ماذا تخفي الحرائق

ماذا تخفي الحرائق "المفتعلة" في تونس؟

تؤكد معطيات أولية أن حرائق سوق الحفصية وقاطرة الفسفاط تكتسي صبغة إجرامية (صورة توضيحية/ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

ونحن نكتب هذه الأسطر ربّما قد اندلع حريق التهم تعب فلاح زرع الأرض بالساعد وسقاها بالصبر والانتظار، أو ربما هي تأكل بناء ليتهاوى أو تحرق رزق بسطاء كتلك الأرزاق التي احترقت في سوق الحفصية بالعاصمة أو مصنع الورق بالنفيضة أو قاطرة نقل الفسفاط في قفصة وغيرها.

انطلقت سلسلة الحرائق هذا العام باكرًا في مناطق مختلفة وفي فترات متقاربة وشملت مصانع وأراض ومحلات تجارية

وليس بالجديد أن تستقبل البلاد فصل الصيف بسلسلة من حرائق تثير الجدل دائمًا بين من يعتبرها نتيجة ارتفاع درجة الحرارة وبين من يعتبرها عملًا إجراميًا بفعل فاعل، لكن سلسلة الحرائق هذا العام انطلقت باكرًا وقبل حتى تسجيل ارتفاع كبير في درجات الحرارة، كما اندلعت في مناطق مختلفة وفي فترات متقاربة وشملت مصانع وأراض ومحلات تجارية وغيرها.

عينة من الحرائق

أولى الحرائق اندلعت في سوق الملابس المستعملة بالحفصية بالعاصمة يوم 13 ماي/أيار أتت على 30 محلًا لبيع الملابس المستعملة "الفريب"، واستغرقت عملية إطفائها أربع ساعات من جهود الحماية المدنية. بعدها بيوم واحد، اندلع حريق بمصنع للمناديل الورقية بمعتمدية النفيضة في سوسة، وقد أتى على مخزون المواد الأولية لهذا المصنع. ونظرًا لسرعة انتشار الحريق بسبب هبوب رياح قوية وساخنة ساهمت في تأجيج النيران، تم الاستنجاد بطائرة عسكرية، فيما لا تزال أسباب هذا الحريق مجهولة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد الأعمال التخريبية الأخيرة.. متى يقع حلّ أزمة نقل فسفاط قفصة؟

في نفس اليوم، نشب حريق في غابة دار شيشو بالهوارية التابعة لولاية نابل، وقد أكد المدير الجهوي للحماية المدنية في نابل لطفي بن علية أنّ الحريق انتشر على قرابة 10 هكتارات من المساحة الغابية.

كما تمكنت فرق الإطفاء التابعة للديوان الوطني للحماية المدنية من إخماد حريق أتى على 4 هكتارات من الأشجار الغابية بجبل نينو التابع لسلسلة جبال بوقرنين بمنطقة برج السدرية في ولاية بن عروس ومنع انتشاره إلى باقي أرجاء السلسلة الجبلية.

لم تأت هذه الحرائق على الأراضي أو المصانع فقط بل شملت معدات عمومية على غرار حرق قاطرة لنقل الفسفاط، بقيمة 7 مليون دينار، بقفصة يوم 15 ماي/أيار الماضي.

معطيات أولية عن حرائق مفتعلة

هذه الحرائق ليست إلا عيّنة من جملة الحرائق التي نشبت في أوقات متقاربة وفي عدّة جهات مؤخرًا. وقد أكد العميد معز تريعة الناطق الرسمي باسم الحماية المدنية في تصريحات إعلامية تسجيل 723 حريقًا منذ بداية شهر ماي/أيار إلى غاية 20 من الشهر ذاته، ومنها حرائق مهمة وأخرى مسجلة في مناطق صغيرة لم تخلف أضرارًا كبيرة.

وأكد فتح تحقيق عدلي وأمني حول أغلب الحرائق لتحديد أسبابها، ووضع المعطيات على ذمة السلط الأمنية، مبينًا أن الأيام القادمة ستكشف أسباب الحرائق.

