هل أتاك حديث البكتيريا السياسية في تونس؟

هل أتاك حديث البكتيريا السياسية في تونس؟

يستغل السياسيون المعارك الأيديولوجية الوهمية لتحقيق مآربهم (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

مقال رأي

 

بعد حوالي 30 سنة من "اكتشاف" الإيطالي كريستوف كولومبس لجزر الكاريبي، خرج بحار آخر يسمى "هرنان كورتيس" من إسبانيا غازيًا نحو المكسيك. وشد اهتمامه أول وصوله كثرة الذهب، لكن ما لفت اهتمامه أكثر أن السكان الأصليين، شعب الآزتك، لا يهتمون كثيرًا لأمر المعدن الأصفر. ولما سألوه عن سبب جنونه بهذا المعدن بالذات قال: "أعاني ورفاقي من مرض في القلب والذهب هو دواءه الوحيد"1. وتروي كتب التاريخ أن كورتيس كان يأمر جنوده في كل مرة بقصف من مدفعية السفن، وكانت لا تزال غير معروفة لدى السكان هناك، فينفر المساكين نحو مكان القصف فضولًا واستطلاعًا تاركين معادنهم لكورتيس ينهبها2.

يمكن الجزم أن البكتيريا، ونعني هنا مكونات الطبقة السياسية، أصبحت ضارة وما الصراع إلا حول من الأجدر بارتكاب ضرره الخاص

ما أشبه هذه الأحداث بما يقع في بلادنا خاصة منذ 2011 رغم التباعد الزمني والمكاني. فلازال يخرج على هذا الشعب من يوهمه بمعارك أيديولوجية وهمية تعطي لمفتعلها سببًا للبقاء حتى يصل لدواء قلبه من جهة، وتلهي الشعب والمهتمين عن القضايا الحقيقية من جهة أخرى. وإن كانت شعوب العالم الجديد حينها قد افتقدت إلى التجربة لتجنّب خبث القادمين الغزاة، فما حجة شعبنا الذي ما انفكّ يعيد أخطائه في كل مرة في شكل مهزلة؟ لكن قبل ذلك، ألم يحن الوقت لتجاوز هذه الخلافات؟ وما السبيل للخروج من هذه المتاهات إن كان لذلك سبيل؟

سياسيون كالبكتيريا بين نافع و ضار

منذ توفي "الباي الكبير"3 الصيف الفارط والأحزاب والأطياف السياسية في صراع يشبه صراع البكتيريا4 في أمعاء الإنسان. تصارع هذه الأخيرة يعتبر ظاهرة صحية حيوية طالما تنتصر البكتيريا النافعة على الضارة وتظل صحة الإنسان بخير، فإن حدث العكس فهو المرض والاعتلال. نظريًا، وبمقاربة هذا مع الحياة السياسية، يعتبر الصراع السياسي للأحزاب أيضًا ظاهرة ديموقراطية صحية توحي بنشاط حيوي فكري نخبوي في البلاد يخدم مصلحتها طالما تنتصر الفكرة النافعة أو الأكثر نفعًا.

اقرأ/ي أيضًا: واجب اليقظة لحماية الديمقراطية التونسية

لكن مفهوم النفع أو الخير يختلف من حزب إلى آخر كل حسب أيديولوجيته. ونظرًا للوضع الحالي للبلاد الذي لا يخفى على المبصر قبل البصير، يمكن الجزم أن البكتيريا، ونعني هنا مكونات الطبقة السياسية، أصبحت ضارة وما الصراع إلا حول من الأجدر بارتكاب ضرره الخاص.

بيت البطاقات أم روضات؟

عرضت شبكة "نيتلفلكس" سنة 2013 مسلسل "بيت البطاقات The house of cards" أين صور المنتجون تصورهم لخبايا السياسية الأميركية والأروقة الخلفية لها. اللافت للنظر هنا أن ما يحصل تحت قبة البرلمان التونسي يمكن تشبيهه بلعب الأطفال في الروضات مقارنة بما يحدث في الكونغرس وفق ما عرضه المسلسل الذي يعتبر محاكاته للواقع من أسباب نجاحه الباهر.

مجلس النواب هو المسرح الكبير للأحداث لاحتوائه على أكبر عدد من الممثلين

يتصارع السياسيون في القصة حول البروز والقيادة بالاعتماد على اللوبيات وابتكار الخطط و توظيف كل الوسائل كالإعلام والابتزاز، لكن رغم كل ذلك، فهناك دائمًا مصلحة البلاد التي تضمن لهم الاستمرار في اللعبة السياسية، ومصلحة النظام الذي يعطيهم فرصة الوجود السياسي، وهناك خطوط و سياسات عريضة يجب أن يستمر تنفيذها بعيدًا عن المآرب السياسية. الفكرة هي أن صراع الأفراد حول السلطة لا يعطل الحركة العامة لمصلحة البلاد العليا، فالاختلاف هنا حول "من" وليس "كيف" أو "لماذا".

