"كيف سننتخب؟": في نزاهة المسار الانتخابي (4/1)

هل الميديا يمكن أن تهدّد نزاهة انتخابات 2019 في تونس؟ (صورة أرشيفية/الشاذلي بن ابراهيم/Getty)

 

هل ستصنع الميديا، والتلفزيون على وجه الخصوص، نتائج الانتخابات المقبلة؟ وهل تمثّل استطلاعات الرأي عاملًا مؤثرًا في توجيه نوايا التصويت؟ وهل أن الإشهار السياسي وحملات الدعاية والتضليل في فيسبوك يمكن أن توجّه الناخبين؟

تعكس هذه الأسئلة بعضًا من الهواجس التي يمكن أن تشغل التونسيين ونحن نقبل على سنة انتخابية ذات أهمية بالغة في سياق ملل التونسيين من السياسة وعزوفهم عن الشأن العام وامتناع قطاعات متعاظمة منهم عن التصويت.

إن غاية هذه السلسة من المقالات التفسيرية هي التدقيق فيما إذا كانت الميديا واستطلاعات الرأي والفيسبوك يمكن أن تهدد حقّا نزاهة الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟ ووفق أية أشكال؟ وكيف يمكن التصدي لهذه المخاطر الممكنة؟ فقيمة الديمقراطية لا تقاس بنزاهة الانتخابات يوم عملية الاقتراع فقط لأنها عندئذ تصبح ديمقراطية شكلية بل إن هذه القيمة تقاس بكامل المسار الذي يفضي إلى يوم الاقتراع، خاصة وأن بعض التونسيين يعتقدون أن هناك "غرف عمليات مظلمة" وقوى متحالفة (المال، الميديا والصحافة ومكاتب استطلاعات الرأي...) تعمل في الخفاء لصناعة الانتخابات، فيما يرى البعض الآخر أن "الشعب" يفوض سلطته لأعدائه فيما يشبه ما يسمّى بـ"العبودية الإرادية".

لا تُقاس قيمة الديمقراطية بنزاهة الانتخابات يوم عملية الاقتراع فقط لأنها عندئذ تصبح ديمقراطية شكلية بل إن هذه القيمة تُقاس بكامل المسار الذي يفضي إلى يوم الاقتراع

تنتشر هذه المعتقدات لدى قطاعات من التونسيين، بما في ذلك بعض النخب، وقد تفسّر إعراض بعضهم عن الاقتراع معتقدين أن نتائجها جاهزة سلفًا وأن الحياة السياسية تحكمها كواليس لا نراها تتآمر باستمرار على إرادة الشعب بطرق ماكرة لتزييف إرادته.

إن المتأمل في مثل هذه الخطابات التآمرية ينتهي إلى أن الجميع يعتقد أن القوى السياسية والأيديولوجية التي يناهضها هي التي تتحكم في نتائج الانتخابات التي تكاد تصبح من هذا المنظور عملية شكلية. 

إن لهذه الهواجس أهمية كبرى بالنظر إلى دلالة الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة بالنسبة لمسار الانتقال الديمقراطي التي لا تقلّ أهمّية عن الانتخابات التي سبقتها، بما في ذلك انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. فهذه الانتخابات ستكون الرابعة بعد انتخابات المجلس التأسيسي 2011 والانتخابات التشريعية والرئاسية لعام 2014 والانتخابات البلدية لعام 2018. وبتعبير آخر فإن نجاح الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة، التي يجب أن تقاس أولًا بنسبة التسجيل والإقبال على الاقتراع، ستكون مؤشّرًا جيّدًا على أن المواطنين والنخب السياسية قد استبطنوا القواعد الديمقراطية باعتبارها القواعد الشرعية الوحيدة الممكنة للتنافس على السلطة وإدارتها، لأن نجاح الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يختزل في إقامة المؤسّسات فحسب ولكن يجب أن يشمل كذلك استبطان الثقافة السياسية الديمقراطية.

