في اليوم العالمي للمرأة.. لا نريد ورودًا بل حقوقًا

في اليوم العالمي للمرأة.. لا نريد ورودًا بل حقوقًا

تنظم النساء في العالم إضرابًا يوم 8 مارس 2020 تحت شعار "عندما تضرب النساء.. يتوقف العالم" (صورة أرشيفية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب)

مقال رأي

 

لا تقدّم لي هدية أو وردة حمراء.. ولا تكلّف حتى نفسك عناء تهنئتي بما اصطلح النظام الذكوري على تسميته بـ"عيد المرأة"، في محاولاته المستمرة لتدجين الحراك النسوي وإلباسه رداء "ناعمًا" يغلّف به المطالب التي تنادي به كل امرأة، ويخفيها تحت عباءة التسطيح ويختصرها في خطابات رنانة لا يتغيّر فيها شيء باستثناء التوقيت والسياق. وخصوصًا، لا تردّد على مسامعي ما سمعته من هنا أو هناك من عبارات جوفاء ملّت من تكرارها الآذان والألسن.

ما يُطلق عليه اسم "عيد المرأة" أو "اليوم العالمي للمرأة، هو ترذيل وتمييع ليوم نسوي يرمز له الثامن من مارس

اقرأ/ي أيضًا: ديمقراطية "الكبار" أمام امتحان التمديد

فما يُطلق عليه اسم "عيد المرأة" أو "اليوم العالمي للمرأة، هو ترذيل وتمييع ليوم نسوي يرمز له الثامن من مارس/ آذار من كل سنة، ولعل التسمية التي ينبغي أن تطلق على هذا اليوم هي "يوم النضال من أجل حقوق المرأة"، وتكريس الثامن من مارس/ آذار كيوم سنوي قار للتذكير بأهمية مواصلة النضال من أجل تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل والتصدي لكافة أنواع التمييز ضد المرأة لم يكن اعتباطيًا، ويحمل بين طياته سنوات من نضال النسوة في سبيل نيل حقوقهن ويمثل منعرجًا محوريًا في الحراك النسوي.

والقليل من التاريخ في هذا السياق لا يمكن أن يؤذي أحدًا، بل من المهم أن نتذكر الدوافع والأسباب التي جعلت العالم يحتفل بهذا اليوم، ففي عام 1908، خرجت 15 ألف امرأة في مسيرة احتجاجية بشوارع مدينة نيويورك الأمريكية، مطالبات بتقليل ساعات العمل وتحسين الأجور والحصول على حق التصويت في الانتخابات.

وفي العام التالي، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي أول يوم وطني للمرأة، واقترحت امرأة اسمها "كلارا زيتكن" جعل هذا اليوم عالميًا، لتعرض فكرتها عام 1910 في مؤتمر دولي للمرأة العاملة في مدينة كوبنهاغن الدنماركية، وتوافق 100 امرأة مشاركة في المؤتمر على هذا المقترح بالإجماع. وتم الاحتفال باليوم العالمي لأول مرة سنة 1911 في كلّ من النمسا والدنمارك وألمانيا وسويسرا.

إلا أن الأمم المتحدة لم تعترف رسميًا بهذا اليوم إلا عام 1975 وتبدأ الاحتفال به. وجدير بالذكر أن كلارا زيتكن لم تكن تفكر بتحديد الثامن من مارس/ آذار الذي لم يتم تحديده إلا إثر إضراب جد خلال الحرب العالمية الأولى سنة 1917، وطالبت حينها نساء في روسيا بـ"الخبز والسلام"، لتمنح بعدها الحكومة الروسية المؤقتة النساء حق التصويت.

بعد عقود من الاعتراف رسميًا بـ"اليوم الدولي للمرأة"، أصبح الاحتفال بهذا اليوم فلكلوريًا يهتم بالمظاهر الاحتفالية السطحية، وبات يقوم على تقديم الورود وللنساء ومباركتهن بهذا اليوم، وربما أحيانًا، وفي بعض الدول، الإشادة بإنجازاتهن، وتقديم وعود قديمة جديدة بتحسين أوضاعهن، حتى أن بعض الدول جعلت منه يوم عطلة.

