فوزية الشرفي: نعيش إسلام المظاهر.. والإسلام دين تونس وليس دين الدولة (حوار)

فوزية الشرفي: نعيش إسلام المظاهر.. والإسلام دين تونس وليس دين الدولة (حوار)

قالت فوزية الشرفي إننا نعيش إسلام المظاهر لا الإسلام الروحي

 

تحدّث "ألترا تونس" مع الأستاذة الجامعية في الفيزياء والمناضلة السياسية فوزية الشرفي في عدة مواضيع تجاوزت السياسي الآني المتعلق بالانتخابات ونتائجها لتشمل أولويات مؤجلة ينبغي طرحها للنهوض بالمجتمع التونسي والدولة التونسية.

وفي الجزء الثاني والأخير من هذا الحوار، تطرّقت فوزية الشرفي إلى إصلاح المنظومة التربوية والتعليم العالي مرورًا بالإصلاح الديني وعلاقة الدين بالدولة.

وفيما يلي نصّ الحوار.

اقرأ/ي أيضًا: فوزية الشرفي: الدولة ليست "السيستام" والإسلام السياسي يهدد المجتمع (حوار)

  • لا يمكن الحديث عن إصلاح جوهري للمجتمع دون إصلاح النظام التربوي، ما هي المحاور التي ينبغي أن يشملها هذا الإصلاح؟

أولًا عندما يدخل الطفل المدرسة يجب تمكينه من الثقة في نفسه، لا كسره، وفتح أبواب العلم والثقافة أمامه إلى جانب تكوين الفكر النقدي لديه كي يتعلّم الطفل كيفية التفكير في ما إذا كان ما يقرأه صحيحًا أو خاطئًا. نحن بلد صغير ويجب أن نعلّم الأطفال أيضًا كيف يدافعون عن أنفسهم وماذا يستطيع أن يفعل وكيف يمكن أن يصل إلى مبتغاه. هذا هو الأساس وهو يأتي قبل البرامج.

كذلك فيما يتعلّق بمسألة الهوية العربية الإسلامية، نحن تونسيون قبل أي شي والإسلام في بلادنا موجود في كلّ مكان ولا حاجة لنا لأن نقول للطفل أنت مسلم. أنا أريد فتح أبواب الشك لدى الطفل.

فوزية الشرفي لـ"ألترا تونس": الطفل يجب أن يطّلع على تاريخ العالم لا تاريخ البلاد التونسية فقط إلى جانب تاريخ العلوم

أما عن الكيفية، فالمدرّسون يجب أن يقع تكوينهم وتدريبهم على استعمال آليات جديدة. وبالنسبة للمواد، التاريخ مهم جدًا بالنسبة لي. الطفل يجب أن يطّلع على تاريخ العالم لا تاريخ البلاد التونسية فقط، إلى جانب تاريخ العلوم، كيف جاءت هذه العلوم والصعوبات التي واجهها أصحابها من العلماء مثل غاليله.

الفلسفة أيضًا يجب أن يبدأ التلميذ بدراستها قبل سنة الباكالوريا. أيضًا بالنسبة للعلوم لا أريده عندما يتخصص في هذا المجال أن يدرس العلوم فقط بل ينبغي أن يتعلم كيفية الدخول في طريق علمي ويعرف ما هي الطريقة العلمية. نحن نركز على البرنامج والحفظ فقط.

هناك مسألة هامة أيضًا وهي عندما تقوم بتقييم التلميذ، كيف ستقيّمه وعلى ماذا يستند تقييم الأطفال؟ لا يجب أن يقيّم التلميذ على أساس ما يعرفه بل كيفية الوصول إلى المعرفة، حتى كلمة "تقييم" الطفل لا تعجبني فالمسألة ليست ميزانًا نقيس به قيمة التلميذ. التلميذ يتم تقييم إمكانياته وماذا اكتسب من معرفة.

