أي معنى للقاء الإسلاميين والقوميين في حكومة الفخفاخ؟

أي معنى للقاء الإسلاميين والقوميين في حكومة الفخفاخ؟

ما يجمع الإسلاميين والقوميين ليس خلافهم القديم

حركة النهضة ليست كلّ الإسلاميين ولا حركة الشعب كلّ القوميين، غير أنّ للحزبيْن حضورًا فاعلًا في المشهد السياسي، ومثّل التقاؤهما في حكومة إلياس الفخفاخ حدثًا غير مسبوق في السنوات التسع الماضية. ولم تكن مشاركة سالم الأبيض النائب عن حركة الشعب اليوم والعروبي المستقلّ في حكومة "ترويكا 2" بالأمس لتثير ما يثيره تقاطع الحزبيْن في الحكومة الجديدة.

اقرأ/ي أيضًا: السلطة والثورة والمكان.. قراءة في توزّع السلطة بعد الثورة

تحوّلات عميقة   

يتميّز الحزبان بكونهما سليلي عائلتين فكريتين عريقتين في تونس وفي البلاد العربي، وإنّ مقارنة سريعة بينهما وبين بقيّة الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي ومنها التيار الديمقراطي و"تحيا تونس" تنبّه إلى ما عرفته السياسة في محيطنا والعالم من اتّجاه عام إلى تقلّص حضور الإيديولوجيا التدريجي. وهذا في حقيقته صورة من آثار تيّار العولمة الذي أعاد ترتيب العلاقة بين السياسة والسوق والأحزاب والأيديولوجيا.

حركة النهضة ليست كلّ الإسلاميين ولا حركة الشعب كلّ القوميين، غير أنّ للحزبيْن حضورًا فاعلًا في المشهد السياسي، ومثّل التقاؤهما في حكومة إلياس الفخفاخ حدثًا غير مسبوق في السنوات التسع الماضية

ويمكن أن ننتبه إلى هذا في مسيرة أهمّ الأحزاب من خلال تقلّص حضور الأيديولوجيا التدريجي في أسمائها من النشأة إلى اليوم. فحركة النهضة بدأت تحت اسم "الجماعة الإسلاميّة" صارت "الاتجاه الإسلامي" لتستقرّ عند النهضة، أمّا الحزب الشيوعي فقد غيرّ اسمه إلى "التجديد" ليحطّ عند "المسار"، وتطوّر التجمّع الاشتراكي التقدّمي باتجاه "الديمقراطي التقدّمي" وصولًا إلى "الجمهوري". وهذه الظاهرة تشمل كلّ الأحزاب المعروفة بلا استثناء، وأمّا الأحزاب التي نشأت بعد الثورة فإنّ حضور العلامات الأيديولوجيّة التقليديّة فيها غائب تمامًا.

هذا التحوّل المتأنّي من الأيديولوجي إلى السياسي في مسيرة الأحزاب رافقه تحوّل سريع من السياسي إلى العولمي، فكانت ظاهرة "الألتراس" في الملاعب الرياضيّة صورة من "شبيبة معولمة" تخرج عن التعبير السياسي التقليدي وما يلقاه من قمع من نظام الاستبداد لتصبح تقريًبا الصوت السياسي الوحيد المتحدّي للمنع.

ولم تخرج الشبيبة المنتفضة في الهامش في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 عن هذا التوجّه الجديد، وكانت بصمتها قويّة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة. وحتّى ما سمّي بـ"السلفيّة الجهاديّة" لا تبدو من هذا المنظور أكثر من "إرهاب معولم". فتكون التعبيرات السياسيّة في المشهد السياسي ثلاثًا: أحزابًا عقديّة كالنهضة والشعب، وأحزابًا سياسيّة مرجعها البرنامج كالتيار الديمقراطي، وأحزابًا ظرفيّة مرجعها المصلحة كـ"تحيا تونس" وظواهر سياسيّة معولمة متحوّلة نرى أثرها السياسي ولا نكاد نتبيّن لها هويّة انتظام مجسّدة، ونجد لهذا التوصيف أثرًا في الأحزاب المكوّنة للائتلاف الحكومي الجديد.

خلاف الماضي والمصالحة المفوّتة

ينظر كثير من الطيّبين إلى أنّ اللقاء بين النهضة والشعب قد يكون مدخلًا إلى مصالحة تاريخيّة بين التيّارين، وفرصة لتجاوز الخلاف "الناصري الإخواني"، غير أنّ السياقات الجديدة تكشف عن أنّه لا معنى لمثل هذا فقد انتفت أسباب الخلاف التقليدي إلا على باعتباره "عُقدا سياسيّة" موروثة.

