حكومة الفخفاخ.. في مواجهة ملفات مؤجلة وتركة ثقيلة

حكومة الفخفاخ.. في مواجهة ملفات مؤجلة وتركة ثقيلة

احتجاجات اجتماعية وقطاعية متصاعدة (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

يأمل التونسيون مع كلّ حكومة جديدة، ومنذ نحو 10 سنوات، أن تمثل طوق نجاة لتحسين ظروف العيش وتحقيق التنمية. فيما تستهل الحكومات دائمًا مسيرتها بالادعاء بأنّها في قطيعة مع فشل من سبقها، وأنّ الشعب سيرى معها حلولًا للمشاكل العالقة.

ولكن تمرّ السنوات وأغلب الملفات التي أججت الشارع تظل مجرّد عناوين تتصدر الوعود الانتخابية، وبنود تطمينات من الحكومات المتعاقبة لتهدئة الوضع لا أكثر. وتواجه هذه الحكومات إرثًا من الملفات العالقة والقرارات المعطلة التي تُصدّر من سنة إلى أخرى، وتنتقل بثقلها من حكومة إلى أخرى. ربّما لا يكمن الإشكال في مجرّد الوعود بقدر ما يكمن في تحديد سقف تطبيقها، ومصارحة كلّ مسؤول حكومي بإمكانيات الدولة وقدرتها على التصرف في مدّة معيّنة بعيدًا عن الوعود الجوفاء. 

إلى متى تستمر المطالب العالقة التي تصدّر من حكومة إلى أخرى دون حلّ فعلي؟ وهل انتهجت الحكومات سياسة الوعود لامتصاص غضب شارع سرعان ما يتأجج بعد كلّ مماطلة؟ 

حكومة إلياس الفخفاخ، لم تكن بمنأى عن هذا الإرث الثقيل في ظلّ مواجهة غضب الشارع، وإيجاد حلول لإنعاش الاقتصاد لا سيما بعد جائحة كورونا التي لم تكن عائقًا أمام اندلاع احتجاجية جهوية وقطاعية تعددت أسبابها وأطرافها ومطالبها لكن تحمل في جلها مطالب قديمة متجددة. وهو ما يدفع إلى التساؤل: إلى متى تستمر المطالب العالقة التي تصدّر من حكومة إلى أخرى دون حلّ فعلي؟ وهل يعود ذلك لصعوبة تنفيذها بالفعل أم لسوء التصرف والتقدير؟ أم أنّ الحكومات انتهجت سياسة الوعود لامتصاص غضب شارع سرعان ما يتأجج بعد كلّ مماطلة؟ 

اقرأ/ي أيضًا: الكورونا تعمّق أزمة المهن الهشة في تونس.. بطالة وديون

احتجاجات بعد تكوين الحكومة

انطلقت الاحتجاجات، منذ تكوين الحكومة في فيفري/شباط 2020، حول مطالب طالما أججت الشارع على مدى سنوات ما بعد الثورة عنوانها التشغيل والتنمية. كما تأججت احتجاجات للمطالبة بتفعيل اتفاقيات ومحاضر جلسات أو تسوية وضعيات في عدة قطاعات كالتعليم والصحة وغيرها. 

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أصدر دراسة عن الحركات الاحتجاجية الأخيرة بعد 100 يوم من عمل الحكومة، مبينًا أنه رصد، خلال الفترة الفاصلة بين 27 فيفري/شباط و5 جوان/يونيو 2020، 1138 تحركًا احتجاجيًا من بينها 542 احتجاجًا في الوسط الغربي. وتصدرت الاحتجاجات حول حقوق العمال المرتبة الأولى ب317 تحركًا مع تسجيل 121 تحركًا حول الحق في التشغيل أي المطالبة بالانتدابات أو تفعيلها.

وذكر المنتدى أنّ طبيعة هذه الاحتجاجات تراوحت بين احتجاجات تلقائية بنسبة 44.6 في المائة ومنظمة بنسبة 55.4 في المائة. وتوزعت حسب القطاعات بصدارة قطاع الصحة بـ204 تحركًا والقطاع الأمني بـ144 تحركًا والقطاع التربوي بـ34 تحركًا.

