تمثيلية المرأة في البرلمان الجديد.. إلى الوراء در

تمثيلية المرأة في البرلمان الجديد.. إلى الوراء در

تراجعت نسبة تمثيلية النساء في البرلمان الجديد إلى 23 في المائة (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

طفا جدل تمثيلية المرأة في المجلس النيابي على السطح من جديد إثر الإعلان عن النتائج الأوّلية للانتخابات التشريعية، ليعيد إلى الواجهة النقاش بشأن إطار تشريعي يضمن وجودًا أكثر للمرأة، وحول دور المرأة في الحياة السياسية إجمالًا.

وبناء على النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، لن تتجاوز تمثيلية النساء في البرلمان نسبة الـ23 في المائة، وهو تراجع ملحوظ مقارنة بنسبة البرلمان المتخلي المقدّرة بحوالي 36 في المائة، بل النسبة الجديدة هي أقل من مثيلتها في المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 المقدّرة وقتها بحوالي 27 في المائة.

جمعية أصوات نساء: الأحزاب جعلت من رئاسة قائماتها حكرًا على الرجال وعملت على استغلال النساء والتعامل معهن كعنصر غير فاعل في الحياة السياسية

وقد ندّد المجتمع المدني بما آلت إليه تمثلية المرأة في المجالس النيابية من تقهقر خاصة في ظل تكثيف حملات المناصرة لحقوق المرأة السياسية، إذ استنكرت جمعية أصوات نساء ما أسفرت عنه النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التي ستؤدّي إلى تركيز مجلس لن تتجاوز نسبة تمثيلية النساء فيه الـ23 في المائة.

اقرأ/ي أيضًا: الشباب وقيس سعيّد.. حينما يقول الشباب كلمته تحدث المفاجأة!

تراجع خطير ..

وأطلقت الجمعية صيحة فزع بشأن تمثيلية النساء في الانتخابات التشريعية، معتبرة أن الأمر مخالف للدستور إذ نص الفصل 34 منه على أن "الدولة تضمن تمثيلية المرأة في المجالس المنتخبة" فيما جاء في الفصل 46 أن "الدولة تسعى لتحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة".

وأكّدت، في بيان نشرته على صفحتها الرسمية، أن النتائج الأولية للانتخابات تشكل تراجعًا خطيرًا مقارنة بنتائج المجلس المنتخب في 2014، وهي نتائج منتظرة على اعتبار مشاركتهن الهزيلة كرئيسات قائمات التي لم تتجاوز الـ18 في المائة.

وحمّلت أصوات نساء مسؤولية هذه النتائج الضعيفة إلى جميع الأحزاب السياسية والسلطة التنفيذية ومجلس نواب الشعب، علمًا وأن الجمعية قدمت مقترح تنقيح مسودة مشروع القانون المتعلق بالأحزاب لتلزمها باحترام مبدأ التناصف بين النساء والرجال في هياكلها القيادية الوطنية والجهوية والمحلية وفرض عقوبة تحرمها من التمويل العمومي في حالة عدم احترامها هذه القاعدة. ولئن أبدت الحكومة دعمها لهذه المبادرة، فإن المقترحات بقيت حبرًا على ورق.

وبيّنت أنّ الأحزاب جعلت من رئاسة قائماتها حكرًا على الرجال وعملت على استغلال النساء والتعامل معهن كعنصر غير فاعل في الحياة السياسية إذ يقع استخدامهن في الفترات الانتخابية لاستكمال القائمات الانتخابية وتفادي إسقاطها من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

وأضافت أن هذه الأحزاب تواصل المتاجرة بالحقوق والحريات وتوظيف قضايا النساء والزج بهن في صراعات ومزايدات حزبية وإيديولوجية لأغراض انتخابية بحتة كقضية المساواة في الميراث وقضايا النساء الريفيات بهدف اكتساب أكبر عدد من الأصوات ثم بعد ذلك يقع تجاهلهن خلال الفترات النيابية.