 الاحتفال بـ"اليوم العالمي للمرأة" هذا العام يحمل في طياته بذورًا أولى لبوادر تغيير مازال طريقه طويلًا وشاقًا

كل هذه المظاهر الاحتفالية أدت في نهاية المطاف إلى اختزال هذا اليوم في احتفال بسيط شبيه بعيد الأم أو ربما عيد الحب، يقتصر على تقديم الزهور والهدايا، وتخفيضات في مواد استهلاكية توجهها العقلية الذكورية مباشرة بالمرأة مثل الملابس الداخلية أو الأجهزة الالكترونية المنزلية، فهذه العقلية لا ترى في المرأة أكثر من جسد مكانه المنزل ووظيفته الإنجاب والاهتمام بالبيت وترتيبه وتنظيفه.

لذلك، نحن اليوم في أمس الحاجة إلى مواجهة هذه العقلية المتحجرة التي تعمل بأقصى جهودها على تمييع القضايا التي ناضلت وتناضل من أجلها أجيال من النساء، واحتوائها من أجل السيطرة عليها والإبقاء عليها تحت ردائها الذكوري وتكييفها بالطريقة التي تتلاءم وشروط بقاء النظام البطريركي الذكوري المهيمن، والذي بدأت أركانه تهتز من حين إلى آخر فالسنوات الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: في عيد المرأة.. "على هذه الأرض ما يستحق المساواة"

وكي لا تكون الصورة قاتمة، فإن الاحتفال بـ"اليوم العالمي للمرأة" هذا العام يحمل في طياته بذورًا أولى لبوادر تغيير مازال طريقه طويلًا وشاقًا، سواء كان في العالم أو في تونس. ويمكن في هذا الإطار، الإشارة إلى بروز عدة تحركات ساهمت في هز كيان الهيمنة الذكورية، لعلّ أبرزها حملة "أنا زادة" التي فتحت الباب، لا أمام النساء فقط، بل أيضًا أمام الرجال والكوير ومختلف المنتمين لمجتمع الميم، للحديث عن الانتهاكات والاعتداءات التي طالتهم، فكسرت – ولو جزئيًا – حاجز الصمت الذي يشد على خناق ضحايا الاعتداءات الجنسية، وفتحت نافذة أمام شهادات قضّت مضجع مجتمع تعوّد على إلزام ضحية التحرش أو الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي بالتزام الصمت، تجنبًا لما يعتبره "عارًا" و"فضيحة" ستلاحق عائلة الضحية.

ولا يفوتنا الحديث أيضًا عن حملة "فلقطنا" التي أبصرت النور مؤخرًا، والتي تعمل المشرفات عليها بجهدهن الخاص من أجل التحرك ميدانيًا للدفاع عن المرأة وقضايا والصراخ في وجه المتحرش والمعتدي والمغتصب، وتحدي العادات والقوانين البالية التي تستهدف المرأة ومكانتها.

ولئن كان تخصيص مساحة آمنة لضحايا الاعتداءات الجنسية للحديث عن تجاربهن مسألة هامة وضرورية، ولا يمكن التغاضي عنها أو تغافلها في مسار تحرير المرأة، إلا أنها خطوة بسيطة في طريق تشوبه صعوبات ومشقات لا تحصى ولا تعدّ. ولعلّ السؤال الذي يراود المرء فور سماعه قصص الضحايا هو "ماذا بعد؟".

ماذا يجب أن نفعل كي نضع حدًا لكل هذه التجاوزات والانتهاكات التي لا تفرّق بين طفلة صغيرة وامرأة راشدة؟ كيف يمكن أن نحمي المرأة والطفل/ة من أي اعتداء محتمل ومن انعكاسات سلبية سيخلّفها التعامل السلبي للمجتمع الذكوري بطبعه، مع الضحايا؟ كيف نغيّر العقلية السائدة والمهيمنة في المجتمع، والتي ستجد ألف عذر للمتحرش أو للمعتدي أو المغتصب، معتمدة على تأويلات دينية أو معتقدات واهية تبيح للذكر ما تمنعه على غيره، في الوقت الذي تحمل فيه الضحية عبء الجريمة كاملة دون رحمة؟

"حقوق المرأة هي حقوق الإنسان، وحقوق الإنسان هي حقوق المرأة"

كل هذه المسائل وغيرها تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى تبدأ أولًا – أقله في تونس – بتطبيق قانون مناهضة العنف ضد المرأة وتوفير الآليات الكفيلة بذلك، وتسخير طاقات كل الأطراف المعنية من وزارات ومحاكم وقضاة وأمنيين وأطباء نفسيين.

