فيسبوك وانتخابات 2019: هل حان وقت دق ناقوس الخطر؟

فيسبوك وانتخابات 2019: هل حان وقت دق ناقوس الخطر؟

هل الديمقراطية التونسية عاجزة عن حماية نفسها؟ (Getty)

 

أثارت موجة مناصرة عبد الكريم الزبيدي للترشح للانتخابات الرئاسية في موقع فيسبوك ونفي الوزير نفسه لامتلاكه صفحة خاصّة به ثم حملات الإساءة إليه التي يتعرض إليها أيضًا العديد من المرشحين الآخرين، الأسئلة ذاتها التي طرحناها في مقالات سابقة  حول الموارد التي يمكن أن يوفّرها فيسبوك للمتلاعبين بالديمقراطية التونسية وإلى كلّ الذين يسعون إلى التأثير بشكل ماكر على إرادة الناخبين وعلى نوايا تصويتهم.

يوفر فيسبوك موارد للمتلاعبين بالديمقراطية التونسية وإلى كلّ الذين يسعون إلى التأثير بشكل ماكر على إرادة الناخبين وعلى نوايا تصويتهم

اقرأ/ي أيضًا: "كيف سننتخب؟": كيف يهدّد الفيسبوك مسار انتخابات 2019 في تونس؟ (4/3)

لقد حان الوقت لطرح هذا السؤال الضروري التالي: هل يمكن التصدّي فعلًا لهذه الحملات؟ وكيف يمكن تأمين المسار الانتخابي؟ وما العمل والحال أن الفايسبوك أصبح مجالًا حيويًا بالنسبة إلى الفاعلين السياسيين كآلية من آليات التنافس السياسي على السلطة بالنسبة إليهم ومجالًا لكل أنواع الحملات الدعائية لصالح هذا المرشح أو ذاك أو للقدح في الخصوم السياسيين وتشويههم؟

لا بد من التمييز أولًا في هذا الإطار بين نوعين من المضامين السياسية على فيسبوك: المضامين معلومة المصدر التي تندرج في إطار الاتصال أو التسويق السياسي، ومضامين أخرى مجهولة المصدر تندرج في إطار الدعاية.

حملات الإشهار السياسي في فيسبوك ممنوعة في الفترة الانتخابية

أولًا: يمكن أن نشير إلى الصفحات المعتمدة للأحزاب أو للشخصيات السياسية وهذه الصفحات هي في كثير من الأحيان معتمدة من طرف فيسبوك نفسه، ويشار إليها بعلامة زرقاء تؤكد أصالة الصفحة أي أنها على ملك شخصية أو حزب سياسي. وهذه العلامة الزرقاء ترفع كل مسؤولية عن الشخصية أو الحزب السياسي إذا انتحلت جهات أخرى هويته الرقمية (عند إنشاء صفحات باسمه مثلًا). ويوفر "فيسبوك"، بشكل عام، موارد عديدة للسياسيين لاستخدامها في الاتصال السياسي.

وهذه الصفحات معلومة الهوية هي مجانية لا تحتاج إلى تمويل ما لإنشائها ولكنها تحتاج إلى موارد لإدارتها بشكل مهني، لكن لا يمكن اعتبار هذه الصفحات إشهارًا سياسيًا لأنها دائمة ومتواصلة كما لا يمكن للهيئة العليا المستقلة للانتخابات أن تطلب حجبها في الفترات الانتخابية بتعلة أنها إشهارًا سياسيًا.

يمنع القانون الانتخابي الإشهار السياسي بما يشمل صفحات الأحزاب والمرشحين الذين يستخدمون الإشهار مدفوع الثمن على فيسبوك

ثانيًا: تلجأ هذه الصفحات أحيانًا إلى آلية الإشهار للتعريف بنفسها للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المواطنين خاصة وأن فيسبوك عادة ما يقلّل من فرص الظهور لهذه النوع من الصفحات لإجبارها على اعتماد آلية الإشهار المدفوع الثمن. ولكن عندما تُدفع الأموال للحصول على جمهور أكبر للصفحة ومضامينها، تصبح الشخصية أو الحزب السياسي عندئذ تمارس الإشهار السياسي.

ويبدو أن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ستمارس رقابة صارمة على المرشحين الذين يستخدمون الإشهار المدفوع الثمن لصفحاتهم على فيسبوك لأن القانون الانتخابي في فصله 57 يمنع الإشهار السياسي خلال الفترة الانتخابية مهما كان المحمل.

