل الانتخابات، إذ تتعدّد تصريحات عبير موسي العدائية تجاه "حزب الإخوان" كما تصرّ دائمًا على تسمية حركة النهضة، وهو ما جعل مراقبون يصفون خطابها بـ"الاستئصالي" و"الإقصائي"، وهي التي تقول إنها لا تعترف بالثورة وبالدستور وبالمسار الديمقراطي في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: عبير موسي.. أذلها نظام بن علي وأكرمتها الثورة

عبير موسي واختلاق الأزمات

كانت انطلاقة مسلسل التوتّر داخل قبة البرلمان بدأت منذ أولى الجلسات العامة وقد بلغت حدّ تبادل الشتائم. فبعد افتتاح جلسة أداء القسم، دعا رئيس الجلسة ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي النواب الجدد إلى أداء القسم، إلا أن النائب عبير موسي رفضت ذلك وطلبت نقطة نظام للتأكيد بأن العملية غير قانونية في ظل غياب بعض النواب. وطالبت بأن يؤدي كلّ نائب القسم بشكل فردي أمام بقية النواب وليس بشكل جماعي، لكن الغنوشي رفض منح موسي نقطة النظام، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يتم منحه فقط للنواب الذين أدوا القسم الضروري لمباشرة عملهم في البرلمان.

 دخل نواب الدستوري الحر في اعتصام طيلة 3 أيام بمقرّ البرلمان مطالبين حركة النهضة بالاعتذار العلني بعد مداخلة الكسيكسي واقتحموا جلسة لجنة المالية المؤقتة ومنعوا رئيس البرلمان من دخول مكتبه

ولاحقًا وفي جلسة التصويت على قانون المالية التكميلي، توجهت النائبة عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي إلى نواب الدستوري الحرّ ورئيسته عبير موسي ووصفتهم بـ"كلوشارات" و"باندية" في إشارة إلى تعطيلاتهم لسير عمل البرلمان، قائلة: "عبير موسي جاءت فقط إلى البرلمان لتعطيل أعماله وإفشال مسار الثورة التونسية التي لا تعترف بها كما لا تعرف بالدستور الذي سمح لها بأن تكون نائبة". وأنهت مداخلتها بقولها "نحن لا نرغب في سماع أصواتكم النشاز". كما طالبت النائب الأول لرئيس البرلمان سميرة الشواشي بتطبيق النظام الداخلي للبرلمان لإيقاف ما وصفتها بـ"عربدة" عبير موسي.

كرّد فعل على هذه المداخلة، دخل نواب الدستوري الحر في اعتصام طيلة 3 أيام بمقرّ البرلمان مطالبين حركة النهضة بالاعتذار العلني، واقتحموا جلسة اللجنة المالية المؤقتة في محاولة لإيقاف أعمالها، بل منعوا رئيس البرلمان من دخول مكتبه، مما اضطره إلى عقد اجتماع مكتب المجلس في المبنى المجاور المخصص لمجلس المستشارين، مع منعهم من عقد جلسة برلمانية عامة.

منع نواب الحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسي عقد جلسة عامة برلمانية (وسيم الجديدي/Getty)

ولم تنته هذه الازمة إلا باتفاق في اجتماع مكتب البرلمان على توجيه دعوة للنائبتين عبير موسي وجميلة الكسيكسي من أجل تقديم اعتذار متبادل بينهما لإنهاء هذا الخلاف وتعليق اعتصام نواب الدستوري الحرّ.

أمام هذه التوتّرات والهرج الحاصل في البرلمان، طالب نواب ومراقبون بضرورة تغليب العقل وإنهاء هذا الخلاف بين كتلة حركة النهضة وكتلة الدستوري الحر، لما تقتضيه مصلحة البلاد لحلّ القضايا الحقيقية التي من أجلها اُنتخب النواب، ولما يشكله ذلك من خطر على سير أشغال المؤسسة التشريعية.

لكن ما لبث أن تجدد التوتر مجددًا في جلسة 14 جانفي/كانون الثاني، حين طالب رئيس البرلمان بقراءة الفاتحة على أرواح شهداء الثورة، ليغادر نواب الحزب الدستوري الحرّ الجلسة. ثم حصلت مجددًا مشادة كلامية، لاحقًا، بين رئيس البرلمان وكتلة الدستوري الحر، قرّر على إثرها الغنوشي رفع الجلسة العامة المخصصة للنظر في عدد من مشاريع القوانين لمدة 5 دقائق ودعوة رؤساء الكتل البرلمانية للاجتماع.