وإنّه ليس بإمكان الجهتين أن تتصالحا أو أن تتخاصما في علاقة بهذا الإرث الخلافي. ولقد اجتمعت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينيّاته شروط التجاوز، أمّا اليوم فإنّ أسباب اللقاء وأسباب التدابر قد تغيّرت جذريًا.

من أسباب الخلاف، كما نراها، غياب وعي الطرفين بطبيعتهما، فهما في تقديرنا عروبيّان: عروبي فشل في حلّ مشكلته مع فكرة الأمّة/الدولة الوافدة من الغرب رغم تشديده على مضمون العروبة الإنساني. وعروبي فشل في فكّ ارتباطه مع الخطاب الشريعي رغم سعيه إلى الفصل بين الدعوي والسياسي وتبشيره بـ"الإسلام الديمقراطي".

يشترك حزبا النهضة والشعب في كونهما حزبين عقديّين رغم درجة الاختلاف في التخفّف من الأيديولوجيا عند كلّ منهما كما اشتركا في كونهما الجهتين اللتين واجهتا دولة الاستقلال من خارج ثقافتها الوطنيّة

والخلاف، كما نراه بين الجهتين، سياسي يشبه الخلاف بين شقيّ حزب البعث في العراق وسوريا، فالبعث الذي نعتبره أنجح عمليّة تعريب للفكرة للماركسيّة يبدو الأجدر بصفة اليسار العربي بمعناه التقليدي. أمّا التيّار الناصري العروبي غير القومي فإنّ تجربته وأدبيّاته، ولا سيّما كتابات عصمت سيف الدولة التنظيريّة، تنبّه إلى أنّه أحد تعبيرات الإسلام السياسي وهو غير التيار السلفيّ بمختلف اتجاهاته. ولم يُغطّ على الناصري حقيقته إلاّ الأفكار الأولى التي لم تحسن التمييز الضروري بين العروبة والمسألة القوميّة كما ظهرت في أوروبا مثلما لم يميّز الإسلامي بين مرجعيّة الإسلام وفكرة الخلافة كما ظهرت في تاريخنا السياسي وترجمتها الرديئة إلى "الدولة الإسلاميّة".

اقرأ/ي أيضًا: جدل "التمثيل" و"الإجماع" في التجربة الديمقراطيّة التونسية

يشترك الحزبان في كونهما حزبين عقديّين رغم درجة الاختلاف في التخفّف من الأيديولوجيا عند كلّ منهما كما اشتركا سابقًا في كونهما الجهتين السياسيّتين اللتين واجهتا دولة الاستقلال من خارج ثقافتها الوطنيّة. واليوم يسلّم الاثنان بالدولة الديمقراطيّة، ويستسلمان في صمت لطبيعتها "القطريّة". فمثلما تنازل الناصري عن " قوميّته" تنازل الإسلامي عن "أمميّته"، بل يبدوان في مشهدنا السياسي الشديد من خلال إطار تنازعهما المجاني على "صفتها المدنيّة" أحرص من مشتقات القديم السياسيّة على "الدولة التونسيّة" التي تنحدر من أطروحة "الأمّة التونسيّة" الشهيرة. وهي الأطروحة التي واجه بها الحبيب بورقيبة القوميين والماركسيين والإسلاميين، ولم يكن يتصوّر أنّ قوميّي الأمس وأمميّيه سيكونون أفضل من يعبّر عنها ويحرص عليه.

شروط اللقاء الجديد وآفاقه

ما يجمع الجهتين ليس خلافهم القديم، ولن يضيف تجدّده أوتصالحهما بشأنه شيئًا يذكر، فقد جرت في نهر المشهد السياسي مياه كثيرة فضلًا عن أنّ المتلقّي لم يعد قابلًا لتبيّن معجمهما السياسي القديم. وإنّ ما يجمعهما أمران مهمّان الأول مقدّمة والثاني نتيجة.