غير أن أخطر ما ورد في تصريحاته هو تأكيده أن المعطيات الأولية تفيد بوجود شبهات بأن عددًا من الحرائق مفتعلة خاصة بالنسبة لحرائق قاطرة الفسفاط ومصنع الورق وسوق الملابس المستعملة في الحفصية بالعاصمة.

تفيد المعطيات الأولية بوجود شبهات بأن عددًا من الحرائق مفتعلة خاصة بالنسبة لحرائق قاطرة الفسفاط ومصنع الورق وسوق الملابس المستعملة في الحفصية

من جهتها، أكدت إدارة الغابات أنّ الحرائق المسجلة بالغابات بلغت منذ بداية العام 35 حريقًا وقدرت مساحتها بـ55.5 هكتار مشيرة إلى أنّ أسباب الحرائق تتوزع بنسبة 4 في المائة نتيجة عوامل طبيعية أي ارتفاع درجات الحرارة، و3 في المائة بفعل فاعل أي متعمدة وتكتسي صبغة الجريمة، أما العوامل الرئيسية في نشوب الحرائق تكون بفعل الإنسان دون قصد وتصل إلى نسبة 96 في المائة.

سلسلة الحرائق المشبوهة والمتزامنة، التي أثارت اهتمام الرأي العام، مثلت أحد محاور لقاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد رئيس الحكومة بإلياس الفخفاخ بتاريخ 19 ماي/أيار، وقد أكد بلاغ لرئاسة الجمهورية، إثره، على تأكيد العزم على تحميل المسؤولية لمن يثبت تورطه في اندلاع هذه الحرائق.

حلول غير مفعلة

وككل سنة تطرح مسألة حماية المحاصيل الزراعية عدّة أسئلة حول الفشل في الحفاظ على أرزاق الفلاحين لا سيما هذا العام بعد أزمة فيروس كورونا وتقييد حركة توريد وتصدير المنتجات الغذائية في العالم لاسيما الحبوب. وقدّم متدخلون في القطاع الفلاحي خلال السنوات الأخيرة جملة من الحلول لتفادي الحرائق لا سيما في محاصيل الحبوب باقتراح تقسيم الأراضي المزروعة إلى قطع لمنع انتشار النيران في حال نشوب حريق. كما اُقترح توفير كميات من المياه أو صهاريج مجهزة بمحراث لإطفاء النيران.

اقرأ/ي أيضًا: هل تنقذ الأمطار الأخيرة الموسم الفلاحي من الإجاحة؟

وأعلنت وزارة الفلاحة، منذ زمن الحكومة السابقة، عن تسخير طائرة دون طيار "الدرون" لحراسة المحاصيل الزراعية ومراقبة المساحات الزراعية الكبيرة في خمس ولايات في البلاد، مبينة وقتها أنها تناقش مسألة استخدام هذه الطائرات لمراقبة الحرائق ومجابهتها بالتنسيق مع وزارة الداخلية. وكلفت 40 مختصًا لتسيير هذا النوع من الطائرات، ممن خضعوا لتدريب مع وكالة التعاون الكوري الجنوبي في إطار تنفيذ مشروع استخدام القطاع الفلاحي للطائرات المسيرة لا سيما في مجال الزراعات.

بشير الفايدي، وهو فلاح في ولاية سليانة، يقول لـ"ألترا تونس" إن أغلب الفلاحين لم يلتزموا بفكرة ضرورة تقسيم الأراضي الفلاحية تفاديًا لانتشار الحرائق في حال نشوبها في أرض زراعية". وأضاف أنّ العديد من الفلاحين اليوم يقومون بحماية وحراسة زراعاتهم خصوصًا ليلًا مخافة حرقها.

وأكد أنّ أغلب الفلاحيين على قناعة تامة بأنّ 90 في المائة، من حرائق المحاصيل الفلاحية مدبرة وبفعل فاعل خدمة لمصالح موردي الحبوب معتبرًا أن عدة فلاحين على بينة من ذلك رغم أنّ التحقيقات في أغلب الحرائق غالبًا ما يقع طمس نتائجها حتى وإن تمّ القبض على بعض فاعليها.