ولا يمكن أن نغفل أيضًا أهمية إحداث تغيير جذري في الثقافة الذكورية المهيمنة، وخلق كسر في جدارها المتجلّد، وذلك لن يكون إلا باعتماد منهج تربوي جديد يكرّس مفاهيم المواطنة واحترام حقوق الإنسان الكونية واحترام الآخر المختلف، ويؤكد المساواة بين جميع الأفراد مهما كانت انتماءاتهم الجنسية والعرقية والفكرية..

هذا المسار الطويل يحتاج أيضًا اهتمامًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، فالمرأة التي تتفوق في الدراسة، وفي جميع المجالات، تجد نفسها عرضة للبطالة بنسبة أكبر من نسب الرجال، وهي إن وجدت عملًا عليها أن تعمل ساعات مضاعفة لتثبت أهليتها مقابل أجر يقلّ بحوالي 25 في المائة عن ذلك الذي يتقاضاه الرجل، فضلًا عن وضعية النساء العاملات في قطاع الفلاحة، والتي ما تزال، رغم كثرة الوعود، هشة، دون أي تغيير يضمن حقوقهن ويضمن لهن الحد الأدنى من الكرامة، أو حتى حقهن في نصف الإرث.

كلّ هذه الإجراءات تحتاج أولًا إلى إرادة سياسية غائبة عن واقعنا للأسف، في ظل تغييب قسري للنساء عن المناصب العليا في الدولة، وذر الرماد على العيون بتسويات لا ترتقي إلى مستوى الكفاءات التي تتمتع بها النساء والتي تمكنها من القيادة وإحداث التغيير الفعلي الذي تتوق إليه البلاد.

لا بدّ أن يدرك قادة الأحزاب والمسؤولون في الدولة، ومعهم المجتمع التونسي، أن البلاد التونسية لن تنهض من كبوتها إلا إذا نهضت بأوضاع نسائها، وتوفير كامل حقوقهن وضمان تساويهن المطلق مع الرجل، فـ"حقوق المرأة هي حقوق الإنسان، وحقوق الإنسان هي حقوق المرأة"، كما قالت المرشحة الأمريكية السابقة للانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون في أحد خطاباتها ذات 1995. 

أما ما يمكن أن يقوم به الرجال في هذا اليوم فعلًا هو أن يساندوا كل القضايا التي تدافع عنها المرأة، أن ينظروا إليها كإنسان أولًا وأخيرًا، أن يدافعوا عن حقها في أجر يساوي أجرهم وإرث يتقاسمونه بالتساوي، أن يرفضوا المتحرشين والمعتدين الجنسيين ويجرموهم، عوض الاكتفاء بالقول "ليس كل الرجال متحرشين" أو "ليس كل الرجال مغتصبين"، والتوقف عن لوم الضحية، والإيمان بضرورة عدم القبول بأي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة. فالمرأة لا تحتاج إلى ورود بل إلى استعادة حقوقها المهضومة باسم الذكورية.

مما لا شك فيه أن القول إن هذه التغييرات قد تحدث خلال السنوات المقبلة لا يعدو أن يكون ضربًا من الطوباوية، إلا أن ذلك يعني أن نبقى مكتوفي الأيدي في انتظار انبلاج فجر التغيير، علينا أن نتحمل مسؤولياتنا رجالًا ونساء، ونعمل على إحداث خرق في جدار الذكورية، ونتوقف عن الاحتفالات الفلكلورية بعيد المرأة، ونبدأ التحرك ميدانيًا كي نكسر المنظومة الذكورية البطريركية.

هذا التحرك لن يكون بعيدًا، فمن المقرّر أن تنظم النساء في العالم إضرابًا يوم 8 مارس/ آذار 2020، تحت شعار "عندما تضرب النساء.. يتوقف العالم"، علّه يكون رجّة أولى في كيان نظام الاستبداد الذكوري الذي يسيطر على مفاصل الكون ويشد خناق نسائه، وبالتالي كلّ أبنائه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن السينما التونسية وملاحم الذاكرة الوطنية

في الحاجة إلى النسوية الراديكالية..