الكتابة السردية بـ

الكتابة السردية بـ"الدارجة".. جدل قديم متجدد

رواج لافت للكتب باللهجة التونسية في معرض تونس الدولي للكتاب (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

أعاد معرض تونس الدولي للكتاب في نسخته الخامسة والثلاثين، خلال شهر أفريل/نيسان 2019، إلى الواجهة قضية قديمة أثارت جدلًا في الساحة الثقافية التونسية منذ النصف الأول من القرن العشرين ولا يزال متواصلًا إلى اليوم ولم يحسم بعد ألا وهي النشر بالعامية التونسية.

خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، سال حبر كثير بخصوص هذا الموضوع بين شق يدافع بشراسة عن اللغة العربية الفصحى باعتبارها لغة القرآن الكريم واللغة الرسمية للبلاد ولغة أهل الجنة فيما بعد حسب تصور العديد من مدارس الفقه الإسلامي، وشق آخر يدافع عن اللهجة المحلية أو المقول اليومي أو اللغة المحلية أو ما يسميه أغلب التونسيين بـ"الدّارجة" معتبرين إياها جزءًا من الهوية الأولى قبل مجيء الإسلام.

وهو فريق يرى أيضًا أن العامية التونسية تحيل مباشرة على الحقب البربرية الأمازيغية حتى أن الباحث الهادي البالغ، وهو واحد من الذين أفنوا العمر دفاعًا عن الدارجة التونسية، يعتبر أن العامية لغة لها قاموسها الخاص بها وليست لهجة للتداول اليومي فحسب.

أعاد معرض تونس الدولي للكتاب إلى الواجهة قضية قديمة أثارت جدلًا في الساحة الثقافية التونسية منذ النصف الأول من القرن العشرين وهي النشر بالعامية التونسية

خلال الدورة الأخيرة لمعرض تونس الدولي للكتاب، نجد رواجًا لافتًا للانتباه لكتب صدرت بالعامية ضمن طبعات فاخرة نذكر منها رواية "ولد فضيلة" لأميرة شرف الدين، و"الفينقة" و"الخطيفة" لأنيس الزين، و"أسرار عائلية" و"من الحب ما فشل" لفاتن الفازع. كما تُرجمت إلى العامية أعمال أدبية وفكرية عالمية مثل ترجمة ضياء الدين بوسالمي لرواية "الغريب" لألبير كامي، وهي من كلاسيكيات الأدب العالمي، وأيضًا ترجمته لـ"قصة العين" لجورج باتاي إضافة لترجمة مجد مستورة لكتاب لفليب دي جاردان تحت عنوان "الشأن العام هو إللي يلمنا".

ترجمة ضياء بوسالمي لكتاب "الغريب" لألبير كامي باللهجة التونسية

اقرأ/ي أيضًا: الدورة 35 لمعرض تونس الدولي للكتاب: مأدبة ثقافية باذخة تعكس حركية البلد

الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين يقدّر أن الحضور اللّافت للعاميّة في معرض الكتاب أو في مختلف التظاهرات الثقافية عمومًا يأتي ضمن سياقات "الاعتزاز بالنفس" الذي سرى في المجتمع التونسي في سنوات ما بعد الثورة.

وأضاف، في حديثه لـ"ألترا تونس"، أنه يمكن ربط هذه الظاهرة بما كرسته دولة الاستقلال في إطار ما اعتبرها حرب الحبيب بورقيبة مع الجبهة القومية ومعركته الخاصة مع جمال عبد الناصر وظهور مفاهيم هوياتية جديدة لم يكن التونسيون متعودين عليها مثل "الأمة التونسية" و"القومية التونسية".

سهيل الشملي (جامعي): مسألة رواج "الدّارجة" في الحياة الثقافية قد تكون خطيرة في حالة إذا كانت هذه الموجة متلبسة بالأيديولوجيا وهناك نوايا مبيتة لضرب الهوية العربية 

أما الأستاذ الجامعي بكلية الآداب وفنون الإنسانيات بمنوبة والمختص في اللغة العربية سهيل الشملي فيعتبر أن مسألة رواج "الدّارجة" في الحياة الثقافية هذه الأيام قد تكون خطيرة في حالة وحيدة وهي إذا كانت هذه الموجة متلبسة بالأيديولوجيا وبنوايا مبيتة لضرب الهوية العربية في عمقها مثلما يحدث في بلدان مجاورة بما قد يقود إلى أحلام انفصالية، وفق قوله.

