21-مارس-2022

أثار إيقاف صحفي في تونس ردود فعل عديدة في المجتمع الصحفي تراوحت بين التضامن المهني وإدانة إيقافه بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب

 

مقال رأي

 

أثار إيقاف الصحفي خليفة القاسمي، مراسل إذاعة موزاييك في ولاية القيروان، ردود فعل عديدة في المجتمع الصحفي التونسي تراوحت بين التضامن المهني وإدانة إيقافه بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب.

واهتمت ردود فعل أخرى بحق الصحفي في كتمان مصدره، والحقيقة أن قضية الصحفي خليفة القاسمي إضافة إلى التضامن معه وإدانة عملية إيقافه، نثير مسألتين أساسيتين:

أما المسألة الأولى فتتعلق بعلاقة الصحافة بمسألة المصادر في السياق التونسي وطبيعة الصحافة الميدانية الجهوية أو المحلية ويمكن أن نعتبر إيقاف الصحفي خليفة القاسمي الثمن الذي تدفعه الصحافة الميدانية في السياق التونسي للبحث عن الحقيقة.

يمكن أن نعتبر إيقاف الصحفي القاسمي الثمن الذي تدفعه الصحافة الميدانية في السياق التونسي للبحث عن الحقيقة

فخليفة القاسمي صحفي ميداني لم يدرس الصحافة. وهذا ليس عيبًا في ذاته، بل إن العيب هو اعتداء الصحفي على الأخلاقيات الصحفية أو التنكر لجوهر الصحافة لخدمة الفاعل السياسي حينما لا يتنكر هذا الأخير في هيئة فاعل صحفي وإعلامي.

اقرأ/ي أيضًا: احتُفظ به لأنه رفض كشف مصدره.. نقابة الصحفيين تطالب بالإفراج الفوري عن صحفي

لم يدرس خليفة القاسمي إذًا الصحافة لكنه كان مواظبًا على الدورات التدريبية. لم يتوقف عن العمل رغم أن بعض المؤسسات تنكرت لحقوقه المادية. ونحن لا نعلم إلا القليل على الظروف التي يعمل فيها الصحفيون الميدانيون الجهويون بسبب أن أغلب المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية تشغل هؤلاء بشكل هش لا يتماشى مع أبسط الحقوق المهنية.

وهذا ما يسفر عن أن الصحفي الجهوي يمكن أن يتحول في أحيان كثيرة إلى ملحق صحفي ثان لدى الولاية أو البلدية أو الإدارات الجهوية للتجهيز والثقافة… والظروف المهينة الهشة تجعل من المراسلين الجهويين عرضة إلى التبعية للسلطات الجهوية السياسية والأمنية والمؤسسية أو إلى جماعات الضغط الاقتصادية أو الأوساط الرياضية أو إلى النقابات من كل الأصناف (الأمنية مثلاً التي استعملت عددًا منهم في إطار استراتيجيات محبوكة للعلاقات العامة).

ويبدو على هذا النحو أن خليفة القاسمي، عند الكشف عن تفكيك خلية إرهابية، لم يأخذ في الاعتبار اعتبارات أخرى سياسية أو "وطنية" أو حالة الاستثناء نفسها التي لا تعلّق حقوق الصحفيين في ممارسة مهنتهم في أي حال من الأحوال.

تصرف الصحفي من منظور واجبه المهني في إبلاغ الرأي العام بما يحصل في ولاية القيروان. والصحفي تجمعه التزامات شغلية مع المؤسسة التي يراسلها. وصادق رئيس التحرير على الخبر الذي أرسله إلى الإذاعة. 

الصحفي بقي ملتزماً بما ينص عليه المبدأ الأول لميثاق شرف الصحفيين أي السعي إلى الحقيقة وإبلاغها إلى الرأي العام ثم أن الجهات الرسمية لم تكذب  الخبر بما يعني أن الصحفي لم يختلق وقائع وهمية

ومن هذا المنظور فإن الصحفي بقي ملتزماً بما ينص عليه المبدأ الأول لميثاق شرف الصحفيين أي السعي إلى الحقيقة وإبلاغها إلى الرأي العام ثم أن الجهات الرسمية لم تكذب  الخبر بما يعني أن الصحفي لم يختلق وقائع وهمية ولم يسقط في فخ الأخبار الكاذبة ولا يبدو أن جهة ما تلاعبت للتغرير به. فكل المؤشرات تدل على أن ما قام به خليفة القاسمي هو في صميم عمله الصحفي والمهني. وهو على هذا النحو يدفع ثمن صحافة الحقيقة، الصحافة التي تستحق أن تكون لها الوجاهة المهنية الحقيقية بما أنها في خدمة حق التونسيين في الاطلاع على الأحداث.

