سرطان الثدي.. تونسيات ينتصرن في معركة استئصال الأنوثة

سرطان الثدي.. تونسيات ينتصرن في معركة استئصال الأنوثة

تُصاب 3000 امرأة في تونس سنويًا بسرطان الثدي (صورة تقريبية/ getty)

 

وأنت تستجمع شتات كلماتك لتسألها وتبحث لك عن مفردات تنمقها خوفًا على جرح غائر تفتحه معها، تفاجئك هي وتقطع الطريق معرية جرحها قائلة "أصبت بسرطان الثدي واستأصلته". إنها "ليلى"، سيدة في أواسط العقد الرابع من عمرها، وأم لطفلين، اكتشفت منذ سنتين خلية سرطانية مندسة بين ثنايا أنوثتها متخفية في مكمن أمومتها.

كانت ليلى تلاحظ ظهور كتلة تكبر لكنها لم تعرها اهتمامًا. وتقول لـ"ألترا تونس"، "لم أكن قادرة على الذهاب للمستشفى بلا تغطية اجتماعية وبطاقة علاج وكنت أجاهد مع زوجي لتوفير لقمة العيش ولوازم الدراسة لابني وابنتي".

ليلى (تونسية أصيبت بسرطان الثدي) لـ"ألترا تونس": علمني المرض أن الحياة جميلة وأن الموت بيد الله وحده

اقرأ/ي أيضًا: "حالة وعي" في حيّ التضامن.. شباب يرسم مستقبلًا بالألوان

في صمت، كانت الخلايا تتكاثر وكانت ليلى تنازع ألمًا في يدها إلى أن طرحتها الحمى فاتجهت إلى المستشفى وهناك علمت أنها أصيب بمرض سرطان الثدي. "كانت صدمة بالنسبة لي"، تقول ليلى مطأطئة رأسها مخفية دموعًا في مقلتيها. وتستدرك وجعها "لكن إيماني بالله وحبي لأبنائي ووقوف عائلتي معي أنقذني من براثن هذا المرض الخبيث". أجرت ليلى عملية استئصال لثديها وخضعت للعلاج الكيمائي وخاضت حربها ضد سرطان الثدي وانتصرت عليه رغم ظروفها الاجتماعية الصعبة.

وكما الحروب بين كرّ وفرّ، عاشت محدثتنا التجربة وهي اليوم فخورة بها لأنها استطاعت أن تكتشف معدن زوجها الأصيل الذي شد أزرها ومازال يرى فيها أنوثة وجمالًا. وتختم حديثها لـ"ألترا تونس" قائلة "علمني المرض أن الحياة جميلة وأن الموت بيد الله وحده".

ليلى واحدة من بين 3000 امرأة تُصاب سنويًا بهذا المرض في تونس بحسب الكاتبة العامة للجمعية التونسية لرعاية مرضى سرطان الثدي رجاء السويسي الكاتبة العامة، وهي جمعية مدنية 95 في المائة من مسيّريها مريضات بسرطان الثدي بما فيهن الكاتبة العامة. وقد اخترن مساعدة المريضات ضعيفات الحال.

سعيدة ساسي (عضو الجمعية التونسية لرعاية مرضى سرطان الثدي) لـ"ألترا تونس": السلطة السياسية والبرلمانية تتاجر بالمرأة في قضايا هامشية

وتتولى الجمعية توفير الإحاطة النفسية للمصابات بالمرض من خلال عرض تجاربهن الشخصية على كل حالة جديدة، إلى جانب دعمهن ماديًا بتوفير النقل والأدوية والفحوصات المجانية والمساعدات الاجتماعية. وتساهم الجمعية كذلك في تنظيم قافلات طبية تجوب مناطق الجمهورية للكشف المبكر عن هذا الداء وتوعية النساء في المناطق الريفية بضرورة التقصي الدوري.