نائلة الزغلامي لـ"ألترا تونس": رؤساء الأحزاب لا ثقة لهم في الكفاءات النسائية في المسائل السياسية

وأشارت إلى أنّ السلطة التنفيذية بحكوماتها المتعاقبة اعتمدت سياسات أدت إلى انخفاض نسبة تمثيلية النساء في التعيينات المجراة خلال الأربع سنوات الأخيرة إلى حدود نصف ما كانت عليه سابقًا، حيث تراجعت هذه النسبة من 30 في المائة من العدد الإجمالي من التعيينات سنة 2014 إلى 15 في المائة فقط في موفى سنة 2018.

ولفتت إلى أن مجلس نواب الشعب أتيحت له العديد من الفرص لتعديل القانون الانتخابي على غرار مقترح القانون المتعلق بمبدأ التناصف الأفقي الذي دعمته أصوات نساء ولم يقع حتى النقاش فيه وذلك على عكس التعديلات التي أجريت لأغراض سياسية تسعى إلى إقصاء المنافسين الذين شكلوا خطرًا على النواب في الانتخابات وهو ما يؤكد انعدام الإرادة السياسية لتدعيم المشاركة النسائية في مواقع القرار.

وحمّلت مسؤولية التمثيلية الضعيفة للمرأة إلى النائبات اللواتي لم تعملن على تكوين كتلة ضغط تناصر القضايا النسوية ومشاركة أوسع للنساء في الحياة السياسية، داعية مجلس نواب الشعب المنتخب حديثًا إلى التسريع في النقاش والمصادقة على المبادرة القانونية المتعلقة بتنقيح القانون الانتخابي وإدراج مبدأ التناصف الأفقي.

اقرأ/ي أيضًا: هل أعاد النّصر السّاحق لقيس سعيّد النفس الثوري للتونسيين؟

العقلية الذكورية

من جهتها، أشارت الكاتبة العامة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات نائلة الزغلامي، في تصريح لـ"ألترا تونس" إلى غياب قانون ملزم بالتناصف الأفقي في الانتخابات التشريعية على غرار الإطار التشريعي للانتخابات البلدية.

وعن الأسباب الكامنة وراء تراجع تمثيلية المرأة في المجلس النيابي، قالت محدثتنا "رؤساء الأحزاب لا ثقة لهم في الكفاءات النسائية في المسائل السياسية، إلى جانب تغلغل العقلية الذكورية وأنانية الرجل الذي يرى أنه أحق من المرأة في العمل السياسي"، لافتة إلى أنّ الأحزاب التي تقدّم نفسها على أنها تقدمية وحداثية ووسطية لا تدفع من أجل حق المرأة في رئاسة القائمات الانتخابية.

جميلة الكسيكسي لـ"ألترا تونس": المرأة في حد ذاتها لا تبذل المجهود اللازم لتعبر عن ذاتها وتفتك حقوقها

وتابعت بالقول "كان من المفترض أن ترتفع تمثلية المرأة في مجلس نواب الشعب ولكنها انخفضت في ظل عدم التشجيع على  ولوج المرأة إلى العمل السياسي وحرمان المرأة من فرصة التمرس في هذا المجال"، مضيفة "الإشكال لا يكمن فقط في العدد القليل من النساء المنتخبات في البرلمان بل أيضًا في أن بعضهن غير نوعي بمعنى أنهن يخضعن لخطاب الحزب ولا تدلين بمواقفهن الشخصية في القضايا التي تتعلّق بالمرأة"، ومؤكّدة ضرورة تدريب النساء المشاركات في الحياة السياسية من أجل أن تكون حاضرة في المجلس التشريعي وهي تمتلك ثقافة سياسية.

وشدّدت على ضرورة النضال من أجل أن يكون التناصف عموديًا وأفقيًا حتى في الانتخابات التشريعية مع توعية الأحزاب لكي لا يتم التحيّل على تمثيلية النساء عبر تقديم قائمات مستقلة يترأّسها رجال، مضيفة "نحن بصفتنا جمعية نسائية من واجبنا توعية النساء وتكوينهن لتفادي هذه النسب الضعيفة لتمثيليتها في المجلس النيابي".

غياب التضامن

أما النائب عن حركة النهضة جميلة الكسيكسي، فقالت "لو عملت كل النائبات من أجل كتلة نسائية ندافع من خلالها عن حقوق المرأة وقدمنا مبادرة تشريعية كانت لتمرّ ولكن غاب التضامن وفرقتنا السياسة والأيديولوجيا والحسابات الضيقة لتكون الخسارة في النهاية لكل نساء تونس".

