الإرث الأمازيغي في نابل.. عن الفخار وسرّ قوة

الإرث الأمازيغي في نابل.. عن الفخار وسرّ قوة "النابلية"

تنكشف خبايا الإرث الأمازيغي في نابل خاصة في أسماء مدنها ولهجتها وأكلاتها (أميمة خمومة)

 

لم تتوقع أميمة وهي تأخذ طريقها باتجاه إحدى غابات ولاية نابل للتخييم أن تجد جذور أمازيغ الجنوب ممتدة ومتأصلة في هذه المنطقة وماثلة في حاضرها. تروي أميمة دهشتها حينما رأت إحدى العلامات المرورية قد كتب عليها اسم قرية "تامزراط" فهي لم تكن تعرف من قبل بوجود "تامزراط"، ومن فرط دهشتها أوقفت السائق مباشرة لتنزل وتكتشف القرية بنفسها.

أميمة خمومة رئيسة جمعية "تامورت انو" للثقافة الأمازيغية تؤكد في حوارها لـ"ألترا تونس" أن نظريات عديدة تشير أن "تامزراط" قد وجدت قبل "تمزرطت" المدينة الأمازيغية المتجلية أثارها إلى الآن في ولاية قابس.

مدينة تامزراط في ولاية نابل (أميمة خمومة)

اقرأ/ي أيضًا: فيضانات نابل آخرها.. أكثر 10 فيضانات دمارًا في تاريخ تونس منذ القرن العشرين

وتضيف أن بعض المؤرخين يرجحون أن تكون "تمزرطت" هي وجهة سكان "تامزراط" بعد أن اضطروا إلى الهجرة إلى الجنوب ابتعادُا عن الخطر القادم من البحر وأملُا في عيش أكثر استقرارًا.

بعودتنا إلى أسماء قرى ومدن نابل، نكتشف بمعية الباحث في التاريخ والرئيس السابق للجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، محمد خلف الله، أن أغلب مدن الولاية تحمل أسماء أمازيغية على غرار "تامزراط" التي تعني الأرض التي ترى من بعيد، و"أزمور" التي تعني الزيتون إلى جانب مدن أخرى مثل "تاكلسة" و"تازركة".

تتميز ولاية نابل بتراثها الأمازيغي الظاهر أساسًا في عدد من  مدن الولاية إضافة للعادات المتوارثة عبر الأجيال

ويشير محمد خلف الله في حديثه معنا إلى أن أسماء القرى التي يُستعمل فيها حرف التاء ولا نجد لها معنى واضحًا هي أمازيغية وقد سميت كذلك منذ آلاف السنين. ويقول إنه رغم ضياع المعنى بخصوص جزء كبير منها، ظلت التسمية هي نفسها لقدمها.

فخار نابل.. أمازيغي بالأساس

يؤكد الرئيس السابق للجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، بخصوص التراث المادي الأمازيغي في ولاية نابل، أن فخار نابل الذي تشتهر به المدينة إلى الآن يعود إلى الأمازيغ الذين استوطنوا الأطلس الظاهري والذي تنتهي سلسلته بجبل "سيدي عبد الرحمان" بولاية نابل.

ويضيف أن الفخار الذي يصنع في جربة كذلك هو نتاج للعلاقات التي كانت بين الجهتين والتي شملت هجرة في الاتجاهين وتبادلًا ثقافيًا مكثفًا. إذ كان الفخار عملة ذات قيمة ومكسبًا ماديًا نظرًا لاستعمالاته في حفظ الغذاء والماء وتقديم الطعام.

تشتهر مدينة نابل بفخارها الذي يعود إلى الأمازيغ حين استوطنوا الأطلس الظاهري (Getty)

وتظهر المعالم الأمازيغية في نابل إلى الآن في طريقة البناء، كذلك، وتحديدًا طريقة تشييد أسقف المنازل وفق الشكل الدائري والذي يسمى "الكامور". وهي تقنية أمازيغية منتشرة في كامل الولاية من الحمامات وحتى الهوارية ولا نجد شبيهتها إلا في القصور في تطاوين، وفق ما يؤكده محدثنا.

ولوجوه النسوة الريفيات وثيابهن نصيب كبير من هذا الإرث المتأصل، فالوشم مثلًا يرتبط بثلاثة جوانب رئيسية هي الجانب الديني الاعتقادي، والجانب الجمالي والجانب الاجتماعي.

ويشير محدثنا محمد خلف الله إلى أن الغرض من الوشوم التي نجدها إلى الآن على وجوه النسوة هي إما لدرء العين والحسد، أو لتزيين المرأة، أو بغرض تمييزها من أي عرش أو قبيلة.

وفيما يتعلق باللباس، لا يزال "النوابلية" (سكان نابل) وخصوصًا في الأرياف متشبثون بالبرنوس والقشبية بالنسبة للرجال، والمالية الصوفية التي تغطي الرأس والكتفين بالنسبة للمرأة.

