عملة القطاع السياحي المسرّحون.. فئات هشة تستغيث

عملة القطاع السياحي المسرّحون.. فئات هشة تستغيث

حالة احتقان وغضب في صفوف عمال القطاع السياحي المسرّحين بسبب أزمة كورونا (ماهر جعيدان/أترا تونس)

 

انطلاقًا من ساحة حقوق الإنسان وسط مدينة سوسة إلى مقر المندوبية الجهوية للسياحة، قبل الاتجاه نحو مقر الاتحاد الجهوي للشغل، تطوف جحافل من العملة المسرّحين من النزل السياحية، وهم أكثر من 300 عاملًا أغلبهم من النساء، في مسيرة غضب احتجاجًا على تسريحهم بسبب أزمة كورونا. إذ يرابط هؤلاء المحتجون منذ استئناف نسق الحياة الاقتصادية في ساحات المدينة، صباحًا ومساءً، رافعين شعارات وطلبات لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم بعد أن تقطّعت بهم السبل.

يطالب العمال المسرّحون في القطاع السياحي بتسوية وضعياتهم الشغلية والحصول على مساعدات اجتماعية ظرفية لمواجهة تداعيات أزمة كورونا

تصنيف تونس من طرف المنظمة العالمية للصحة كوجهة سياحية آمنة، وتوجه وزارة السياحة نحو الاستعداد لاستقبال سياح أجانب ومزيد التشجيع على السياحة الداخلية عدا عن التفاؤل بتغطية جزء من الخسائر الفادحة في السوق السياحية، جميعها مؤشرات لم تجد طريقها إلى هؤلاء العملة الذين يرزحون تحت وطأة البطالة وقلة ذات اليد.

يتمسك المحتجون من العملة الموسميين بعدة طلبات ارتفع سقفها طمعًا في اليسير منها على غرار المطالبة بمنحة شهرية قدرها 300 دينارًا مع التغطية الصحية إلى حين استئناف العمل، والقطع مع ظاهرة التشغيل الهش، وإعادة الانتداب في الوحدات الشغلية بعقود شغل محترمة، وتمكين العمال من عقود شغل معرّفة لدى المصالح البلدية مع تطبيق كل الاتفاقيات المتعلقة بشروط وظروف العمل حتى تتوقف مآسي الاستغلال الفاحش. كما يطالب العمال بتحيين المنح الاجتماعية وترفيعها إلى 150 دينارًا للطفل الواحد وتحيين مقدار الخطية الشغلية وترفيعه إلى 5000 دينارًا.

اقرأ/ي أيضًا: الكورونا تعمّق أزمة المهن الهشة في تونس.. بطالة وديون

هذه المجموعة من الطلبات رفعها المحتجون ضمن مطلب تم توجيهه إلى وزير الشؤون الاجتماعية عن طريق والية سوسة، وقد ارتفع سقف المطلوب إلى درجة المطالبة بمصادرة الدولة للنزل المتعثرة لتأهيلها وإعادة تشغيلها، وإجبار أصحاب النزل على احترام المواصفات لتحسين جودة المنتوج واستعادة الأسواق الأوروبية الغربية، العمود الفقري للقطاع السياحي في تونس.

ولاقت هذه المطالب تجاهلًا شديدًا من السلط، فلم يتمكن المحتجون من التوصل إلى أي اتفاق مع ممثل السلطة الجهوية، المتمثلة في الولاية، أو السلط الإدارية، متمثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، وأيضًا مع المشغلين من أصحاب النزل ومسيريها الإداريين. لتكشفت هذه الاحتجاجات عن قطاع مهمش وغير منظم يعيش على هامش قوانين الشغل.

رجاء العقربي (عاملة): نشكو أزمة مادية حادة

التقى "ألترا تونس"، في هذا الإطار، إحدى العاملات المسرحات، رجاء العقربي، التي أكدت أن همّ هؤلاء العملة واحد، وأن أغلبهم يشكو معاناة اجتماعية وأزمة مادية حادة، مبينة أن أغلب المسرحين من النساء العاملات في التنظيف والخدمات الفندقية ولا يتمتعون بعقود شغل قانونية.

رجاء العقربي (عاملة مسرّحة): أغلب المسرّحين من النساء العاملات في التنظيف والخدمات الفندقية ولا يتمتعون بعقود شغل قانونية

وأضافت، في هذا الإطار، أن أغلب العملة يمضون على وثائق لا يعرفون مضمونها التعاقديّ، ولا يتسلمون نسخًا أو نظائر منها. كما لا يتمتع أغلب العملة الموسميين بتغطية اجتماعية أو بطاقة العلاج ناهيك عن استغلالهم في العمل لمدة ستة أشهر فقط ثم يركنون إلى الراحة الإجبارية دون خلاص أو منح تعويض، وفق تأكيد محدثتنا.

وأضافت رجاء قائلة: "نحن العمال الموسميون متمسكون بتسوية وضعياتنا الشغليّة. نحن بصدد إعداد قائمات المتضررين لتمكين السلط الجهوية منها على أمل المصادقة على منح ظرفية لمجابهة الأزمة".

يطالب العمال المسرّحين بتسوية وضعياتهم والقطع مع التشغيل الهش (ماهر جعيدان/ألترا تونس)

 

هم عملة ضحايا هشاشة سياسات التشغيل في قطاع السياحة، عجزت السلط المركزية والجهوية عن التدخل الفوري لفائدتهم مع غلق الأعراف لباب الحوار مع أجرائهم. هي أزمة تحتّد لا تخفي الأزمة الهيكلية لقطاع السياحة خاصة في ظل نزل مصادرة، وأخرى متعثرة، وثالثة تنشط ولكنها عجزت عن مجاراة أزمة جائحة كورونا.