وأضافت الكسيكسي التي فازت بمقعد في البرلمان القادم، في تصريح لـ"ألتراتونس"، أن "نسبة تمثيلية المرأة حسب ما تبينه النتائج الأولية للانتخابات التشريعية تعدّ فضيحة فقد عدنا إلى الوراء إلى ما قبل الثورة، والأمر مؤلم جدًّا ويجب تداركه".

وفيما يتعلق بأسباب تراجع تمثلية المرأة في المجلس النيابي، أرجعتها إلى الإقصاء النظامي للمرأة والتمييز المسلط عليها والناتج عن تغلغل العقلية الذكورية فرغم الشعارات الداعمة لها مازالت النظرة إلى المرأة دونية لا تأخذ بعين الاعتبار تجربتها ومستواها التعليمي.

وتابعت بالقول "المرأة في حد ذاتها لا تبذل المجهود اللازم لتعبر عن ذاتها وتفتك حقوقها، كما أن السلطة محل النزاع حتى بين الرجال أنفسهم وما بالك بين الجنسين"، معبّرة عن لومها للمجتمعين المدني والسياسي لأن الفاعلين فيهما يعلمون أن الحقوق غير المضمنة في قوانين لا تعدو أن تكون إلا شعارات.

وأشارت إلى أنّه لو لم يتم التنصيص في القانون الانتخابي على التناصف العمودي لكانت كل القائمات رجالية، مؤكّدة أنها ستسعى في الدورة النيابية المقبلة إلى العمل على تقديم مبادرة تشريعية للتنصيص على إلزامية التناصف العمودي والأفقي في الانتخابات التشريعية خدمة للمرأة بعيدًا عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية، وفق تعبيرها.

سميرة الشواشي لـ"ألترا تونس": هناك صعوبة في مشاركة المرأة في الحياة السياسية لأن العقلية الذكورية مازالت تقسّم الأدوار وفق الجنس

وقالت الناطقة الرسمية باسم قلب تونس سميرة الشواشي إن نسبة تمثيلية المرأة في المجلس النيابي ضعيفة ودون المأمول، مشيرة إلى أن المرأة تمكّنت من التقدّم في كل المجالات إلا المجال السياسي، مشيرة إلى أن هناك صعوبة في مشاركة المرأة في الحياة السياسية لأن العقلية الذكورية مازالت تقسّم الأدوار وفق الجنس فتحصر دور المرأة في الفضاء الخاص.

وأكدت الشواشي التي تحصّلت على مقعد في البرلمان، لـ"ألترا تونس"، أن المرأة يجب أن تواصل النضالات من أجل ضمان تمثيلية أكبر في المشهد السياسي عمومًا، كما يتوجّب على الأحزاب أن تتخذ قرارات شجاعة تمكن النساء من مواقع القرار، وفق قولها.

ولفتت إلى أنّ حزب قلب تونس يولي أهمية كبرى لوجود المرأة فيه من خلال إسنادها خطّة ناطقة رسمية ومن خلال تعيين 8 نساء رئيسات قائمات انتخابية، على حدّ تعبيرها.

وعن دورها كنائب في تعزيز حضور المرأة في المشهد البرلماني، قالت الشواشي "سنقترح مشروع قانون في اتجاه دعم وجود المرأة، وذلك طبعًا بعد التشاور مع كل الأطراف، وتبقى أهم آلية هي آلية التناصف العمودي والأفقي لفرض وجود المرأة بالقانون إلى أن يتحوّل الأمر إلى ممارسة تلقائية من الأحزاب".

وفي انتظار طرح مبادرة تشريعية تضمن التناصف الأفقي والعمودي بين النساء والرجال في القائمات المترشحة، تبقى معضلة ضعف مشاركة المرأة في الحياة السياسية واقتراحها في مناصب عليا قائمة خصوصًا مع تواصل استغلالها في المهام الصعبة لتكون في الصفوف الأولى للدفاع عن أفكار أو برامج أو قيم ما.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بعد نتائج الانتخابات التونسية، هل انتهى عهد الأحزاب التقليدية؟

كانت سجونًا ومعتقلات تعذيب.. هل تصبح مراكز للذاكرة التونسية؟ (صور حصرية)