هذه الخطوط العريضة وهي تحتاج إلى عمل كبير وصعب. اليوم نحن لسنا بحاجة إلى إصلاح تربوي بل إلى ثورة في المدرسة لأن العالم تغيّر وأيضًا نتمنى أن يحصل التغيير بسرعة لأن الوقت يسير بسرعة.

مسألة أخرى مهمة في التعليم بالنسبة لي وهي كيف تربي الطفل للحفاظ على البيئة، عندما تعلّمه منذ السنة الأولى ابتدائي كيف لا يلقي بالقمامة في الطريق وكيف يحافظ على الغابة، وهي مسألة على غاية من الأهمية. انظري إلى تونس اليوم كيف أصبحت بفعل "القمامة".

المدرسة ليست للرياضيات والعلوم فقط بل كيف يجد الإنسان نفسه في العالم وكيف يحافظ على الطاقة والبيئة وهدذا لن تجده في الكتب، بل كيف يتصرّف المعلّم والأستاذ اللذان ينبغي أن يدركا أن هؤلاء الأطفال هم مستقبل بلادنا؟

  • كيف تقيّمين الجامعة العمومية التونسية اليوم وأنت أستاذة جامعية؟ وكيف يمكن إصلاحها؟

أنا عندما أشاهد المركب الجامعي بالمنار أو منوبة الذي يحتاج الطالب إلى ساعتين في الحافلة للوصول إليه ليدخل كلية العلوم فلا يجد مقهى مناسبًا أو مكتبة مناسبة تتضمن كل الآلات وما يحتاجه للدراسة. الطالب عندما يذهب للكلية للعيش فيها أتمنى أن يصبح المركب الجامعي مجالًا للتعليم والثقافة. انظروا إلى المركبات الجامعية في الخارج. لا بد من تحسين وضعية الطالب فالأمر هكذا غير مقبول.

هناك أيضًا العديد من مؤسسات التعليم العالي التي لا توصل الطالب إلى أي نتيجة لأنه سنة 2000 قام بن علي فتح عدة مؤسسات جامعية، حوالي الـ200، دون توفير الأساتذة والإمكانيات. يجب غلق بعض المؤسسات في بعض المناطق التي لا تضمّ إلا عددًا صغيرًا جدًا من الطلبة والتي لا تقدّم لهم شيئًا. لا بد من إعادة هيكلة المؤسسات الجامعية والتعليم العالي والعديد من وزراء التعليم العالي الذين شغلوا هذا المنصب يعرفون ذلك ولكن أعتقد أن الوزير بمفرده لا يستطيع أن يصلح الوضح.

يجب أن نفكر في وضعية الجامعة وأن نترك السياسة جانبًا ونجلس جميعًا على طاولة واحدة ويقترح كلّ طرف ما يجب فعله وماذا يصلح للطلبة والبلاد.

نحن نشاهد طلبة يدرسون في مؤسسات عاجزة عن تقديم الفائدة لهم وبالتالي من الطبيعي أن لا يجدوا عملًا لاحقًا. هناك أيضًا التكوين المهني ولكن ذلك يحتاج إلى إمكانات مادية.

يجب أن يفكّر المرء في كيفية التقدم في هذا المجال ولو قليلًا. والدولة لا تستطيع أن تقوم بكلّ شيء لذا فإصلاح المركبات الجامعية يجب أن يتم من خلال مؤسسات كبرى تقرّر الاهتمام بالجامعات. من السهل أن يقول الواحد منا إنه ضد السيستام ولكن أريد أن أعرف ماذا سيقدمون للمركبات الجامعية مثل مركب المنار. المفروض هو تقديم الحلول لا فقط تحميل المسؤولية للدولة ووزارة التعليم العالي.