مطالب قديمة 

طرحت التحركات الاحتجاجية الملفات الحارقة على طاولة الوزراء والمسؤولين، وقد تمحورت أغلبها حول مطالب قديمة لم يقع تفعيلها وظلت إرثًا يُصدّر من حكومة إلى أخرى. ويأتي التصعيد في تطاوين، في جوان/يونيو 2020، إثر انتصاب قرابة 13 خيمة في مختلف مناطق الولاية للمطالبة بتنفيذ بنود اتفاق الكامور عام 2017، ولكن دون تجاوب من سلطة المركز ما أدى لاحتقان الوضع في الجهة واندلاع مناوشات بين المحتجين وقوات الأمن.

وتحدث علي (35 سنة)، أحد المعتصمين من شباب المنطقة، لـ"ألترا تونس" على ضرورة انتداب أكثر من ألف معطل من أبناء الجهة في الشركات البترولية و500 معطل في شركة البيئة والغراسة، مشيرًا إلى أن شباب الجهة لم يجدوا من يجلس معهم على طاولة الحوار لفتح الملف بخصوص ما تم الاتفاق عليه سابقًا. 

بقيت ملفات في عدة قطاعات على غرار التعليم والتربية وغيرها إرثًا ثقيلًا يتعاقب على الحكومات دون إيجاد حلول نهائية 

من جانبها، شهدت حاجب العيون في ولاية القيروان إضرابًا عامًا ومسيرة سلمية والتشغيل تحت شعار "حاجبي ومن حقي نعيش"، دعا إليه الاتحاد الجهوي للشغل لمطالبة الحكومة بتفعيل قراراتها المعلنة منذ سنة 2017 لفائدة الجهة ومن بينها إحداث محكمة ناحية، وتحويل المستشفى المحلي إلى مستشفى جهوي، وإحداث مركز للتكوين المهني وبالحق في التنمية والتشغيل إجمالًا.

الملفات المعطلة لم تترجمها التحركات الاحتجاجية فقط، بل تشمل عدم تسوية بعد الملفات بما يؤدي لتأزم وضعيتها، على غرار انتهاء العلاقة التعاقدية أطباء القطاع الخاص وصندوق التأمين على المرض (الكنام) نهاية جوان/يونيو 2020 بعد عدم التوصل لاتفاقية جديدة. يذكر أنّه على مدى السنتين الأخيرتين، يتمّ إمضاء اتفاق وقتي محدد زمنيًا بستة أشهر في كلّ مرّة بين الطرفين، مع التعهد بدفع مستحقات الأطباء دون الوصول إلى علاقة تعاقدية في إطار اتفاقية جديدة.

اقرأ/ي أيضًا: المساكن المشيّدة على أراضي الدولة.. هل من تسوية للملف؟

وقد أشار عبد الرحمان بن أحمد، أحد أطباء القطاع الخاص اختصاص طب عام، لـ"ألترا تونس" إلى أن "مشكل الأطباء مع الصندوق لن تنتهى إلا في صورة دفع مستحقات الأطباء كاملة مع إيجاد صيغة تعاقد نهائية تنهى مشكل تأخر دفع المستحقات واحترام حقوق الطرفين، وليس بإمضاء اتفاق وقتي لمدّة ستة أشهر كحلّ ترقيعي وتقديم وعود في كلّ مرة بفتح الملف وإيجاد حلّ نهائي". 

العديد من الملفات الأخرى في العديد من القطاعات على غرار التعليم والتربية وغيرها بقيت أيضًا إرثًا ثقيلًا يتعاقب على الحكومات دون إيجاد حلول نهائية على غرار ملف الحضائر والأساتذة والمعلمين النواب، إضافة إلى عجز الصناديق الاجتماعية وديون المؤسسات العمومية وغيرها من الملفات التي عجزت الحكومات السابقة عن حلّها. 