اقرأ/ي أيضًا: الوشم في تونس.. من سردية القبلية إلى روايات الذات

ممارسات ثقافية أمازيغية

ولئن لا تزال قرى كثيرة من ولاية نابل وفية لتقاليد "العولة" وتقاسم المهام كفعل اجتماعي تضامني بين الرجال والنسوة، فذلك لأنه إرث أمازيغي بحت. فالولاية التي اشتهرت بتجفيف الفلفل وعجن الهريسة اكتسبت ذلك منذ آلاف السنين من سكانها الأمازيغ الذين دأبوا على "التويزة" كمبدأ تضامني.

محمد خلف الله (باحث في التاريخ): ما لا يعرفه كثيرون هو أن العصبان أكلة أمازيغية لم توجد عند أي شعوب أخرى وقد ورثناها جميعًا اليوم

و"التويزة" هي إحدى الملامح الرئيسية في النشاط الاجتماعي الأمازيغي، وقد ظهرت قديمًا عند الرجال الذين امتهنوا الفلاحة عبر تقاسم أعباء الزراعة والحصاد، كما ظهرت لدى النسوة في تحضير "العولة" من كسكسي ومحمصة وفلفل وبهارات تشتهر بها الولاية إلى يومنا هذا.

وهنا يؤكد محمد خلف الله لـ"ألترا تونس" على بصمة الأمازيغ في حياة "النوابلية" وجميع التونسيين من خلال مأكولات مخصوصة أهمها الكسكسي والمحمص، و"لكن ما لا يعرفه كثيرون هو أن العصبان أكلة أمازيغية لم توجد عند أي شعوب أخرى وقد ورثناها جميعًا اليوم" كما يشدّد محدثنا.

"جلوة العروس" مشهد يتكرر في كل الأعراس في نابل وغيرها، دون أن يعرف الغالبية جذوره فيما يتضح أنها تجسيد للآلهة "تانيت"، آلهة الخصب والرضاعة التي عبدها الأمازيغ ذات حقبة، فقد دأبوا على تجسيدها ليلة زواج بناتهم باعتبارها ستتحول إلى امرأة مرضعة تيمنا بالآلهة.

لعب الأطفال وتمثلاتهم

إذا ما تأخر المطر في الخريف فإن الأطفال، وقد كنا منهم، يخرجون إلى الطرقات حاملين خشبة تعلق عليها قطعة قماش يطوفون بها على منازل الحي لرشها بالماء طلبًا للمطر، تسمى هذه العادة "امك طمبو" وهي أمازيغية.

كتقليد أمازيغي آخر، يرمي الأطفال الصغار بأسنانهم التي ستستبدل إلى الشمس حتى تصير السن القادمة أجمل من سابقتها وحتى لا تتأخر في الظهور. وهي كذلك عادة أمازيغية قديمة انبثقت من عبادة الأمازيغ للطبيعة. 

اقرأ/ي أيضًا: آثار تونس.. معالم تختزل التاريخ وتعاني التهميش

اللهجة والمصطلحات

يقول محدثنا الباحث في التاريخ محمد خلف الله أن كثيرًا من العبارات الأمازيغية لا تزال حاضرة في الخطاب اليومي في ولاية نابل دون غيرها من الأماكن على غرار كلمة "الخدمي" التي تعني السكين.

وذلك كما عبارات أخرى تنتشر في مناطق من تونس والمغرب العربي مثل "كرومة" "قرجومة" و"مسلان" علاوة على أن كلمة النفي الأساسية في نابل هي "أهأه" وهي علامة نفي موروثة عن الجدود الأمازيغ.

عبارات أمازيغية لا تزال حاضرة في الخطاب اليومي للنوابلية (أميمة خمومة)

المرأة النابلية

يعرف عن "النوابلية" سلطة المرأة ومكانتها في العائلة خصوصًا المرأة الكبيرة في السن، هذا الدور الكبير للمرأة لم يأت من فراغ كما يؤكد خلف الله، خصوصًا بعلمنا أن أغلب الحضارات الأخرى التي مرت بتونس لم تكن تولي ذات الأهمية للمرأة.

كان المجتمع الأمازيغي مجتمعًا أموميًا يتكئ على المرأة ويثمن دورها وفق معادلة أساسية تقوم على أن المرأة حارسة التقاليد والرجل حارس الديار

فقد كان المجتمع الأمازيغي مجتمعًا أموميًا يتكئ على المرأة ويثمن دورها وفق معادلة أساسية تقوم على أن المرأة حارسة التقاليد والرجل حارس الديار، وهو ما ساعد على ظهور نساء قائدات قديمًا على غرار "الكاهنة" التي تسمى في الأصل ب "تاهية" أي الجميلة.

على مدى آلاف السنين تُحفر ممارسات الإنسان وتمثلاته كشيفرات جينية لا يمكن محوها مطلقًا، بحيث يبقى انسان اليوم مهما بدا تقدميًا وفيًا لمعتقدات جدوده الأوائل دون أن يكون واعيا بذلك. ووفق هذا المبدأ، يبرز الطابع الأمازيغي في قرى ولاية نابل كما في مناطق أخرى، محافظًا على جزء هام من تمثلات وممارساته القديمة بطريقة عفوية وتلقائية غالبًا لم يملك أدنى فكرة عن جذورها ومعانيها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

دواميس سوسة.. أسرار سراديب الموتى ورحلة البحث عن "الراعي الطيب"

تجارة المخطوطات العبرية.. تاريخ يهود تونس المهرّب