اقرأ/ي أيضًا: بسام معطر (عتيد): سنراقب "فيسبوك" خلال الانتخابات واتحاد الشغل يناور (حوار)

والإشهار السياسي، كما يعرفه القانون الانتخابي، هو كل "عملية إشهار تعتمد أساليب وتقنيات التسويق التجاري، موجهة للعموم، وتهدف إلى الترويج لشخص أو لموقف أو لبرنامج أو لحزب سياسي، بغـرض استمالة الناخبين بغرض التأثير في سلوكهم واختياراتهم عبر وسائل الإعـلام السمعي أو المكتوبة أو الإلكتروني أو عبـر وسائط إشهارية ثابتة أو متنقلة، مركـزة بالأماكن أو الوسائل العمومي أو الخاصة".

ومن هذا المنظور، إن الحملات الإشهارية المدفوعة الثمن (Sponsorisé) للتعريف بصفحات الأحزاب والشخصيات السياسية، أي تلك الصادرة عن المرشحين أنفسهم عبر الصفحات المعتمدة (أو الرسمية)، تعرض أصحابها لعقوبات وفق القانون الانتخابي.

الدعاية ليست الاتصال السياسي!

بالتوازي مع وجود هذه الصفحات المعتمدة للشخصيات والأحزاب السياسية التي يعاقب عليها القانون الانتخابي إذا ما قامت بعمليات للترويج إلى نفسها بالاعتماد على آلية الإشهار المدفوعة الثمن في الفترة الانتخابية، نرى في فيسبوك باستمرار حملات دعائية مناصرة أو مناشدة بعضها مدفوعة الثمن (sponsorisé) التي تقوم بها قوى سياسية غير معلومة الهوية عبر صفحات لا يعرف مصدرها لفائدة بعض المرشحين على غرار ما حصل مع عبد الكريم الزبيدي أو لشخصيات سياسية أخرى.

وتكاثرت في الآونة الأخيرة الحملات المضادة مدفوعة الثمن تقوم بها قوى سياسية عبر صفحات مجهولة المصدر للإساءة إلى بعض المترشحين إما عن طريق تدوينات أو عن طريق استعادة مقالات صادرة في مواقع إلكترونية معروفة أو مواقع إخبارية غير مهنية وغير معروفة تحدث خصيصًا أحيانًا لنشر هذه المقالات المسيئة ولإضفاء جدية عليها.

 تعتمد الدعاية على طرق رذيلة تقوم على الكذب والثلب والشتيمة والكراهية وتحقير المنافس بكل الوسائل ووصمه ونعته بأقذر النعوت وتشويه الحقائق والتلاعب بالصور والفيديوهات

ولا يمكن إدراج هذه الحملات المناصرة أو المضادة في إطار الاتصال السياسي أو التسويق السياسي وتقنياته لأنها تعتمد على أساليب ماكرة خبيثة للتأثير بشكل مخاتل على نوايا التصويت.

والدعاية هنا بمعنى "Propaganda" تتمثل في نوع التأثير الماكر غير الشفاف الذي يقوم على التلاعب بآراء الناس والتأثير عليهم بطرق غير نزيهة بما في ذلك الكذب واختلاق الوقائع. ولبيان هذا الفرق الكبير بين الاتصال السياسي والدعاية، يمكن أن نشير فقط إلى أن الاتصال السياسي يدرّس في الجامعات ويمثّل اختصاصًا أكاديميًا تقتضي ممارسته اكتساب مفاهيمه النظرية ومناهجه، كما علينا أن نعلم أن ممارسي الاتصال السياسي ملتزمون ككل ممارسي الاتصال بأخلاق مهنية تمنعهم من ارتكاب تصرفات مشينة كالكذب أو الثلب.

أما الدعاية، فهي لا تُدرّس لأنها بكل بساطة تعتمد على طرق رذيلة تقوم على الكذب والثلب والشتيمة والكراهية وتحقير المنافس بكل الوسائل ووصمه ونعته بأقذر النعوت وتشويه الحقائق والتلاعب بالصور والفيديوهات. وعلى عكس الاتصال السياسي الذي يسعى إلى الٌإقناع عبر الحجج وأسلوب الاستمالة العاطفية باستخدام التقنيات الإخراجية البارعة، فإن الدعاية هي عملية مخاتلة وماكرة يتستر فيها المصدر عن هويته.