ماهي قراءة منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؟

رمضان بن عمر، المكلّف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أكد، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أنّ أغلب المطالب الاجتماعية هي نتيجة خيارات الحكومات المتعاقبة، معتبرًا أن معالجة أغلب هذه المشاكل لا تتم بطريقة جوهرية بقدر ما هي ترحيل لها وتقديم مجرّد مسكنات وفق تعبيره. وضرب مثال ملف الحوض المنجمي وملف المكناسي وتطاوين باعتبارها "مشاكل كبيرة وكل حكومة ذهب نحو هدنة وقتية أو ترحيل المشكل". 

كما أشار محدثنا إلى أنّه "لا توجد ثقافة مساءلة للحكومات إذ تحاول كلّ حكومة التخلي عن سابقتها. كما لا توجد ثقافة محاسبة للأطراف المكونة للحكومات باعتبارها تتحمل المسؤولية، خاصة وأنّ عدّة أحزاب مازالت مستمرة في الحكم، ويستطيع المواطن أن يُساءل من انتخبه على التعهدات والوعود التي قدّمها". 

وتحدث، في جانب متصل، عن عدم التزام الحكومات بالاتفاقيات والتعهدات سواء مع أطراف اجتماعية مهيكلة مثل اتحاد الشغل أو اتحاد الأعراف، وسواء كان على مستوى مركزي مثل اتفاق الكامور أو على مستوى جهوي ومحلي في الاتفاقيات الممضاة من معتمدين مثلًا" مؤكدًا أن الحكومة تتهرب من تعهداتها وفق قوله.  

رمضان بن عمر (منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية): كانت توجد مؤشرات واضحة في أزمة تطاوين والمكناسي تدل على عدم الرضاء، وكان على الدولة التدخل للحوار قبل احتقان الوضع

من جهة أخرى، أشار المكلف بالإعلام في المنتدى إلى وجود سبب آخر لتوتر المناخ الاجتماعي وهو "ضعف أداء ممثلي الدولة جهويًا ومحليًا خاصة في مناطق تشهد مشاكل كبرى ومعطلة مثل قفصة والقيروان وتطاوين وغيرها"، داعيًا إلى إرسال أشخاص "يتوفر لديهم قدر من الكفاءة ليس فقط الكفاءة التقنية بل الكفاءة السياسية والقدرة على إدارة الحوار وخلق مناخ من الثقة بينهم وبين المواطن وبينهم وبين الفاعلين في الجهة لضمان عنصر تهدئة المناخ الاجتماعي وإرساء مناخ من الحوار والثقة". 

وقال، في هذا الإطار، إن التسميات والتعيينات تتم على أساس حزبي وولاءات "فتجد نفسك في مواجهة مسؤولين على مستوى جهوي يمثلون أحيانًا عنصر توتر في الجهة ويدفعون الأحداث الاجتماعية للأقصى". وأضاف أنّ "الحكومة اختارت مؤخرًا حلًا استعمل سابقًا، وهو المواجهة الأمنية باللجوء للأمن لفك الاعتصام حين لا تجد الحكومة جوابًا واضحًا ما يؤجج الوضع أكثر، ويؤكد عجز الحكومة عن تنفيذ تعهداتها المكتوبة، أو تعهدات ورثتها عن حكومات سابقة وجب تنفيذها على مراحل".

وأضاف أنه من  الأفضل الدعوة إلى جلسة حوار مع المعنين "لكن ما تزال الحكومة تخطأ في رد الفعل" مبينًا  أنه "في أزمة تطاوين والمكناسي وغيرها كانت توجد مؤشرات واضحة تدل على عدم الرضاء، وكان على الدولة التدخل للحوار قبل احتقان الوضع أكثر".  

وختم محدّثنا بالقول إن "الأولوية لدى الحكومة هي أولوية سياسية أي الوقت مخصص أساسًا للاجتماعات السياسية أو البحث عن حلّ للمشاكل بين الأحزاب المكونة للحكم والمعارضة وذلك أكثر من الوقت المخصص للملفات الاقتصادية والاجتماعية". 

 

اقرأ/ي أيضًا:

عملة القطاع السياحي المسرّحون.. فئات هشة تستغيث

ماذا تخفي الحرائق "المفتعلة" في تونس؟