دراسة: ناخبون يبحثون عن صورة الأب في الرئيس ومخاوف حول مستقبل الحريات الفردية

دراسة: ناخبون يبحثون عن صورة الأب في الرئيس ومخاوف حول مستقبل الحريات الفردية

هناك مخاوف حول مستقبل الحريات الفردية في تونس (الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto)

 

كشفت نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية لسنة 2019 عن بروز تيارات شعبوية محافظة في تونس وصعودها مقابل تراجع التيارات التقدمية التي عبّرت عن مساندتها لمنظومة الحقوق والحريات الفردية والمساواة بين المرأة والرجل، الأمر الذي يثير مخاوف عدة حول مستقبل غامض يهدد بالمساس بالمكتسبات المحققة والحؤول دون تعديل التشريعات الضرورية وتطبيق القوانين الضامنة للحقوق والحريات الفردية.

مخاوف على مستقبل الحريات الفردية

وتتجلّى أسباب هذا التخوف بوضوح في القراءة السوسيولوجية حول الحريات الفردية والمساواة في برامج الانتخابات الرئاسية والتشريعية 2019 على ضوء تقرير مرصد الدفاع على الحق في الاختلاف، والذي كشف عنه المرصد خلال ندوة صحفية عقدتها رئيسة المرصد سلوى غريسة، صباح الجمعة 28 فيفري/ شباط 2020، لتقديم ملخّص تقرير لأنشطة وإصدارات مرصد الدفاع عن الحق في الاختلاف في تونس منذ سنتين، تاريخ تأسيسه.

وأفادت غريسة أن اللافت في القراءة السوسيولوجية هو أن المترشحين للانتخابات الرئاسية 2019، الذين أظهروا نزعة أبوية، هم من احتلوا المراتب الأولى على غرار رئيس الجمهورية الحالي قيس سعيّد والمترشحين للرئاسية عبد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو، مضيفة أن هذا الأمر يدلّ على أن الناخبين مازالت لديهم علاقة بالأب، وهي التي أسسها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حيث يبحث الناخبون عن صورة الأب في شخص الرئيس.

اقرأ/ي أيضًا: مجلة للحريات الفردية: مواقف الكتل النيابية وسبل مناصرة المشروع

دراسة: المترشحون للرئاسة سعوا عمومًا إلى تقديم خطاب مطمئن للرأي العام الدولي والالتزام بالدولة وبقيم الجمهورية

كما خلصت الدراسة إلى شبه إجماع المترشحين للانتخابات الرئاسية على احترام الدستور ومن وراء ذلك الدولة مع الالتزام بالعمل على احترام كل المواثيق الدولية التي أبرمتها تونس والسعي إلى تطوير التشريعات في هذا الجانب، فضلًا عن توجه نحو إلغاء تجريم مادة القنب النهدي.

وفي ما يتعلّق بإلغاء الفصول التي تجرّم المثلية الجنسية والتجاهر بالفحش، بيّنت الدراسة أن المواقف متضاربة ومذبذبة حيث تمّ رصد 53 في المائة من المواقف الداعية إلى إلغاء ذلك، مشيرة إلى أن 11 في المائة مترشحًا كانت لهم مواقف حاسمة في هذه المسألة.

وأبرزت الدراسة أن المترشحين سعوا عمومًا إلى تقديم خطاب مطمئن للرأي العام الدولي والالتزام بالدولة وبقيم الجمهورية، بالإضافة إلى التفاعل مع الساحة المحلية وفق 3 توجهات كبرى، الأولى حداثية، والثانية محافظة والثالثة شعبوية.

ولفتت الدراسة أيضًا إلى التقاء بين المحافظين والشعبويين وإلى تقاطعات عديدة بين الحداثيين، علاوة على تجنب كل المترشحين تقريبًا الخوض في المسائل الحارقة ذات العلاقة بالحريات والاكتفاء بتقديم هوية سياسية محافظة أو حداثية في الغالب، إلى جانب خوف كبير برز من خلال البرامج الانتخابية في إثارة الحس العام، من خلال الفصل بين الخطاب الموجه للأحزاب السياسية في صيغته النقدية والخطب الموجه للعموم في صيغة الاستمالة والتفاعل مع الانتظارات الاجتماعية.

سلوى غريسة: مخاوف من أن تدفع التوافقات السياسية بإلياس الفخفاخ، إلى التراجع عن مواقفه المعلنة فيما يتعلّق بالحقوق والحريات الفردية