اقرأ/ي أيضًا: هل تتلاعب مؤسسات سبر الآراء بالرأي العام التونسي؟

في مفارقات الديمقراطية التونسية

إن تونس، من هذا المنظور، هي الدولة الوحيدة في العالم العربي التي أصبح فيها التنافس على السلطة يُدار بطريقة سلمية حتى أنه يمكن القول إن تونس هي الحالة الوحيدة في العالم العربي التي فقدت فيها السلطة قداستها حتى أصبحت وعاءً فارغًا (Un lieu vide) حسب توصيف  الفيلسوف الفرنسي كلود لوفور (Claude Lefort)  للسلطة في الديمقراطية، على عكس الدول العربية الأخرى التي لا تزال فيها السلطة حكرًا على فئة معينة تتوارثها (الملكية) أو تحتكرها وتديرها بطريقة قهرية (عسكرية) أو تتجسد في رمز مقدس (زعيم، ملك إلخ).

تونس هي الحالة الوحيدة في العالم العربي التي فقدت فيها السلطة قداستها حتى أصبحت وعاءً فارغًا

لقد أصبحت السلطة في تونس بما في ذلك الرئاسة (نظريًا على الأقل) مطمح كل المواطنين إذا أرادوا ذلك. ولعلّ بعض الترشّحات "الفلكلورية" هي مؤشر جيّد على أن السلطة السياسية، كما في كل الديمقراطيات، لم تعد موعودة لأفراد استثنائيين.

ولعلّ هذا التحوّل في طبيعة السلطة السياسية وفي طبيعة إدارة المجتمع لنفسه عبر استبعاد العنف يمثل بعدًا من أبعاد التحديث السياسي الذي يتمثّل في ابتكار المواطنين للقواعد التي تسيّر حياتهم الجماعية في المدينة. كما يمكن أن يفسّر هذا التحول التصنيف الذي تحظى به تونس باعتبارها ديمقراطية "غير مكتملة" في مؤشّر الديمقراطية الذي تصدره مؤسسة "الأيكونوميست" (The Economist) الذي يعتمد على  مؤشرات كالمسار الانتخابي والتعددية والمشاركة السياسية والحريات المدنية، في حين أن باقي الدول العربية مصنفة كأنظمة سياسية هجينة أو كأنظمة سلطوية.

تظهر تونس الدولة الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي

لكن كل هذه المؤشرات الثقافية المتصلة بالتحديث السياسي أو السياسة المتصلة بالديمقراطية الإجرائية لا تجعل من الديمقراطية التونسية ديمقراطية مثالية أو نموذجية. فهي ديمقراطية عليلة، مصابة بعدة أمراض أهمها العزوف عن الشأن السياسي الذي يتجسد في العزوف عن التسجيل في القائمات الانتخابية والامتناع عن التصويت كما تؤكد ذلك نتائج الانتخابات منذ 2014 وكذلك نتائج الانتخابات البلدية (66.3 في المائة من المسجلين امتنعوا عن التصويت) وتنامي عدم الثقة في الطبقة السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: الأخبار الكاذبة Fake News.. خطر يهدّد انتخابات 2019

وعلى هذا النحو فإن الإشكالية الأساسية التي تواجهها الديمقراطية التونسية الناشئة تحيل على مفارقة طريفة: فمن جهة أول سياق سياسي ومؤسّسي يؤمّن إمكانات الانتخابات الديمقراطية النزيهة والمستقلّة بل وانخراط المواطنين في الشأن العام، ومن جهة أخرى عزوف المواطنين عن الانتخابات وعن المشاركة السياسية.

لماذا يجب أن ننشغل بنزاهة المسار الانتخابي؟

تمثل الانتخابات في الديمقراطيات التمثيلية الآلية الأساسية لتنظيم الحياة السياسية على أساس التنافس السلمي على السلطة. فالديمقراطية التمثيلية تقوم على مبدأ انتخاب المواطنين لممثليهم الذين يسيّرون باسمهم ونيابة عنهم شؤون المدينة.