"للأسف مازالت المرأة تخاف التوجه لعيادات الكشف عن المرض خشية أن يقال إنها مريضة بسرطان الثدي"، تقول بحرقة عضو الجمعية سعيدة ساسي لـ"ألترا تونس"، مضيفة "المجتمع لا يرحم وأقرب إنسان للمرأة هو زوجها وهو يتخلى عنها في مثل هذه المواقف وقد عايننا حالات كثيرة مثل هذه".

اقرأ/ي أيضًا: الحملات الشبابية المواطنية.. "حالة وعي" في مواجهة الوعي المعلّب

وتؤكد محدثتنا أن الجهل بالمرض لا يشمل المجتمع فحسب بل الدولة أيضًا منتقدة السلطة السياسية التنفيذية والبرلمانية التي رأت أنها تتاجر بالمرأة في قضايا هامشية كالدعوة إلى المساواة في الميراث بينما تتجاهل حاجة المرأة للرعاية الصحة أولوية أساسية.

وترى محدثتنا أن الأحزاب التي ترفع شعارات رنانة باسم المرأة لا أحد منها شخّص وضع المرأة الحقيقي فمشكلتها ليست في الميراث بل في توفير حمالات طبية للصدر مازالت الدولة تعتبرها من الكماليات، حسب تعبيرها، مضيفة "نحن نعجز عن إخراج بعضها من الجمارك لجهلهم بأهميتها بالإضافة إلى الضرائب المجحفة على إدخالها".

حاتم بوزيان (أستاذ جراحة الأورام بمستشفى صالح عزيز) لـ"ألترا تونس": اختيار شهر أكتوبر الوردي من منظمة الصحة العالمية كشهر للتوعية بسرطان الثدي غير كاف

"حمالات الصدر" و"بدلات الثدي" مواد طبية باهضة الثمن توزعها الجمعية مجانًا على النساء اللواتي استأصلن الثدي بحسب الكاتبة العامة للجمعية فهذه المواد شبه الطبية تمثل وسيلة لتحسن الحالة الصحية للمريضة وخاصة النفسية. وتعتمد الجمعية في تمويلها على الأعمال الخيرية والهبات من منظمات وجمعية أجنبية وتطالب الدولة بالعمل على النهوض بالمرأة في المجال الصحي ومراعاة وضعيتها الاجتماعية والمادية بقرارات واضحة وفعالة.

نساء ينتصرن على المرض ويحاربنه بتجارب منفردة وأخريات يصنع منهن المرض عطاء ومحبة وعملًا خيريًا للأخريات، كذا فعل سرطان الثدي في تونس. تونس التي تجاوزت نسبة الشفاء من مرض سرطان الثدي فيها 70 في المائة لتصل إلى 90 في المائة في حال اكتشافه مبكرًا بحسب الدكتور حاتم بوزيان أستاذ جراحة الأورام بمستشفى صالح عزيز.

ويؤكد بوزيان أهمية الفحص اليدوي الدوري للثدي من قبل المرأة ومراجعة العيادات الطبية النسائية بعد سن الأربعين للوقاية منه مبينًا أن الأسباب الفعلية وراءه لم يتم اكتشافها. لكنه لا ينفي أن العامل الوراثي والزواج في سن متأخرة وعدم ممارسة الرضاعة إلى جانب تناول حبوب منع الحمل لمدة طويلة قد تساهم في ظهور مرض سرطان الثدي، مشيرًا إلى أنه يصيب الرجال أيضًا وهو أخطر في هذه الحالة.

ونبّه إلى أن اختيار شهر أكتوبر/ تشرين الأول الوردي من منظمة الصحة العالمية كشهر للتوعية بهذا المرض غير كاف البتة معتبرًا أنه على وسائل الإعلام أن تسلط الضوء عليه على مدار السنة خاصة إذا علمنا أن ألف امرأة تونسية تفقد حياتها سنويًا بسببه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

النفاذ للخدمات وللمعلومة.. هاجس يقيّد ذوي الإعاقة في تونس

"وصلني".. تطبيقة النقل التي طالما انتظرها التونسيون