في نفس السياق، لا تكاد تخلو الصحف من أخبار التنازع في مجالس الحكم في البلاد حتى تعود للظهور مجددا في شكل درامي. مجلس النواب هو المسرح الكبير للأحداث لاحتوائه على أكبر عدد من الممثلين، حيث تتجاذب الأطراف بشكل صبياني سعيًا لتسجيل أهداف هوائية في الملاعب الإعلامية. الكل من الميكروفون يدعي وطنية يتسلح بها ليداري ضعفه أو خواء جوفه من فكر أو رؤى. كل جزء من أجزاء الطبقة السياسية يسعى لفرض وصايته، رؤيته وسلطته على الكل ولا مجال للمساحات المشتركة. يمكن للمتابع للأحداث أن يقارب الساحة السياسية التونسية مع ما سرده جورج أوريل في رائعته "مزرعة الحيوان Animal farm" حيث قال: "كل الحيوانات متساوية، لكن هناك حيوانات متساوية أكثر من حيوانات أخرى". فإلى أي مدى يمكن إسقاط ذلك على الساحة التونسية؟

خلاف إيديولوجي أم وجودي؟ ربما استرزاقي

لم أستسغ يومًا تقسيم اليسار واليمين، فأين الملك والنبلاء ليكونوا يمينًا ويقابلهم أهل اليسار؟ المشهد السياسي هو أقرب إلى ما يمكن تسميته "سرك سياسي"5، كل يؤدي فيه دورًا وهو يرتدي قناعًا ولونًا ليقتات منه ويسترزق. البعض احتكر أيديولجيا دينية يعرضها متى شاء ويخفيها متى شاء، حسب المهمة والهدف، فيستقطب بها برهة أتباعًا يعتبرونه "حارس" الدين من الآخر "عدو الله". يغذي هذا الطرف وجوده عبر إثارة الجدالات الدينية التي يستفز بها "حراس معبد الحداثة" فيهاجمونه فينطلق في "التيتّم". هي ظاهرة تسمى "عقلية الضحية victimism mentality "، دأبهم اجترار مرضي للماضي، لا إنتاج فكري تنظيري معاصر لرؤى ولا مفاهيم، نالوا فقط فيما مضى اعترافًا عبر معاداة النظام لهم. ولازالوا يسرقون وجودًا عبر اصطناع الخصومات، مشروعهم الحكم تسيير ومسايرة، هم فقط يريدون نصيبهم مع تفويحات دينية لكل مبادرة سياسية.

 قدر البلاد هو الاصطفاف وراء مراجع أجنبية بعد أن عجزت أقلام أبنائها على صياغة موديلات محلية

البعض الآخر هم عادة مغتربون في أوطانهم، إما أرستقراطيون قدامى مقربون من البلاطات وهم قلة، أو كبار موظفين ممن نالوا حظوة اجتماعية ومعاملة خاصة توارثتها الدولة الوطنية عن الكيانات الكوليانية السابقة. كل هذا ساهم في تعميق الهوة بينهم وبين الشعب. لكن أيضًا، حسب فرانز فانون6، يعاني هؤلاء من الغربة في أوطانهم عبر سعيهم نحو التشبه بحكام البلاد (أجانب دائمًا من فينيقيين، ورومان، وعرب، وأتراك، وفرنسيين) كسعي العبيد للتشبه بالأسياد على رأي هيجل7. ومن مظاهر هذا السعي أن ينفروا من عادات البلاد وسكانها ممن رأوا فيهم ما وجدوا في الأدبيات كنظرية المناخ لمنتسكيو وما شابه ذلك من أوصاف عند ابن خلدون، فيخلطون بين ما وجدوه من نقد للدين في المؤلفات الغربية أو الشرقية (البعثيين)، ويسقطونه على أوطانهم دون أي تنسيب، بل يحلمون بأن يكونوا "نيتشه" بلدانهم أو "دانتي" أديانهم، فيما يهيم آخرون في هوى الحلاج.

اقرأ/ي أيضًا: بورجوازية الريع في تونس: خريطة المصالح

هذا هو جوهر الخلاف الأيديولوجي في البلاد: خلاف وتباين شكلي بين "بيض" و "زرق"8، ليس صراعًا طبقيًا بقدر ما هو صراع نمطي بين قبلتين، إما قبلة مشرقية (مرجعية إسلامية أو ربما قومية) أو غربية (على شاكلة الاشتراكية/الشيوعية أو الرأسمالية/الليبرالية). وكأن قدر البلاد هو الاصطفاف وراء مراجع أجنبية بعد أن عجزت أقلام أبنائها على صياغة موديلات محلية تلائم جغرافيا البلاد وتاريخها وموروثها وتسعى لبناء مستقبل يتسع للجميع.

بدل ذلك، يغذي "هؤلاء" ظلام حداثتهم عبر التخويف من رجعية محافظة "أولئك". كل طرف يسعى لفرض سيطرته كـ"جزء" على الشعب أي "الكل". أما ما بينهم من سياسيين ومتابعين، فتجد من لديهم القليل من هذا والقليل من ذلك، يقودهم إما التعاطف أو الانتماء العائلي أو الجغرافي. الكل يفزع وينحاز لأصدقائه أو من يرى فيه نفسه حسب هواه. لذلك ترى تقلبًا عبر السنين من كان يدعي علمانية صار متدينًا، ومن كان يدعي تدينًا "تاب" وانتصب لحراسة "النمط" التونسي، وهكذا الأيام تجري بين "دونات كيشوتات" تقاتل "طواحين هوائية" في حروب وهمية.