أما القضية الثانية التي يثيرها إيقاف خليفة القاسمي فتتصل بمسألة المصادر، لقد تعرضنا سابقاً إلى هذا الموضوع في مقالين اثنين. وتعرضنا إلى تبعية الصحافة المفرط إلى المصادر المؤسسية (1) وعلى ما أطلقنا عليه آنذاك صحافة السيستام (2). 

إن المبدأ العام في الصحافة على عكس ماهو شائع في المجتمع الصحفي التونسي هو شفافية المصادر. وقد جاء في المدونة الأخلاقية لمجلس الصحافة أن "المهنة توافقت كونيًا على شروط مخصوصة عند عدم ذكر المصادر حتى لا تصبح عملية إخفاء المصدر وسيلة من وسائل التلاعب بالجمهور بنشر معلومات غير متأكدة ولم تخضع إلى التحري بحجة أن المصدر غير موافق على ذكر هويته.

إن المبدأ العام في الصحافة على عكس ماهو شائع في المجتمع الصحفي التونسي هو شفافية المصادر

اقرأ/ي أيضًا: جمعيات: إحالة صحفيين وفق قانون الإرهاب يتم وفق تعليمات يراد بها الترهيب

ومن الشروط التي يجب أن تتوفر لإخفاء هوية المصدر:

  • أن يكون مصدر الخبر معرضًا إلى الأخطار أو إلى أي نوع آخر من الأضرار الحقيقية
  • أن تكون المعلومات التي يعطيها المصدر الذي يريد إخفاء هويته ذات قيمة إخبارية تخدم الصالح العام
  • غياب طرق أخرى للحصول على المعلومات
  • على الصحفي إعلام رئيس التحرير المباشر بالأسباب التي جعلته يخفي المصدر
  • في كل الأحوال يفسر الصحفي الأسباب والحيثيات التي جعلته يخفي المصدر
  • لا يجب استعمال إخفاء المصدر كمطية لترويج إشاعات أو خطابات ثلب

جاء في الميثاق التحريري لجمعية الصحفيين الأمريكيين أن الصحفي لا يستثني من مبدأ شفافية المصادر إلا من يمكن أن يتعرض إلى أخطار حقيقية

وجاء أيضًا في الميثاق التحريري لجمعية الصحفيين الأمريكيين أن الصحفي لا يستثني من مبدأ شفافية المصادر إلا من يمكن أن يتعرض إلى أخطار حقيقية.

وإذا نظرنا إلى الخبر الذي تم على أساسه إيقاف الصحفي خليفة القاسمي، لا نرى ما يتعارض مع المبادئ التي أشارت إليها مدونة أخلاقيات المهنة الصحفية وميثاق جمعية الصحفيين الأمريكيين. 

وتبين العديد من الأمثلة من التجارب العالمية أنه لا يمكن إخضاع الصحافة إلى مقتضيات مصالح المؤسسات نفسها أو السلطة السياسية، ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم كيف ساهمت  الصحافة الأمريكية بشكل نشط في كشف أسرار سجن أبو غريب.

فقد كانت وكالة أسوشيتد برس ثم برنامج minutes 60 الذي أنجز العديد من التقارير الاستقصائية عن التعذيب في هذا السجن، لم تتعرض الصحافة الأمريكية إلى أي نوع من العقوبات أو المتابعات القضائية رغم أن ما يسمّى "فضيحة أبو غريب" كانت لها نتائج وخيمة على الجيش الأمريكي وعلى وجود الولايات المتحدة الأمريكية في العراق.

وفي كل الدول الديمقراطية فإن الصحافة لا تعاقب أبدًا على نشر المعلومات التي تأتيها من التسريبات وإلا لكانت كل الصحافة الأمريكية والأوروبية وراء القضبان بعد أن نشرت العديد من التسريبات منذ سجن أبو غريب إلى التسريبات الحالية التي تخص البنوك السويسرية والأوروبية  وتسريبات البرنامج التجسسيPegasus مرورًا بتسريبات ويكيليكس، رغم العلاقة المتينة بينها وبين الأمن الداخلي والخارجي. 

وفي كل الأحوال فإن قضية الصحفي التونسي خليفة القاسمي قد تساهم أيضًا في ترقية الفاعل الصحفي الميداني والصحافة القائمة على الشغف بالحقيقة بما أنها جوهر الصحافة.

 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

المصادر:

(1) ـ الصحفيون التونسيون ومصادرهم.. (2/1) ـ الصادق الحمامي ـ الترا تونس ـ 13 جويلية/يوليو 2019

(2) ـ الصحفيون التونسيون ومصادرهم.. "صحافة السيستام" (2/2) ـ الصادق الحمامي ـ الترا تونس ـ 20 جويلية/يوليو 2019

 

اقرأ/ي أيضًا:

"الدخلاء" أو كيف فقد الصحفيون التونسيون السلطة على الصحافة؟

مستقبل الديمقراطية والحرية في تونس من منظور دولي

الاتصال والسياسة في تونس بعد 25 جويلية: من هم التونسيون ومن يمثّلهم؟