وعلى هذا النحو، فإن المواطنين يعبرون عن إرادتهم يوم الانتخابات بالتصويت لهذا الحزب في الانتخابات التشريعية أو ذاك أو لهذا المرشح أو ذاك في الانتخابات الرئاسية. ويفترض النظام الديمقراطي أن المواطنين يعبرون عن هذه الإرادة بكل حرية واستقلالية مما يستوجب الخلوة التي تعني أن التصويت هو أولًا عملية فردية لا دخل لتأثيرات الآخرين فيها وكأنها تجسيد للمبدأ الذي عرّف به إيمانويل كانط "الأنوار" (Les  Lumières) باعتبارها تعني سيادة الإنسان على نفسه وتحرره من أية وصاية كانت أو أي نوع من التسيير الخارجي.

إرادة المواطنين الحرّة لا تتشكل يوم الانتخابات بل هي نتاج مسار طويل

تفترض الديمقراطية أن الناخب مواطن راشد لا يحتاج إلى شخص أو هيئة خارجية تملي عليه ما يجب أن يفعله وما يجب التفكير فيه وما يجب أن يريد لأنه ناخب عقلاني يقارن بين برامج المترشحين إلى الانتخابات.    

في المقابل، فإن إرادة المواطنين الحرّة لا تتشكل يوم الانتخابات بل هي نتاج مسار طويل. فالانتخابات النزيهة لا تعني فقط أنها لم تشهد عمليات تزوير يوم الاقتراع مما يفسر الحماية والمراقبة التي يحظى بها مركز الاقتراع يوم الانتخابات. 

إن عملية تزوير الانتخابات لا يمكن أن تحصل سوى في الأنظمة السلطوية التي تضع منظومة متكاملة للحصول على النتائج التي ترغب فيها. أما في الديمقراطية فإن هذا الأمر صعب جدًا. وعلى هذا النحو، فإن عملية تزييف إرادة المواطنين في الديمقراطية تتعلق أساسًا بالتأثير على مسار تشكل إرادتهم التي تعبر عن نفسها يوم الاقتراع. هكذا تستبدل "العصا" والآليات العقابية والقسرية التي تستخدم في الأنظمة السلطوية بتقنيات التأثير (Influence) المتعددة والمتنوعة  لتوجيه  المسار الطويل الذي يؤدي إلى التعبير عن إرادة المواطنين يوم الاقتراع.

عملية تزييف إرادة المواطنين في الديمقراطية تتعلق أساسًا بالتأثير على مسار تشكل إرادتهم التي تعبر عن نفسها يوم الاقتراع

إن موضوع هذه السلسة من المقالات هو نوع مخصوص من الأساليب الممكنة للتأثير المستتر في إرادة الناخبين وليس تقنيات الاتصال المستخدمة في الحملات الانتخابية التي هي مشروعة عندما تحترم الضوابط القانونية والأخلاقية لأنها يمكن أن تكون ضرورية على نحو ما لأن المترشح في الأنظمة الديمقراطية الجماهيرية التمثيلية يحتاج إلى التواصل مع الناخبين وإيصال برامجه. وقد خضع هذا النوع من الاتصال في الدول الديمقراطية إلى تنظيم صارم خاصة في مستوى شفافية التمويل. وقد تضمن القانون الانتخابي في تونس عدة أحكام، وتحديدًا الفصول من 57 إلى 74، المتصلة بالإشهار السياسي وبتنظيم الاتصال في الحملة الانتخابية.

إن ما  يجب أن ينشغل به المواطنون في الديمقراطية هو: هل (وأيضًا كيف) يمكن أن تتحول الصحافة والميديا بشكل عام، بما أنهما مصدرًا لاستقاء الأخبار والنقاش العام في المسائل العامة ووسيطًا بين النخب السياسية والمواطنين، والميديا الاجتماعية واستطلاعات الرأي التي تقدم على أنها "مرآة للرأي العام" إلى آليات لتزييف إرادة المواطنين باستخدام طرق ماكرة وخفية خاصة وأن تفكيك المنظومة القديمة للسيطرة على الحياة السياسية نتج عنه في المقابل ظهور أشكال جديدة مستترة من السيطرة على الميديا والصحافة  ومن التضليل في الميديا الاجتماعية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العتبة الانتخابية.. لعبة الأحزاب وسلاح ذو حدين (2/1)

العتبة الانتخابية.. لعبة الأحزاب وسلاح ذو حدين (2/2)