وأوضح، محدثنا في جانب متصل، أنه لم يقع اعتماد الطائرات دون طيار "الدرون" لمراقبة المحاصيل والغابات من الحرائق، وفق ما أعلنت عنه وزارة الفلاحة.

عقوبات وخطايا

وأصدرت وزارة الفلاحة، مؤخرًا، بلاغًا ذكّرت فيه على أنّه "يعاقب كلّ من جلب أو أوقد النار خارج المساكن وبناءات الاستغلال بداخل الغابات أو بالأراضي المغطاة بالنباتات الغابية و على بعد 200 متر منها. وكل من أضرم النار وحرق الهشيم والنباتات الغابية الشعراء و النباتات الأخرى مهما كان نوعها من أول ماي إلى 31 أكتوبر وذلك على مسافة 500 متر من جميع الغابات أو الأراضي المكسوّة بالنباتات الغابية الشعراء، بخطيّة يتراوح مقدارها بين 50 دينار إلى 150 دينار و بالسجن من 16 يوم إلى 3 أشهر أو بإحدى العقوبتين فقط و عند العود يتحتم الحكم بالسّجن".

بشير الفايدي (فلاح من تونس): يقوم العديد من الفلاحين اليوم بحماية وحراسة زراعاتهم خصوصًا ليلًا مخافة حرقها

كما ذكّر البلاغ على أنّه "إذا تسرّب الحريق للغابات من جرّاء المخالفة يُعاقب الفاعل بالسّجن لمدّة تتراوح بين 3 أشهر إلى عامين بقطع النظر عن الغرامات. كما تُسلّط على كلّ من تعمّد أو حاول مباشرة أو بطريق التسرّب إيقاد النار بالغابات أو المراعي الخاضعة للغابات العقوبات المُقرّرة بالفصل 307 من المجلة الجزائية".

وفيما يتعلّق بالحرائق في الضيعات والمزارع الفلاحية، "يُعاقب بالسجن مدة 12 عامًا من أوقد النار مباشرة أو تعريضًا إما بزرع أو غراسات أو بتبن أو مُتحصّل صابة مُعرّم أو مُكوّم وإمّا بحطب مُعرّم أو مُرتّب أمتارًا مكعبة. ويكون العقاب بالإعدام إذا نتج عن الحريق موت. كما يعاقب المعتدي بالسجن مدة 20 عامًا إذا كانت الأماكن التي أُحرقت غير مسكونة أو غير مُعدّة للسّكن".

أسئلة عالقة

إن أغرب ما يدعو إلى التساؤل اليوم هو عن أسباب عدم تفعيل قرارات وزارة الفلاحة المُعلنة على غرار استعمال طائرات "الدرون" لحماية أرزاق الفلاحين وتفادي الحرائق، إلى جانب عدم الترفيع في عدد حراس الغابات. كما يُطرح السؤال حول عدم الكشف عن أي نتائج لتحقيقات سابقة بخصوص أسباب الحرائق وفاعليها تحديدًا الحرائق في الغابات والمزارع لا سيما تلك التي ثبت تورط أشخاص في إضرامها.

كما يبقى السؤال مطروحًا حول غياب توصيات اللجان الجهوية لتفادي الكوارث من أجل تجنّب الحرائق التي تهدد المحاصيل الزراعية سنويًا لا سيما هذا العام في ظل تداعيات أزمة الكورونا على العديد من الفلاحين وصعوبة توريد القمح بالكميات اللازمة نتيجة ما يشهده العالم من توقف في الإنتاجية بسبب الجائحة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

إثر دعوات لتغيير الدستور وحل البرلمان.. مخاوف من المطالب "المشبوهة"

أمام تحديات الموسم الفلاحي.. اختبار صندوق التعويض عن الجوائح الطبيعية