حصائر السمار في نابل.. حرفة تواجه الاندثار رغم رواج المنتوج

حصائر السمار في نابل.. حرفة تواجه الاندثار رغم رواج المنتوج

الجلوس على حصائر السمار يريح الظهر ويعالج الربو لأن نبتة السمار مضادة للحساسية (مريم النصري/ألترا تونس)

 

يفترش قطعة من الجلد على الأرض ليثني ساقيه متربّعاً حتى لا تعرقله خلال نسج الحصير، ثم يمرّر أغصان نبتة السمار بطريقة أفقية بين خيوط متوازية، لتشكيل شكل وحجم الحصير الذي ينسجه. هو في العقد الثالث من العمر، يبدو أنه أصغر حرفي في ذلك الدكان لصناعة الحصائر، الحرفة التي بدأت تندثر على غرار العديد من الحرف التقليدية الأخرى في تونس بسبب عدم إقبال الشباب على تعلّمها وامتهانها.

يقول محمّد، هذا الحرفي الشاب، لـ"ألترا تونس" إنّه تعلّم الحرفة منذ قرابة عشر سنوات لم يرثها هو عن والده ولكنّه تعلّمها عن كبار الحرفيين بالمنطقة. وأكد أنّها حرفة "متعبة نوعًا ما وأكثر ما يتعب فيها هي طريقة تلك بالساعات مما يخلّف آلامًا في الظهر" ولكنه شدّد، في الآن ذاته، أنها حرفة توفر مداخيل لا بأس بها وتشهد رواجًا كبيرًا في عدّة جهات.

تنتشر حرفة نسج حصائر السمار في مدينة نابل (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

وتقع أشهر دكانين حرفي الحصائر في نابل على بعد أمتار من وسط المدينة قرب السوق الشهيرة للمدينة. وتعدّ صناعة الحصير من نبات السمار من أشهر الصناعات التقليدية في المنطقة وقد توارثها جيل بعد جيل، وقد عرفت أوج عطائها قبل أكثر من قرن. ومنذ نشأتها، يعمل عديد أهالي المنطقة من شيوخ وشباب ونساء ليلاً نهارًا لتوفير طلبيات التوزيع في كامل البلاد وحتى في الخارج نظرًا لجودة المنتوج والإقبال الكبير عليه.

ولكن في ذلك الشارع الذي اشتهر بصناعة حصائر السمار على امتداد عقود، لم تبقى اليوم سوى بعض الدكاكين الصغيرة التي تُشغّل حرفيين اثنين أو أربعة على أقصى تقدير في الدكان الواحد وذلك بعد أن كانت الدكاكين تضم عشرات الحرفيين.

اقرأ/ي أيضًا: النسيج اليدوي.. يوفى مال اليد وتبقى صنعة الجد

هذه مراحل إعداد حصيرة السمار

وتعدّ نبتة السمار من بين الأعشاب البرية التي تنبت في بيئة رطبة على حافة الأودية وفي المستنقعات، وتنتشر في العديد من المناطق في تونس خاصة بالشمالين الشرقي والغربي للبلاد حيث تنتشر الأودية. ويصل طول النبتة أحيانًا إلى المتر الواحد، ويعمل في جمعها العديد من الأشخاص بما في ذلك الأطفال منذ بداية شهر جوان/يونيو وحتى شهر سبتمبر/أيلول قبل موسم الشتاء من كل عام. وهي تُباع كما هي إلى الحرفيين في شارع "السمايرية" كما يسمى نسبة لصنّاع الحصائر من السمار.

تعدّ نبتة السمار من بين الأعشاب البرية التي تنبت في بيئة رطبة على حافة الأودية وفي المستنقعات وتُجمّع بين جوان وسبتمبر من كل عام

و يقوم العمال في الدكاكين بفرز نبتات السمار حسب طولها وسمكها ولونها قبل نسجها، ثمّ تُجمع في حزم صغيرة في أماكن بها تهوية حتى تجف لمدة أسبوعين أو أكثر إلى أنّ يتحوّل لونها إلى أصفر. ولاحقًا، تُصبغ بعض حزم تلك النبتة بالأزرق أو الأحمر أو الأخضر، وهي الألوان التي تشكل بعض الرسومات على الحصائر خاصة التي تباع للمساجد.