لكنه يؤكد، في المقابل في حديثه معنا، أنه إذا كانت المسألة في إطار إبداعي صرف "فلا ضير في ذلك وبالتالي من حق الكاتب أن يكون محلي الأدوات من أجل صوغ رواياته وشعره وقصصه ومسرحه" على حد تعبيره.

وأشار، في هذا الجانب، إلى ظهور "جماعة تحت السور" في تونس في النصف الأول من القرن العشرين وإلى موجة الإعلام الناطق بالدارجة مذكرًا بصحف "السردوك" (الديك) و"الفرززّو" (الزنبور) و"الزّهرة". وأوضح الشملي أن هذه الموجات مثلت تنويعًا في المشهد الثقافي العام ولها ظروفها السياسية والاجتماعية خاصة ظروف الاستعمار التي شجعت بشكل من الأشكال على رواج العامية في إطار حربه مع الزيتونة.

وداد بن يحمد (مسؤولة الاتصال في دار نشر): القارئ التونسي يطلب المنشورات بالدّارجة وقد أسهمت في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد اللهجة المحلية كلغة للتواصل 

توجهنا أيضًا للحديث حول انتشار الكتابة باللهجة التونسية إلى وداد بن يحمد وهي مسؤولة الاتصال والإعلام بإحدى أهم دور النشر التونسية، والتي أوضحت أن مؤسستها تجاري موجة آخذة في التشكل ويقودها مجموعة من الكتّاب الشباب.

اقرأ/ي أيضًا: الحكواتي في تونس.. فن منسي يتجدد

وأضافت أن القارئ التونسي يطلب هذه المنشورات خلال هذه الدورة من معرض تونس الدولي للكتاب وقد أسهمت في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتمد الدارجة كلغة للتواصل، مؤكدة أن ذلك لا يمس بتاتًا من المنشورات بالغة العربية.

التقى "ألترا تونس"، في هذا الجانب، ضياء البوسالمي الذي ترجم كتاب "الغريب" لألبير كامي للدارجة التونسية والذي بين أن همه ليس ضرب اللغة العربية كما يعتقد البعض وإنما هو نشر كلاسيكيات الأدب العالمي لدي عامة الناس عبر ترجمتها للعامية وفق حديثه معنا.

وأوضح أن بدايته كانت عبر ترجمة بعض النصوص الفلسفية القصيرة للعامية التونسية ونشرها في موقع "الحوار المتمدن" وقد عرفت هذه النصوص رواجًا غير متوقع وهو ما قاده للتفكير في بناء مشروع متكامل لترجمة مختارات من الأدب والفكر العالميين.

أنيس الزين (كاتب باللهجة التونسية): يظلّ فعل الكتابة هو الأهم والكتابة باللّهجة الدّارجة هي دليل انفتاح وليست تعصّبًا للمحليّة

أما الكاتب أنيس الزين، صاحب مؤلفي "الفينقة" و"الخطيفة"، بيّن أن فعل الكتابة يبقى هو الأهم مؤكدًا عدم مساس الترجمة باللهجة التونسية من قدسية اللغة العربية، وفق تعبيره. وأضاف، في حديثه معنا، أن البعض يجاهر برفضه للكتابة بالدارجة لكنه يقرؤها سرًا معتبرًا أن اختياره للكتابة بـ"الدّراجة" هو دليل انفتاح وليس تعصبًا للمحلية، على حد تعبيره.

بالنهاية، يمثل حضور العامية التونسية المسماة بـ"الدّارجة" في أفانين الثقافة التونسية مسألة مشوبة بالتعقيد لكن هذا لا يجعلنا نداري العين عما يحدث في هذا الحقل اللغوي، كما لا ينفي أن المقول اليومي قد صنع له رصيدًا من الإبداع حريًا بالتأريخ والمساءلة النقدية.

أنيس الزين وضياء بوسالمي يتحدثان عن الكتابة باللهجة التونسية على هامش معرض تونس الدولي للكتاب

 

اقرأ/ي أيضًا:

الدولة التونسية واللغة العربية.. خيانة وخرق للدستور

أَوَخِّي، لَمَكِنْتِي ووْاشِي.. حين تصبح لهجة الأرياف مادة للإضحاك