ولم تغفل القراءة السوسيولوجية، التي تحصّل "ألترا تونس" على نسخة منها، عن الإشارة إلى جملة من المفارقات التي توصلت إليها والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • كل الذين بلوروا مواقف إيجابية حول المؤشرات المقترحة تبوبوا في الغالب المراتب الأخيرة
  • رئيس الجمهورية في المرتبة الأخيرة مع سيف الدين مخلوف فيما يهم مواقفها من الحريات الفردية والمساواة
  • هناك العديد من التقاطعات المثيرة والالتقاء بين العديد من المترشحين وكانت كالتالي:
  1. المجموعة الأولى وتشمل: منجي الرحوي، ومحمد عبو، ومحسن مرزوق، وحمة الهمامي، والذين كانت لهم مواقف صريحة وإيجابية حول مختلف المؤشرات المقترحة ذات العلاقة بالحريات الفردية والجماعية.
  2. المجموعة الثانية وتشمل: عبد الكريم الزبيدي، وإلياس الفخفاخ، وكلاهما تحمل مسؤوليات وزارية ويحملان مواقف إيجابية من موضوع الرصد
  3. المجموعة الثالثة وتضم: عبيد البريكي وسعيد العايدي، وكلاهما تحمل مسؤوليات وزارية في أوقات مختلفة ويحملان نفس التصورات بالرغم من كونها ينتميان إلى عائلات سياسية مختلفة
  4. المجموعة الرابعة وتتكون من: مهدي جمعة ويوسف الشاهد وسلمى اللومي والصافي سعيد وناجي جلول، وباستثناء الصافي سعيد، لكانت هذه المجموعة تنتمي لنفس العائلة وما يميزها هو احترازها على بعض الجوانب ويمكن أن يكون مرد ذلك أن المجموعة تشمل رئيسي حكومة و3 وزراء
  5. المجموعة الخامسة وتشمل: حاتم بولبيار ومحمد منصف المرزوقي ولطفي المرايحي، وابتداء من هذه المجموعة تنقلب الكفة بشكل كلي لتصبح محافظة
  6. المجموعة السادسة وتضم: نبيل القروي ومحمد الصغير النوري وحمادي الجبالي وعبير موسي وسليم الرياحي ومحمد الهاشمي الحامدي وعبد الفتاح مورو، وما يميز هذه المجموعة كونها خليط غير متناغم بالمرة، الاستثناء يبدو للوهلة الأولى في حضور كل من نبيل القروي وعبير موسي، إلا أنهما من حيث الرؤى والتوجهات لا يختلفان عن بقية مكونات المجموعة ذوي الانتماءات السياسية الإسلامية بمختلف تفرعاتها.
  7. المجموعة السابعة ويلتقي فيها كلّ من قيس سعيّد وسيف الدين مخلوف وعمر منصور، وهذه المجموعة بلورت بامتياز خطابًا تعبويًا شعبويًا لكن بمضامين مختلفة جدًا.

وعبّرت في هذا السياق، رئيسة المرصد، عن مخاوف، من أن تدفع التوافقات السياسية بإلياس الفخفاخ، إلى التراجع عن مواقفه المعلنة فيما يتعلّق بالحقوق والحريات الفردية خاصة أن رئيس الجمهورية كان ضدّها، مشيرة في الآن ذاته، إلى أن هناك أشخاصًا في الحكومة "تأمل منهم خيرًا" باعتبار أنهم عبروا عند ترشحهم للانتخابات الرئاسية عن مساندتهم لهذه الحقوق والحريات.

اقرأ/ي أيضًا: لغة الإشارات في تونس.. مجتمع قاسٍ ودولة مُهملة

أي مصير لمشروع مجلة الحريات الفردية؟

أما بالنسبة لنتائج الانتخابات التشريعية، فقد أبرزت القراءة أن الأحزاب المحافظة كانت مواقفها متناغمة مع رؤيتها المحافظة لمسألة الحريات، في حين أن الأحزاب الحداثية كانت على العكس من ذلك حيث أن برامجها كانت مضطربة بل وأحيانًا متناقضة، إذ اختلفت مواقف بعض الأحزاب التي تختلف عن مواقف أمنائها العامين.

وبالنسبة لمسألة المصادقة على مشروع مجلة الحريات الفردية المودعة بمجلس نواب الشعب، فلم تكن من بين أولويات الأحزاب أو ضمن البرامج الانتخابية للأحزاب، الأمر الذي اعتبرت الدراسة أنه يطرح إشكالات كبرى.

سلوى غريسة: ليس لي أمل كبير في أن تقع المصادقة على مشروع مجلة الحريات الفردية

وقالت سلوى غريسة، في هذا الصدد، إنه ليس لها أمل كبير في أن تقع مناقشة مشروع مجلة الحريات الفردية والمصادقة عليه، لافتة إلى أن الدراسة كشفت عن إجماع لدى الأحزاب على احترام الدستور وتوجهها نحو إلغاء تجريم استهلاك القنب الهندي، في حين كانت المواقف متضاربة بخصوص الحريات الفردية والمساواة في الإرث والتي يعبر عن مساندتها سوى 10,6 في المائة من الأحزاب المعنية.

وأكدت غريسة بروز قوى محافظة وشعبوية جديدة تتمثل في الخصوص في ائتلاف الكرامة والحزب الدستوري الحر، حسب تعبيرها، مشيرة إلى أن حركة النهضة تتقدم، في مواقفها المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية، على هاذين الحزبين.

650 انتهاكًا

على صعيد آخر، كشفت رئيسة مرصد الدفاع عن الحق في الاختلاف بتونس، أن المرصد سجّل، منذ 1 أفريل/ نيسان 2018، وإلى غاية 27 فيفري/ شباط 2020، 650 حالة انتهاك لحقوق وحريات، موزعة على النحو التالي:

  • 233 انتهاك طال أشخاص من ميولات جنسية
  • 80 حالة انتهاك للحريات
  • 33 حالة تمييز على أساس اللون
  • 14 حالة تمييز على أساس اللغة.

وتحدث، في هذا الإطار، رئيس الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، جلول غاقي، عن الانتهاكات التي تطال التونسيين الذين يحاولون إظهار ثقافتهم الأمازيغية، مشيرًا إلى أنه وقع منع صيدلي من كتابة اسم صيدليته باللغة الأمازيغية، أمام مقرّ محلّه، رغم كتابته باللغتين العربية والفرنسية.

وأكد غاقي تعرّض عديد الأمازيغيين للاعتداءات التي قال إنها أصبحت واضحة بعد 2014 بعد أن كانت غير مباشرة، مفيدًا، أن الحكومة التونسية رفضت، بصفة متواترة مؤخرًا، طلبات لإدراج القرى التونسية الأمازيغية ضمن التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الامتحانات.. هاجس للأولياء وغول للأبناء

زنا المحارم في تونس.. صرخة وراء أبواب موصدة