الأودية في تونس.. الوجه الآخر لأزمة الفيضانات

الأودية في تونس.. الوجه الآخر لأزمة الفيضانات

1044 مشاهدة
تسبب تدفق المياه المتواصل لساعات في بنزرت بعدة خسائر مادية للسكان (مريم الناصري/ الترا تونس)

شهدت عدّة مناطق في تونس خلال شهر أوت/ أغسطس الحالي هطول كميات كبيرة من الأمطار على غير المعتاد، مما تسبب في فيضانات لم تكن الأولى من نوعها التي تعيشها تلك المناطق أو غيرها على غرار بنزرت ونابل والمنستير وسوسة، في ظلّ تقلبات مناخية طالما حذّر منها الخبراء الذين أكدوا أنّها تقلبات ستؤدي إلى تساقط أمطار بكميات كبيرة في غير موسمها وعلى امتداد كل الفصول حتى صيفًا. كما أنّ كلّ ولايات الجمهورية ستكون مشمولة بهذه التغيرات التي تتطلب خططًا تنتهجها البلديات والوزارات المتدخلة للتوقي من خطر الكارثة قبل وقوعها.

فاطمة (إحدى متساكنات حفر المهر ببنزرت) لـ"الترا تونس": المياه غمرت منزلي منذ العاشرة صباحًا ليتواصل تدفق المياه أكثر من خمس ساعات مما تسبب في تضرر كامل منزلها

وقد صنّفت الأمطار الأخيرة التي سجلت خلال الشهر الحالي بالاستثنائية نظرًا لنزولها في شهر أوت/ أغسطس، وبمعدّلات لم تعرفها تلك الجهات في المواسم القريبة الماضية، والتي تسببت في قطع طرقات وفيضان أودية وسيول كبيرة طالت حتى المنازل.

فقد شهدت أغلب معتمديات ولاية نابل مثلًا يوم 9 أوت/ أغسطس الجاري على غرار بعض الولايات الأخرى نزول كميات كبيرة من الأمطار بلغت 130 مم في بعض جهاتها وفق المعهد الوطني للأرصاد الجوية، على غرار بني خلاد، فيما بلغت 100 مم ببوعرقوب و70 مم بتاكلسة. وقد أدّت كميات الأمطار تلك إلى ارتفاع منسوب مياه عدّة أودية وفيضانها مثل وادي سوحيل ووادي الخضار. الأمر الذي تسبب في تجمع المياه بعديد الشوارع داخل المدن وعلى مستوى الطرقات الرئيسية، وتسربها لعدد من المنازل وهو ما تطلب تدخل مصالح التجهيز والحماية المدنية.

وبعد يومين من ذلك، دعت الإدارة العامّة للحرس الوطني مستعملي الطّريق بمدينة توزر إلى اتخاذ الاحتياطات اللّازمة والتّعديل من السّرعة، وعدم المجازفة في التّوغّل في أماكن تراكم المياه مع استعمال الأضواء أثناء التّنقّل والتّقيّد بقواعد السّير والجولان، مشيرة إلى تسجيل نزول كميّات كبيرة من الأمطار بالقطر الجزائري مما انجر عنه فيضان بعض الأودية على غرار فيضان وادي الفريد، وفيضان وادي ميداس الأمر الذي أدى إلى انقطاع الطريق المعبدة وغير المرقمة الرابطة بين منطقتي ميداس وتمغزة.

اقرأ/ي أيضًا: وسط مخاوف من انتشار الكوليرا: "بنزرت تغرق" إثر تهاطل أمطار غير مسبوقة

تضررت عديد المساكن والمحلات في ولاية بنزرت إثر الفيضانات الأخيرة وغمرتها المياه (مريم الناصري/ الترا تونس)

في جهة جندوبة وتحديدًا في منطقة بوسالم بقي كذلك وادي مجردة يؤرق الأهالي خاصة وأنّ الأودية المجاورة للمدينة تمثّل مشكلًا للجهة مع كل موسم شتوي يشهد نزول الأمطار بكميات كبيرة، إلى جانب مشكل تسريح مياه الأودية بالجزائر لاسيما في منطقة سوق أهراس مرورًا إلى غار الدماء.