اقرأ/ي أيضًا: حاتم المليكي: هذه الأطراف تقف وراء إيقاف نبيل القروي (حوار)

  • بالنسبة للإصلاح الديني الذي يعدّ أحد أهم أعمدة مقاومة التطرّف، ما هي المفاهيم التي تحتاج إلى مراجعات اليوم؟ وكيف يمكن القيام بهذا الإصلاح دون التصادم مع فئات واسعة من الشعب التونسي؟

إذا تمّ وضع السياسة على جانب الكثير من الأمور ستتغيّر وإذا أبعدنا الإسلام السياسي سنتمكن من الحديث بخصوص العديد من المسائل. مثلًا ما الذي تغيّر في صيغة المسلمين في تونس؟ لماذا أصبح الجميع يتوجه للصلاة في الجامع؟ الله لم يقل ذلك بل قال تصلّي في منزلك. أنا ترعرعت في صفاقس وكنت أعرف أشخاصًا لا مسلمين فقط بل من الشيوخ وكانوا يصلّون في منازلهم باستثناء صلاة الجمعة. أيضًا الأوضاع تغيّرت ولم يعد هناك حاجة لعقد الاجتماعات في المساجد بل أصبح من الممكن عقدها في أي مكان.

مرّة قلت لزميلي إنه من الأفضل تخصيص أموال بناء الجوامع لإحداث مستشفيات فأجابني "كيف ذلك أأنت مسلمة؟" فقلت له إني مسلمة لكن أريد أن يجد غيري مكانًا يُعالج فيه. هذا يظهر أن الإسلام الذي نعيشه ليس الإسلام الذي يشعر به الإنسان، ليس الإسلام الروحي بل إسلام المظاهر، أي أنني ذهبت للجامع وأظهرت للجميع أنني توجهت للجامع.

هناك مسائل أخرى أيضًا مثل شهر رمضان، من يريد الصوم فليصم ومن لا يصوم لماذا نعاقبه؟ أين الإشكال إذا أفطر؟ كلّ هذا لم يكن موجودًا في السابق وقد عشت في صفاقس، وهي منطقة محافظة جدًا، ولم تكن هذه الأمور موجودة. كلّ إنسان كان يعيش كما يريد. بالنسبة لي هناك فرق بين الدين الذي يعيشه الإنسان بينه وبين خالقه وبين الدين الذي يريدون أن يحكموا من خلاله. وليس من حق أحد أن يحكم بالدين، كما فعل الشيخ خليف الذي أصدر فتوى ضدّ محمد الشرفي بعد صدور كتابه "الإسلام والحرية" سنة 2002، كذلك الأمر بالنسبة للفتوى ضد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة عندما أعلن في شهر رمضان أن الجهاد بالنسبة له هو الجهاد الاقتصادي وأن من لم يستطع الصوم فليفطر.

لا توجد مفاهيم لتغييرها أو مراجعتها في الإسلام، هناك مسألة واحدة فقط، وهي أن الدين والسياسة أمران مختلفان، وكذلك الدين والحقوق والدين والعلم. لا بد من التفريق بين الدين والحياة الثقافية والاجتماعية. ودولتنا حداثية ولسنا في حاجة إلى تغيير مسائل سوى تلك المتعلقة بالحقوق، مثلما فعل بورقيبة عندما فرض تعليم المرأة. عندما كنت أدرس كنت الفتاة التونسية الوحيدة في مدرستي واليوم تطورنا كثيرًا ولكن نحن نريد التقدم لا العودة إلى الوراء.

فوزية الشرفي لـ"ألترا تونس": لم نفصل بعد بين الدين والدولة

  • هل تعتبرين أننا إلى اليوم مازلنا لم نفصل بين الدين والدولة؟

لم نفصل بينهما بعد لأنه عند رؤية الخطاب السياسي الذي لا يتحدث على أساس الدولة كدولة بحتة بل دائمًا ما يتمّ إدخال الدين؟

  • هل عبارة "الإسلام دينها" من الفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينصّ على أن "تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها" دليل على الخلط بين الدين والدولة؟

الإسلام دين تونس وليس دين الدولة هناك فرق كبير.