شعب يعشق الظواهر الصوتية الفانتازمية

كحرب دون كيشوت، هذا الخلاف لن ينتهي ما دام يجلب الناخبين من الشعب الذي يستهويه "العرض show"، فيعجب بـ"قبيح الكلام" وسليط اللسان والذي لا يتوانى عن التجريح في الآخر وسبه وتحميله المسؤولية. وما دامت هذه الاستعراضات تريح ضمير الشعب فتزيح المسؤولية من "النحن" لترمي بها على "الهم"، فلا ترى خلافًا حول خطة تحديث البرامج التربوية والقطاع عمومًا. ولا ترى جدلًا حول برنامج النهوض بقطاع الصحة أو المخططات العشرية أو العشرينية. فكل هذا يضم تحت طائلة "يا من عاش". ويعرف السياسيون ذلك جيدًا ويحذقونه. فلماذا اللوم؟ هؤلاء السياسيون هم مرآة الشعب، وإلى أن تتغير الأولويات لدينا، لن تنتهي هذه الخلافات الأيديولوجية ولا الحروب الكلامية ولا الزوابع الإعلامية.

هؤلاء السياسيون هم مرآة الشعب، وإلى أن تتغير الأولويات لدينا، لن تنتهي هذه الخلافات الأيديولوجية ولا الحروب الكلامية ولا الزوابع الإعلامية

يقبل فصل الصيف وينتهي الموسم السياسي الأول، وقد أنقذت الحكومة "طُرحها" (مباراتها) عبر حرب الجائحة. الصيف في بلادنا هو عطلة سياسية أيضًا. لا يشاهد التونسيون التلفاز في الصيف بل ينشغلون في الأعراس والبحر والاستجمام. لذلك لا تجد للقضايا الصيفية كـ"العطش الموسمي" على حساسيتها مكانًا في أجندات السياسيين. وفي انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع في الخريف الحارق الذي ينتظر البلاد من أزمة اقتصادية مقبلة ربما ستؤدي إلى احتجاجات اجتماعية يستثمرها "الاتحاد حامي البلاد" هو الآخر في تعزيز وجوده، فالكل يستثمر على ما يبدو في مسرحية "الإلياذة" التونسية.

في النهاية، نعود إلى أميركا بعد 500 سنة تقريبًا من اكتشافها، حيث يُروى أن لويس أرمسترنغ ورفاقه كان يستعدون لطلعتهم للقمر عبر محاكاة الرحلة في صحراء كولورادو، فمر بهم أحد السكان الأصليين وسألهم ما يفعلون فأخبروه، فأعلمهم أن الأسطورة تقول إن آلهة قبيلته تسكن في القمر. فطلب منهم إرسال رسالة بلغته إلى الإلهة، وقبل رواد الفضاء ذلك، وظلوا يعيدون الرسالة على مسامعه حتى تأكد من النطق الصحيح، وسألوه عن معنى الرسالة فقال إنه سر بينه وبين الآلهة. وصل أرمسترونغ ومن معه إلى القمر سنة 1969 وعادوا، ارتاب بعضهم الفضول حول معنى الرسالة فراحوا يبحثون عمّن يتقن اللغة، ووجدوا ضالتهم في رجل لما سمع الرسالة أخذته هستيريا الضحك، ولما هدأ قال إن الرسالة تعني: "لا تصدقوا ما يقوله لكم هؤلاء، سيحتلون أرضكم".

 

المراجع:

1-  Francisco López de Gómara, Historia de la Conquista de Mexico, vol. 1, ed. D. Joaquin Ramirez Cabanes (Mexico City: Editorial Pedro Robredo, 1943), 106.

2- Hugh Thomas, Conquest: Cortes, Montezuma, and the Fall of Old Mexico.

3- عبارة للكاتب الصحفي الصافي السعيد استعملها في كتابه "المانيفستو النداء الأخير.. إلى الباي الكبير" مشبهًا الباجي قايد السبسي بالباي الكبير.

4- Good or bad: gut bacteria in human health and diseases.

5- عبارة استعملها المصري مصطفى محمود عنوانًا لكتابه "ألعاب السيرك السياسي".

6-  تناول فرانز فانون في كتابه "بشرة سوداء أقنعة بيضاء" المركبات الاجتماعية والنفسية لدى الشعوب المستعمرة من أفارقة وعرب.

7- يرى هيجل إنه إذا كان الأسياد يريدون من العبيد تلبية حاجاتهم المادية، فإن العبيد لا يريدون سوى أن يصبحوا سادة.

8- عبارة استعملها الكاتب توفيق بن بريك في رواياته للتدليل على سكان البلاد من السمر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إتلاف المحاصيل.. هل هي لعنة "أمك طنغو"؟

تونس بين "ما لقيصر وما لله"