وقد أكدت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أنه تبعًا للأمطار الغزيرة التي تهاطلت يوم 4 أوت/ أغسطس الجاري بمعتمدية تستور من ولاية باجة والتي بلغت حوالي 85 مم في ظرف وجيز، تمّ تسجيل فيضان بعض الأودية من روافد وادي مجردة، لاسيما وادي خلاد ووادي سليانة، محذّرة من ارتفاع منسوب مياه وادي مجردة وداعية إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

وقد تجدّدت على صعيد آخر الكارثة في بنزرت يوم 24 أوت/ أغسطس الجاري، بعد هطول كميات كبيرة من الأمطار بلغت في بنزرت المدينة 105 مم وبتينجة 112 مم وببنزرت الجنوبية 87 مم وأكثر من 100 مم بجرزونة ومنزل جميل ومنزل عبد الرحمان، مما أسفر عن تعطّل حركة المرور خاصة بوسط مدينة بنزرت وعلى الطريق الجهوية 11 الرابطة بين طريق السيارة ومدخل جرزونة وغيرها، الأمر الذي أدى إلى تضرر عديد المساكن والمحلات التي غمرتها المياه.

وفي هذا السياق، تقول فاطمة (38 سنة) إحدى متساكنات حفر المهر لـ"الترا تونس"، إنّ المياه غمرت منزلها منذ العاشرة صباحًا، ليتواصل تدفق المياه أكثر من خمس ساعات، مما تسبب في تضرر كامل منزلها على غرار باقي منازل السكان، مضيفة أنّ المياه جرفت البعض من أثاثها وتسببت لها في خسائر مادية كبيرة.

وتشير إلى أنّ فيضان وادي حفر المهر عمّق الكارثة، خاصة وأنّ أحد المقاولين تعمّد تضييق مسار الوادي وبناء جدار عازل فوقه، الأمر الذي أثار مخاوف الأهالي منذ سنوات خاصة خلال هطول الأمطار بكميات كبيرة لكن لم تتدخل السلط لمنعه.

والي بنزرت لـ"الترا تونس": تشييد بعض البنايات الفوضوية تسبب أيضًا في صعوبة سيلان المياه إلى البحر، الأمر الذي تطلب إصدار قرار بهدم بناية وسط الوادي

كما أفاد بلاغ لوزارة الداخلية أنّ وحدات النجدة التابعة للإدارة الجهوية ببنزرت معزّزة بوحدات من إقليم تونس وباجة والوحدة المختصّة بالتنسيق مع الهياكل المعنية تدخلت لنجدة المواطنين والقيام بـ 71 عملية ضخ المياه من المنازل، وإزاحة 48 سيارة من الطريق العام، إلى جانب إجلاء 6 عائلات من منازلهم.كما فاض كلّ من وادي بحيرة حنيش ووادي هرقلة ووادي العسل التي عجزت عن استيعاب كميات مياه الأمطار.

وقد أفاد والي بنزرت محمد قويدر أنّ فيضان بعض الأودية تسبب في تسرب كميات كبيرة من الأمطار إلى المنازل، مؤكدًا أنّ تشييد بعض البناءات الفوضوية تسبب أيضًا في صعوبة سيلان المياه إلى البحر، الأمر الذي تطلب إصدار قرار بهدم بناية تمّ بناؤها وسط الوادي. كما تم هدم سور محيط بالمنطقة الحرة ببنزرت المدينة وسور بقرب البنك المركزي ما خفف من مستوى تجمع الماء وضمن سيولة شبه عادية للمياه.