هل الدعاية الماكرة على فيسبوك شر لا قدرة لنا على صده؟

تتكاثر منذ أسابيع، إضافة إلى مضامين الاتصال السياسي، الحملات الدعائية لصالح مرشحين بعينهم أو للتشهير بمرشحين آخرين أي بتعبير آخر الدعاية الرخيصة ضد الخصوص السياسيين. والواضح أن كل السياسيين يتعرضون إلى هذه الحملات الدعائية ممّا قد يؤشر إلى تمثلات السياسيين للمنافسة السياسية والحال أننا نعيش في بيئة ديمقراطية تكون فيها إمكانات التنافس النزيه متاحة للجميع. 

كما علينا أن نلاحظ أيضًا أن السياسيين يشتكون كلهم من هذه الحملات بما في ذلك الذين قد توجه إليهم أحيانًا أصابع الاتهام، هم يعبرون أحيانًا عن تنديدهم بهذه الحملات وامتعاضهم منها لكن في المقابل لا يفعلون شيئا لوقف هذه الحملات، فلم نسمع مثلًا عمّن تقدم بشكوى للقضاء لمعاقبة من يقوم بهذه الحملات. 

ماذا يمكن أن نفعل لتنقية البيئة الانتخابية من الدعاية الماكرة؟

السؤال الآن: ماذا يمكن أن تفعل المؤسّسات التي من دورها الأساسي ضمان نزاهة المسار الانتخابي مثل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ضد هذه الدعاية الماكرة؟ يأتي هذا السؤال خاصة وأن الفاعلين السياسيين لا يفعلون شيئًا للتصدي لهذه الممارسات.

تبدو الإجابة البديهية للوهلة الأولى "لا شيء"، أليس فيسبوك مجالًا لانعدام نفوذ الدولة التونسية عليه إذ تديره شركة أمريكية لا يمكن إجبارها على التعاون مع السلطات التونسية؟ وعليه هكذا تبدو الدعاية السياسية في فيسبوك وكأنها شر لا مناص منه ولا حول لنا ولا قوة إزاءه.

ماذا يمكن أن تفعل المؤسّسات التي من دورها الأساسي ضمان نزاهة المسار الانتخابي مثل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ضد هذه الدعاية الماكرة؟

ولكن لا تستقيم هذه الحجة بالنظر إلى التجارب العالمية ولنا في الانتخابات الأوروبية الأخيرة خير دليل على ذلك. إذ خصّت مؤسسة فيسبوك هذه الانتخابات بفريق متخصّص قام قبل الانتخابات بتشخيص دقيق للمخاطر التي يمكن أن تهددها، ويتكوّن هذا الفريق من 100 شخص من عديد الاختصاصات على غرار مكافحة الجوسسة، والأمن المعلوماتي والصحافة.

اقرأ/ي أيضًا: المفارقة التونسية: هل الصحفيون التونسيون أحرار حقًا؟

وانصبت جهود هذا الفريق على خطرين أساسين: أولهما الهجمات الإلكترونية من جهة أولى (Cyber attaques)، وثانيهما ما تسميه فيسبوك "العمليات المتصلة بالأخبار والمعلومات". وفي هذا الإطار بالذات، يتمثل الخطر الأساسي في الصفحات مجهولة المصدر والهوية، أي غير معلومة الجهات التي تقف وراء الحملة وتحديدًا الجهات الأجنبية. وحسب تصريحات لمسؤولي فيسبوك، في علاقة بالفريق المخصص لمتابعة الانتخابات الأوروبية، إن رهان الشركة هو الشفافية، ولذلك وضعت مكتبة خاصة بكل الحملات الإشهارية يمكن البحث فيها عن الحملات الإشهارية للصفحات.

من المسؤول عن وقف الدعاية الماكرة التي تهدد المسار الانتخابي؟

خلاصة القول إن الحملات التي تقوم بها الشخصيات السياسية لتعزيز جمهور صفحاتها أو لنشر مضامينها السياسية بواسطة التقنيات الإشهارية لفيسبوك لا يمكن أن تشكل، في النهاية، خطرًا كبيرًا مادامت معلومة المصدر، ومادامت الهيئة المستقلة للانتخابات قد أعلنت أنها ستتخذ إجراءات ضد المترشحين الذين سيمارسون الإشهار السياسي المدفوع الثمن (Sponsorisation).