قدرت الجهات الرسمية خسائر القطاع السياحي في حدود ستة مليار دينار وفقدان نحو 400 ألف وظيفة، كما قدرت خسائر وكالات الأسفار بـ3000 مليون دينار، هي أرقام مرعبة، من الوارد تفاقمها، تكشف مصاعب مالية ضخمة أمام محاولات إنقاذ الموسم السياحي الحالي.

 

ففي الساحل التونسي، تحولت المنتجعات السياحية إلى مدن أشباح وتوقفت كافة الخدمات المتعلقة بها، وخلت الحركة إلا من بعض النزل المسخّرة للحجر الصحي الإجباري. فما عجزت عن فعله الأزمة الاقتصادية خصوصًا عام 2011 والموجة الإرهابية عام 2015، فعلته أزمة كورونا عام 2020.

اتحاد الشغل على الخط

اتصلنا بعضو المكتب الجهوي لاتحاد الشغل بسوسة لاستبيان موقف المنظمة الشغيلة، لتخبرنا سنية العقربي "أننا نعيش أصعب الأزمات في تونس" مشيرة إلى أن المحتجين المتجمهرين في باحة مقر الاتحاد الجهوي للشغل هم عملة مطرودون لا عقود لهم ولا تغطية اجتماعية، وأغلبهم غير مرسمين لدى هياكل الاتحاد مضيفة: "هؤلاء أفرزتهم هذه الأزمة، ونحن في الاتحاد نعتبر أنفسنا حاضنة لهذا الشعب".

اقرأ/ي أيضًا: تونس وضرورات سياسة اجتماعية من "خارج الصندوق"

وأوضحت أنه توجد فئتان من النزل السياحية، مهيكلة وغير المهيكلة، مشيرة إلى إبرام محاضر جلسات في عدة نزل بين الطرف النقابي من جهة والمؤجرين من جهة أخرى، مع عقد اتفاق وطني بين جامعة النزل وجامعة الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في المنظمة الشغيلة والحكومة يقضي بخلاص شهر أفريل/نيسان بنسبة 65 في المائة مع التمتع بمنحة 200 دينار من الدولة.

سنية العقربي (الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة): فتحنا قنوات اتصال لحلحلة المشاكل الشغلية وأصحاب نزل ينهون عقود العمل تعسفيًا

وأقرت محدثنا أن عدة نزل في سوسة تمتعت بمنحة 200 دينار مقابل عدم تمتع نزل أخرى، وهو أمر يعود، وفقها، إلى وزارة الشؤون الاجتماعية التي تقرّر حسب وضعية كل نزل وما يعانيه من مشاكل خاصة المتهربة منها ضريبيًا وذات الملفات المثقلة بالتتبعات الإدارية. وتعتبر، في هذا الجانب، أن إجابة وزارة الشؤون الاجتماعية غالبًا ما تكون غير واضحة وغير معللة بالنسبة إلينا، وفق قولها.

مراسل "ألترا تونس" مع سنية العقربي ممثلة الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة

 

وذكرت سنية العقربي، ممثلة الاتحاد الجهوي للشغل في سوسة، أمثلة عن وضعية النزل بالجهة ومن بينها تمتع نزل مصادر، يضم 160 عاملًا، بمنحة 200 دينار رغم ما يعانيه من مشاكل معقدة قضائية ومالية وهذا يعتبر استثناء، في حين أن نزلًا آخر وسط سوسة أصرّ على عدم خلاص عملته رغم عديد الجلسات المحررة بين المؤجر والطرف النقابي.

وأشارت، في جانب متصل، إلى النزل التي لم تتوقف عن العمل خلال جائحة الكورونا باعتبارها تأوي المواطنين العائدين من الخارج في الحجر الصحي الإجباري، وقد تمتعت بأجرة تقدر بـ45 دينارًا على إقامة ليلة واحدة للفرد الواحد تستخلص من الدولة، ولكن رغم ذلك، تقول محدثتنا، يرفض أصحاب هذه النزل خلاص مؤجريهم وينهون عقودهم تعسفيًا. وتضيف أنه بعد الإعلان عن الحجر الصحي الإجباري المباشر وخلاص النزل مباشرة من الحريف بسعر يتراوح بين 60 و100 دينارًا، لا يزال يصّر أصحاب هذه النزل على حرمان العملة من التمتع بحقوقهم "وهذا ما أثار استيائنا، وقد فتحنا مجددًا قنوات الاتصال لحلحلة هذا المشاكل الشغلية".

هي أزمة اقتصادية خانقة استتبعتها أزمة اجتماعية جراء جائحة كورونا أصابت القطاع السياحي بالشلل، رافقها انعدام الثقة بين المتدخلين في القطاع لإيجاد حلول وقتية ناجعة عدا عن البحث عن الحلول الجذرية الاستراتيجية. ولكن تبقى الحلقة الأضعف، في هذه الأزمة المتفاقمة التي لازالت تبحث عن حل، هي الفئة الهشة من العملة الموسميين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يؤثر إفلاس "توماس كوك" على السياحة التونسية؟

سكان الأرياف.. "كورونا" ضاعفت معاناتهم وعمّقت عزلتهم