اقرأ/ي أيضًا: الأنبوب هو الحلّ... "الأنابيب" هي المشكل

فيضان الأودية مع كلّ أمطار مهمة يطرح عدّة تساؤلات حول مشكل الأودية القريبة من المناطق السكنية (مريم الناصري/ الترا تونس)

وبيّن قويدر لـ"الترا تونس" أنّه تم التدخل على جميع المستويات منذ يوم الجمعة الفارط، واللجوء إلى هدم بعض الجدران لتسهيل مرور المياه، مع الانتهاء من عمليات ضخّ المياه الني تسربت إلى المنازل، مؤكدًا أنّ لجنة جهوية انطلقت في تقييم الأضرار ومعاينة البيوت التي شملتها السيول وتسببت في خسائر مادية كبيرة للسكان، وتحديد قيمة التعويضات اللازمة.

فيضان الأودية مع كلّ تسجيل هطول كميات كبيرة من الأمطار يطرح عدّة تساؤلات حول مشكل الأودية القريبة من المناطق السكنية الذي يؤرق من يقطن بالقرب منها، وغياب الحلول لتجاوز هذا الإشكال خصوصًا أن القرارات على مدار سنوات، التي سجلت فيها كميات أمطار كبيرة، كانت ظرفية ولا تتم إلا بعد وقوع الكارثة. إلى جانب التساؤل عن الاحتياطات المتبعة الآن على مستوى الأودية من جهر مجاريها لتسهيل سيلان المياه والتقليص من حجم الخطر، وتنظيف محيطها أو معاينة سهولة سيلان المياه بها، لمنع تسربها إلى المناطق السكنية خلال هطول كميات كبيرة من الأمطار، خاصة وأنّ الأوحال والأتربة وبقايا الأشجار تمنع سيلان المياه وتسبب بنسبة كبيرة في فيضان الأودية.

المدير الجهوي للتجهيز ببنزرت لـ"الترا تونس": سيتم التدخل على مستوى أربعة أودية لتجنب ارتفاع منسوبها وسيلان مياهها إلى المباني السكنية

وثمة تساؤل آخر يطرح نفسه وهو هل يقع التنسيق بين الأطراف المتدخلة في جهر الأودية العديدة على غرار الديوان الوطني للتطهير ووزارة التجهيز والإسكان ووزارة الفلاحة، والسلط الجهوية التي تتكفل بتحديد قائمة الأودية التي تتطلب الجهر قبل انطلاق موسم الأمطار؟

وفي هذا الإطار، أكّد المدير الجهوي للتجهيز ببنزرت زهير العزعوزي لـ"الترا تونس" أنه سيتم بداية من الشهر المقبل التدخل على مستوى أربعة أودية وهي وادي هراقة، ووادي عباس ووادي الشبوحية ووادي المرج، لتجنّب ارتفاع منسوبها وسيلان مياهها إلى المباني السكنية، وتسهيل تصريفها نحو البحر.

يذكر أنّ العزعوزي صرّح سابقًا وفي مارس/ آذار تحديدًا أنّ أشغال مشروع إنجاز القسط الخاص بتهيئة الأودية، ستنطلق خلال شهر جوان/ يونيو ، ضمن مشروع حماية مدينة بنزرت من الفيضانات، وأنّ كلفة المشروع تناهز 11 مليون دينار، مبينًا أنه سيشمل تهيئة في العمق لـوادي بوخريص، وادي المرج، وادي عباس والشبوحية، ومدّ وبناء منشآت مائية بطول 5،3 كلم لتفادي ركود المياه بالأودية وتصريفها نحو البحر دون تضرر المناطق السكنية والصناعية المحيطة بها، خلال موسم الأمطار.

من جهته أفاد كاتب الدولة للموارد المائية والصيد البحري عبد الله الرابحي أنّه تمّ استكمال عمليات جهر الأودية في جميع الجهات في الوقت المحدّد، ومع ذلك فإنّ خطر فيضان بعض الأودية لا يزال قائمًا باعتبار هطول كميات هامة من الأمطار خلال فترات وجيزة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كاتب الدولة للموارد المائية: انعكاسات الأمطار الأخيرة على السدود متواضعة

أزمة المياه.. هل باتت تونس مهددة بالعطش؟