يتمثّل الأمر الأوّل في "المزاج الشعبي العام" الذي عبّرت عنه الانتخابات التشريعيّة، فلئن كانت انتخابات 2014 "موجة" لصالح القديم عاد معها إلى الحكم من أوسع أبوابه، فإنّ انتخابات 2019 تعتبر "موجة" أعادت الجديد إلى الصدارة، رغم التشتيت الحاصل في الكتل البرلمانيّة. وعبّر هذا المزاج العام عن نفسه في فكرة "حكومة الصف الثوري" ومفاوضات دار الضيافة الأولى.  وعاد أثر المزاج الانتخابي واتجاهه العام مع التكليف الثاني لتكون نتيجته حكومة الفخفاخ وائتلافها الحكومي، وهي صورة مكرّرة عن حكومة "الصف الثوري"، وكان أثره أكثر مع الجدل الحاصل بين فكرة التوسيع إلى حكومة وحدة وطنيّة وفكرة الخروج من التوافق إلى الإصلاح.

إذا كان من سبب لتقريب وجهتي النظر وتجاوز الماضي، ففي مهمّة استكمال مؤسسات النظام السياسي وتأسيس الديمقراطيّة وليس للحسم في خلاف عبد الناصر والإخوان

ويتمثّل الأمر الثاني في علاقة الحزبين بشروط تأسيس الديمقراطيّة. فإذا كان من سبب لتقريب وجهتي النظر وتجاوز الماضي، ففي مهمّة استكمال مؤسسات النظام السياسي وتأسيس الديمقراطيّة وليس للحسم في خلاف عبد الناصر والإخوان. إنّ عدم الاجتماع على هذه المهمّة سيكون من أسباب اضطراب الائتلاف الحكومي، ونرجّح أنّ طبيعتهما كما غامرنا بضبطها (العلاقة بالإسلام السياسي ودوره في تأسيس الديمقراطيّة) ستكون غلاّبة.

وهناك مستوى آخر لا يقلّ أهميّة عن أثر المزاج العام ومهمّة بناء الديمقراطيّة وهو فكرة المواطنة وتبلورها في الحياة السياسيّة الجديدة، ومن شأن هذا المفهوم أن يكون مدخلًا إلى مقاربة مواطن الاختلاف في المجال العربي وثورته (ليبيا، سوريا، مصر إلخ)، إلى جانب موضوع المقاومة وعلاقته بالحقّ الفلسطيني (تلازم المقاومة والمواطنة)، واستعادة التلازم بين "إسقاط النظام" و"تحرير فلسطين" في موجة الربيع الثانية في الجزائر والسودان (فرض الصراع الديمقراطي) والعراق ولبنان (مواجهة النظام الطائفي الفاسد).

وهي استعادة ستضيء جانبًا مهمًا من العلاقة مع التحالفات المحليّة (تركيا، إيران ودول الخليج) والمحاور الدوليّة (الولايات المتحدة وروسيا)، وتنبّه إلى أنّ الغاية التي تجري إليها ثورة المجال العربي هي بناء الكيان السياسي العربي الذي امتنع قيامه لسببين هما الاحتلال والاستبداد (الربط بين تحرير فلسطين وإسقاط الاستبداد)، ولا يبقى منطقة فراغ للتدخّل الاقليمي والدولي.

مستوى أخير يتعلّق بدور الحزبين وبقيّة أحزاب الائتلاف الحكومي في علاقة بنقطتين يركّز عليهما بعض الإعلام: خلاف الرئاسة والبرلمان، وآثار المفاوضات وما تركته من جروح، وهناك قصد إلى تعميقهما ليصبحا شرخين قد يقسّم الأوّل منهما الحكومة إلى شق البرلمان وشق الرئاسة. وتمنع استعادة خلافات دار الضيافة وإحيائها إلى ضىب التضامن الحكومي المطلوب للشروع في الإصلاحات العاجلة الضروريّة. وتمثّل الوثيقة التعاقديّة، إذا التزم بها الجميع في خلافاتهم، ضمانة تمنع اختلافات الائتلاف الحكومي وهي اختلافات في الدرجة من أن تصبح اختلافات في الاتجاه.

لم يبق من مبرّر لاستمرار الأحزاب العقديّة إلا لدورها في استكمال الانتقال الديمقراطي، وليس في هذا قول بموت الأيديولوجيا. ويبدو أنّ هذه الأحزاب بصدد آخر مهمّاتها لتحلّ في هويّة جديدة، وإنّ انزياحها إلى أن تصبح من الشروط المضادّة للديمقراطيّة لن يكون إلا تسريعا بنهاية غير مشرّفة، ومثال الجبهة ماثل للعيان.       

 

اقرأ/ي أيضًا:

في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (1/2)

في عيدها التاسع.. المستفيدون التسعة من الثورة (2/2)