  • هل كنت تفضلين إزالة هذه العبارة؟

لا نستطيع التغيير. هذه العبارة لم تتغيّر منذ 1959 وأنا أفهم أن المجتمع محافظ. في البداية كنت مثل البعض أريد التغيير ولكنني انتبهت إلى أنه لم يكن ممكنًا حينها التغيير وأنه لا بدّ من تركها كما أرادها الحبيب بورقيبة. أما عن كيفية قراءتها وفهمها فالإسلام ليس دين الدولة بل دين تونس وهي مسألة ثقافية.

  • رسالتك لبشرى بلحاج حميدة وقد اختلفت معها مؤخرًا بخصوص موقفها من قيس سعيّد؟

الأمر ليس كذلك، أنا تعجبت عندما قالت "التقدميين" واضعة هذه الكلمة بين ظفرين. أنا تقدمية ولكن ليس بين ظفرين ولكن هي قالت إنها سعيدة، سعيدة بماذا؟

فوزية الشرفي لـ"ألترا تونس": اليوم ونحن في خضم الانتخابات التشريعية والرئاسية من الصعب أن يقول المرء إنه متفائل

  • ربما سعيدة بالمسار الانتخابي والانتقال الديمقراطي الذي تشهده تونس؟

أنا أستطيع أن أتحدث عن هذا ولكن هي كانت في البرلمان. لم تعجبني طريقتها في التعامل مع المسألة، أنا لم ألم أحدًا ولكن كلّ إنسان له مسؤولية يجب أن يتحمّلها. عندما تحدثت عن رئيس الحكومة ورئيس الدولة تحدثت عن مسؤولياتهما. وأنا قلت إني أتفهم الطلبة الذين صوتوا لقيس سعيّد وأنهم غير راضين بالوضعية التي يعيشون فيها.

لكن لا يمكن لها أن تضع عبارة التقدميين بين ظفرين، أنا تقدمية ولا أخجل من هذه الصفة. أنا أرسلت لها رسالة خاصة ولكن يبدو أن المسألة لم تعجبها، أنا أكبر منها سنًا ويمكنني أن أقول لها ذلك.

  • فيما يتعلق بالتكنولوجيا الناووية، هل من آفاق للاستثمار في هذه التكنولوجيا في تونس لأغراض سلمية؟ هل لدينا الإمكانيات للالتحاق بركب البلدان التي تعمل عليها أم لا زلنا متأخرين؟

فيما يهمّ هذه التكنولوجيا نحن لدينا في تونس الكثير من الشخصيات المتمكنة منها ولا نشكو نقصًا في هذا المجال. هناك أشخاص يعرفون جيدًا هذه التكنولوجيا ويتخصصون فيها وشقيقي متخصص في الطاقة. أما الطاقة النووية لا أعتقد أنه يمكن الحديث عنها في تونس، أنا لا أرى أنها مسألة جيدة بالنسبة لتونس. العالم الآن بصدد التراجع إزاء هذه التكنولوجيات ووقعت الكثير من الدراسات على هذا الموضوع.

وتونس لا تحتاج إلى طاقة كبيرة مثل الجزائر لذا إذا تقرّر إحداث وحدة نووية، ليس الآن بل في غضون 20 أو 30 سنة، فلن يكون عملها مقتصرًا على تونس فقط بل سيشمل الجزائر وليبيا مثلًا. لكن أنا أعتقد أن هناك تخوفات من هذا الخيار وهو غير صالح تونس خصوصًا فيما يهم البيئة ويجب التفكير في الطاقات البديلة.

  • سؤال أخير، هل أنت متفائلة لمستقبل تونس؟

اليوم ونحن في  خضم الانتخابات التشريعية والرئاسية من الصعب أن يقول المرء إنه متفائل. أنا أقول أمرًا واحدًا، يجب أن نعمل من أجل بلادنا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المهدي المبروك: قيس سعيّد متصوّف ثوريّ قد يرقى إلى الشخصية الجامعة (حوار)

عدنان منصر: لهذا انسحبت من الحراك ويجب التفكير من الآن في انتخابات 2024 (حوار)