لكن ما يجب أن يخيفنا هي تلك العشرات من الصفحات التي لا نعلم مصدرها، والتي تقود حملات مدفوعة الثمن لتشويه الخصوم السياسيين بأقذر الأساليب. من يقف وراء هذه الصفحات؟ هل هم المترشحون للانتخابات الرئاسية مثلًا وهو ما يمثل مؤشرًا خطرًا على ثقافة من يتنافسون على حكم البلاد؟ أم أن هناك جهات خارجية تسعى إلى التدخل في الشأن الوطني عبر هذه الأساليب المخاتلة والخطيرة؟

ما يجب أن يخيفنا هي الصفحات غير معلومة المصدر على فيسبوك التي تقود حملات مدفوعة الثمن لتشويه الخصوم السياسيين بأقذر الأساليب 

وكان قد أقر فيسبوك، في ماي/آيار الماضي، أن حملة تديرها جهات أجنبية بواسطة شركة إسرائيلية كانت تستهدف الانتخابات في عدة دول أفريقية منها تونس. وفي المقابل، لا شيء يدل على تحرك السلطات للتحقيق في هذا الموضوع خاصة وأن إشارات مبطنة لفرضية تمويل بعض المرشحين للانتخابات الرئاسية لهذه الحملة. ويأتي السؤال: لماذا لم يتحرك القضاء في هذه الحالة لفتح تحقيق جدّي قد يفضي إلى معلومات مفيدة للرأي العام؟ ثم أن المرشح الرئاسي ووزير الدفاع المستقيل عبد الكريم الزبيدي نفسه أشار، في تصريح فور تقديم ترشحه، إلى أنه يتعرض إلى حملة (في إشارة للحملة على فيسبوك) "تُستعمل فيها إمكانيات الدولة" وفق قوله.

لماذا لم تتحرك الهيئة المستقلة للانتخابات للبحث مع شركة فيسبوك عن حلول ما لهذه الظاهرة الخطيرة خاصة وأن المثال الأوروبي المذكور يبيّن أن الشركة يمكن أن تتعاون مع السلطات العمومية للحدّ من طغيان هذه الصفحات؟ فلا شك أن فيسبوك سيتعاون مع هيئة الانتخابات إذا عُرض الأمر على أنه ضروري لحماية الديمقراطية التونسية الناشئة، خاصة وأن شركة فايسبوك تقوم باستمرار بحذف صفحات كلما تأكد لديها أنها تعمل في أطر مشبوهة.

لماذا يسلم الجميع بوجود الحملات الدعائية الماكرة وكأنها قدر محتوم على الديمقراطية التونسية وكأن علينا أن نتعايش معها كمرض مزمن لا علاج له؟

أليس حماية الاتخابات الرئاسية من خطر التلاعب بها بهذه الطريقة جزء من حماية السيادة الوطنية، وهو الأمر نفسه الذي استدعى تحقيق الكونغرس الأمريكي والسلطات القضائية الأمريكية بخصوص حملات دعائية كانت تعمل لصالح فوز دونالد ترمب عام 2016؟ ثم لماذا لا تهتم منظمات المجتمع المدني بهذه الظاهرة الخطيرة وكأنها شر لا دواء له؟ لماذا لا نرى مثلًا حملات لتنبيه الناخبين من خطورة هذه الحملات على نزاهة المسار الانتخابي؟

لماذا يسلم الجميع بوجود هذه الحملات الدعائية الماكرة وكأنها قدر محتوم على الديمقراطية التونسية وكأن علينا أن نتعايش معها كمرض مزمن لا علاج له؟ لماذا لا نفعل شيئًا ونحن نرى قوى لا حصر لها تعمل بلا رقيب على إفساد المسار الانتخابي؟ هل الديمقراطية التونسية عاجزة على حماية نفسها حتى يكاد يتحول فيها المسار الانتخابي إلى مسرح لكل أنواع الممارسات المشينة أخلاقيًا وإنسانيًا وسياسيًا، ممارسات تحول السياسة إلى لعبة قذرة والسياسيين إلى أشرار؟  

 

اقرأ/ي أيضًا:

في الحكم "التيلوقراطي" الجديد.. التلفزيون (2/1)

في الحكم "التيلوقراطي" الجديد.. "عيش تونسي" أو "نهاية" السياسة (2/2)