وتواصلت المشادات الكلامية والتلاسن بين رئيس كتلة النهضة نور الدين البحيري ورئيسة كتلة الدستوري الحر عبير موسي بسبب مطالبة نواب كتلتها وعدد اخرين من النواب بجلسة مساءلة حول زيارة رئيس البرلمان إلى تركيا ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

صلاح الدين الجورشي: ما تقوم به عبير موسي خطير

يؤكد المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، لـ"ألترا تونس"، أن تعدد الخلافات المعطلة لعمل البرلمان والمسبّبة لإيقاف سير الجلسات العامة من شأنه أنّ يعطّل سير عمل البرلمان وتأخير المصادقة على القوانين وغيرها من أعمال المؤسسة التشريعية.

صلاح الدين الجورشي: طالبت الأحزاب بإنهاء هذا الإشكال غير أن عبير موسي لا تستمع إلى رأي أي شخص مواصلة في موقفها المعادي تجاه رئيس البرلمان

اقرأ/ي أيضًا: السياحة الحزبية.. مواقف حربائيّة وقنّاصة جدد

واعتبر أن الخلاف بين عبير موسي وراشد الغنوشي بات وكأنّه خلاف شخصي لتصفية حسابات، مشيرًا إلى وجود اختلاف بين أعضاء الحزب الدستوري الحرّ حول طريقة التعامل داخل البرلمان.

كما أشار محدّثنا إلى أن عبير موسي حوّلت الخلاف الأيديولوجي بين الحزبين إلى خلاف شخصي بات موجهًا أكثر إلى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مضيفًا أنّ ما تقوم به أمر خطير بالفعل يعطلّ كلّ شيء داخل البرلمان وفق تعبيره.

وقال الجورشي إن الأحزاب طالبت بإنهاء هذا الإشكال غير أن عبير موسي لا تستمع إلى رأي أي شخص مواصلة في موقفها المعادي تجاه رئيس البرلمان.

عبد اللطيف الحناشي: صراع ثأر بين الغنوشي وموسي

لم يختلف المحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي أيضًا في رأيه حول الخلاف الحاصل بين الطرفين عن سابقه، مشيرًا، في حديثه لـ"ألترا تونس"، إلى أن خطورة الخلاف المؤثر على عمل البرلمان هو أنه بات كأنه خلاف شخصي بين عبير موسي وراشد الغنوشي.

وقال محدثنا إن موسي تهاجم الغنوشي غالبًا في شخصه وليس حركة النهضة ككل رفمعدائها لها، فبات الأمر كأنه "صراع ثأر" وفق تعبيره.

على صعيد آخر، أشار الحناشي إلى أنّه "كان من الأجدر عدم تنصيب راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان تفاديًا لهذا الإشكال والخلاف الحاصل حتى احترامًا له ولشخصه"، وذلك طالما كان من المنتظر أن يتعرّض إلى هجوم متواصل من قبل عبير موسي التي لا تخفي عدائها له وما يسببه ذلك من تعطيل لأعمال البرلمان، حسب قوله.

هل يُطبق الفصل 48 من النظام الداخلي؟

أمام تواصل التوتّر المستمر بين حزبي النهضة والدستوري الحر وبالخصوص مع التهجم المستمرّ لعبير موسي تجاه رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وما يسببه من تعطيل عمل اللجان إضافة للجلسات العامة، يتساءل مراقبون حول مدى إمكانية تطبيق الفصل 48 من القانون الداخلي للبرلمان.

طالب رئيس الكتلة الديمقراطية غازي الشواشي رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي بتطبيق الفصل 48 من النظام الداخلي للبرلمان الذي يمكّنه من اتخاذ الاجراءات لمنع تعطيل أشغال المجلس

ويحمّل هذا الفصل "رئيس المجلس كامل المسؤولية في السهر على حسن سير أعمال البرلمان ومصالحه، وهو المسؤول على حفظ النظام والأمن داخله وخوله كامل الصلاحيات لاتخاذ ما يراه ضروريًا من التدابير المتعلقة بالوضعيات الادارية والمالية لأعضاء المجلس وأعوانه". كما أنّ الفصل 56 من ذات القانون "منح لمكتب المجلس كامل الصلاحيات لضمان حسن سير مختلف أعمال المجلس، وله أن يتخذ من الاجراءات التي يراها مناسبة في الغرض".

وكان قد طالب رئيس الكتلة الديمقراطية غازي الشواشي، رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي بتطبيق الفصل 48 الذي يمكّنه من اتخاذ الاجراءات لمنع تعطيل أشغال المجلس، وذلك على ضوء التعطيل المتعمّد والمتكرّر لعمل البرلمان من طرف نواب الدستوري الحر وبالخصوص من رئيسة الكتلة عبير موسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (1/2)

في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (2/2)