يقوم العمال في الدكاكين بفرز نبتة السمار حسب طولها وسمكها ولونها قبل نسجها (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

ويتكوّن منسج الحصير من قطعتين من الخشب متساويتين تثبتا بطريقتين أفقيتين بأعمدة صغيرة كالأوتاد تدق بالأرض خصيصًا لهذا الغرض. وتشد تلك القطع الخشبية الخيوط الرقيقة بطريقة أيضًا متساوية تمرّ عبر قطعة من الخشب ذات ثقوب متساوية توزيعًا بشكل متساو.

ويمررّ الحرفي نبتة السمار البيضاء الميالة إلى اللون الأصفر لمكوثها مدة طويلة في الماء لتقوى وتلين ليسهل تمريرها بين تلك خيوط الكتان لنسج خطوط مستقيمة، ويشكّل من خلالها شكل الرسوم التي يحفظها عن ظهر قلب دون الحاجة إلى بسط رسم أمامه للنسج عليه.

اقرأ/ي أيضًا: صناعة الأحذية.. حرفة تواجه الاندثار في تونس

عمر ضيف الله (حرفي): طلبيات من الخارج ويد عاملة قليلة

التقى "ألترا تونس" بالحرفي عمر ضيف الله، الذي يبلغ من العمر 75 سنة، وهو احترف صناعة الحصير منذ سن ستة سنوات أي منذ نشأته ببيت والده الذي كان يمتلك ثلاثة دكاكين لصناعة الحصير. ارتاد بعض الكتاتيب لتعلّم القراءة والكتابة وكان يقضي بقية اليوم في دكان والده يساعده على تصفيف نبتة السمار أو صبغها بالألوان أو القيام بأعمال تناسب سنّه.

عمر ضيف الله (حرفي): كلّ شيء متوفر سواء المادة الأولية أو المحلات لصنع الحصائر ولكن اليد العاملة غير متوفرة نظرًا لعزوف الشباب عن تعلّمها 

ثم منذ بلوغه سنة الثالثة عشر، تعلّم أبجديات النسيج العادي عبر تمرير نبتة السمار بين الخيوط دون إتقان رسم أي من الرسومات التي نجدها في السجاد أو الحصير، ولكن بعد التعوّد على النسج انتقل إلى مرحلة إتقان الرسوم وهي بسيطة الشكل كما يقول.

وقد مرّ على إتقان العم عمر هذه الحرفة أكثر من خمسين سنة، وشهد على أوج عطائها منذ سنوات مضت، لكنه يشهد اليوم على اندثارها من ذلك الشارع الشهير بسبب انتشار صناعة السجاد والموكيت وحتى الحصائر البلاستيكية.

ويقول محدثنا إنّ حصائر السمار أو تلك التي تصنع من نبتة الحلفاء مازالت مطلوبة بشكل كبير خصوصًا في المساجد أو الحمامات، وقد يًطلب منها طلبية كبيرة جدًا لتصديرها إلى الخارج خاصة إلى إيران.

يعمل العم عمر ضيف الله في حرفة نسج حصائر السمار منذ 50 سنة (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

ولكن أشار العم عمر إلى قلة اليد العاملة التي لا تمكن من توفير الكميات المطلوبة. وأضاف، في حديثه لـ"ألترا تونس" في هذا الجانب قائلًا "كلّ شيء متوفر سواء المادة الأولية أو المحلات لصنع الحصائر ولكن اليد العاملة غير متوفرة نظرًا لعزوف الشباب عن تعلّمها رغم أنّها توفر مداخيل هامة للعامل الواحد لا تقلّ عن دخل موظف بسيط".  

وتُعرف حصائر السمار بكونها تعالج آلام الظهر ولها وظيفة وقائية من أمراض "الربو" وضيق التنفس لأن نبتة السمار ثبت أنه مضاد للحساسية، كونها تقوم بغربلة الأتربة إلى الأسفل وتمنعها من الصعود إلى الأعلى. كما أنها تلطف الحرارة في الصيف وتوفر الدفء في الشتاء، إلا أنّ المستهلك التونسي عزف عن هذه الحصائر التقليدية متجهًا إلى حضائر البلاستيك والمفروشات الحديثة وذلك رغم ارتفاع ثمنها مقارنة بحصائر السمار.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

صناعة الأواني الخشبية: عادة قديمة وتجارة تزدهر في المواسم الكبرى

خالد بن جبارة.. صانع صناديق يستنطق المسامير والخشب