"الموت يحاوطنا".. من حكايا حرفيات "السعف"

تخوض النساء في داموس مسيرة لا تخلو من الوجع حتى يغدو السعف قفة أو سجادًأ

 

في ركن قصي من مدينة الثقافة، تطالعك قفاف بأحجام وأشكال وألوان مختلفة تزيّن رواقًا مخصّصًا لعرض المنتوجات الحرفية في إطار تظاهرة "أيام الجهات، مدن الفنون في مدينة الثقافة" حين احتفائها بمدينة نابل.

وأنت تجول بناظريك من قفّة إلى أخرى، تتأمّل بياض السعف الذي يطغى عليها وبعض الألوان التي تزيّن أعناقها، يشدّك مشهد امرأتين تفترشان منسوجات تقليدية وتحتضنان السعف بين أناملهن. تشدّك حركات أناملهن وهي تشبك خيوط السعف، وتتفحّص تفاصيلهن وتأسرك ذرات الكحل التي تسكن عين إحداهن والوشم الذي يزيّن محيّا الأخرى وتتوه بين نظراتهن التي تروي قصصًا كثيرة.

حتّى يغدو السعف قفة أو سجّادًا تخوض النساء في داموس مسيرة لا تخلو من الوجع

اقرأ/ي أيضًا: على صخرة زرقاء عالية: "تكرونة" مخلّدة بين منابت الضوء والريح


قفاف بأحجام وأشكال وألوان مختلفة تزيّن رواقًا مخصّصًا لعرض المنتوجات الحرفية

وإذ دنوت منهما، تغازلك الحنّاء التي تخضبّ كفّي إحداهن، تأسرك زينتها لكنّك سرعان ما ما تتجهم إذا ما وقعت عينيك على جراح عميقة تمتد على كامل يديها، هو أثر السعف الذي لا يمحيه سواد الحنّاء. وفيما هما تشكّلان جدائل من السعف، تتحدّث المرأتان القادمتان من منطقة داموس الحاجة التابعة لمنزل بوزلفة من ولاية نابل حيث شبّتا على صناعة السعف وشابتا عليه.

القفاف وراءهما وأمامهما وعن يمينهما وعن شمالهما، وهما لا تتوقفان عن تصفيف السعف ليصنعوا منه هيكل قفاف تشكلانها على طريقتهما لتغدو جميلة تسرّ الأنظار.

مسيرة لا تخلو من وجع

وحتّى يغدو السعف قفة أو سجّادًا، تخوض النساء في داموس مسيرة لا تخلو من الوجع، وهن اللاتي ينهضن في الصباح الباكر ويمتطين ظهور الحمير والبغال ويسلكن طريق الغابة لجلب السعف. وإن حالف الحظّ بعضهن، فإنّهن يرافقن أحد حرفيي السعف من أبناء المنطقة ويرافقنه على متن شاحنته الصغيرة عند الجبل حيث تنطلق رحلة اقتلاع "الجمّار"، كما تحدّثت الحرفية زهرة البدوي لـ"ألترا تونس".

زهرة البدوي لـ"ألترا تونس": حكايتي مع صناعة السعف تعود إلى عقود إذ تعلمتها عن والدي

وزهرة البدوي امرأة خطّ الزمن آثاره على وجهها تجاعيدًا تروي كفاحها من أجل ضمان لقمة العيش لأبنائها، وهي التي ألفتها ثنايا الجبل تزورها صائفة لتجمع زاد الشتاء من السعف. وعن حكايتها مع صناعة السعف، تقول إنّها تعود إلى عقود إذ تعلّمتها عن والدها حينما كانت تبلغ من العمر ثمانية سنوات، ومنذ ذلك التاريخ لم تتخلّ أناملها يومًا عن السعف حتّى في حالات المرض.


يشدّك مشهد امرأتين تفترشان منسوجات تقليدية وتحتضنان السعف بين أناملهن

اقرأ/ي أيضًا: قصور الجنوب التونسي.. هل تخرجها قائمة التراث العالمي من التهميش؟

وفي أشهر جوان/ حزيران وجويلية/ تموز وأوت/ آب، ترافق محدّثتنا النسوة على متن شاحنة صغيرة على ملك أحد الحرفيين وتقتلع "الجمّارة" من الغابات وتجمعها في أكياس من الخيط. وليس من السهل على النساء أن يقتلعن "الجمارة"، إذ عادة ما تكون العملية مرفوقة بسيلان الدم من الأصابع حتّى أن بعضهن يتركن قليلًا من لحم أياديهن على السعف، ولإخفاء الجراح والندوب يلجأن إلى الحناء، وفق قول محدّثتنا.

زهرة البدوي لـ"ألترا تونس":  إلى جانب الإصابات التي تطال الأيادي من النباتات اليابسة قد يفتكّ حرس الغابات ما جمعته النسوة لدخولهن مناطق ممنوعة

ورحلة جلب السعف من الجبل لا تخلو من مخاطر، وفق حديثها، فإلى جانب الإصابات التي تطال الأيادي من النباتات اليابسة، قد يفتكّ حرس الغابات ما جمعته النسوة لدخولهن مناطق ممنوعة. وإلى جانب افتكاك السعف الذي سال في سبيله دم وعرق النساء، تتم تخطئة سائق الشاحنة وفي أحيان كثيرة يتم احتجازها، وهو ما اعتبرته محدّثتنا عرقلة لحرفيين لا هم لهم سوى تأمين قوتهم، على حدّ قولها.

الموت في كل ركن..

وعن قصّتها مع صناعة السعف، تقول بيّة الوفاسي لـ"ألترا تونس" إنّها خبرت تشبيك هذه النبتة منذ أن كان عمرها عشر سنوات بعد أن حفظت تفاصيلها عن والديها. ومن الأب والأم انتقلت الحرفة إلى الابنة التي لم تتعلم شيئًا في هذه الحياة غير صناعة القفاف والسجادات والمظلات أحيانًا  وسط محاولات لمواكبة التطوّر، وفق حديث الوفاسي.

بيّة الوفاسي لـ"ألترا تونس": الموت يتجلّى بأشكال مختلفة في مسيرة الحرفيات صانعات السعف

ومنذ ولادتها وعيناها تصافحان السعف من لحظة اقتلاعه من الجبل إلى أن يصير منتوجًا حرفيًا بعد أن تجفّفه إثر رحلة يحوم فيها الموت في كل ركن. والموت يتجلّى بأشكال مختلفة في مسيرة الحرفيات صانعات السعف، فهو إمّا معنوي من خلال افتكاك أكياس السعف من قبل حراس الغابات أو مادي من خلال الذئاب التي تعترض سبيلهم في قلب الغابة أو الخنازير أو الأفاعي التي تهب من بين "الجمّارة".


الموت يتجلّى بأشكال مختلفة في مسيرة الحرفيات صانعات السعف

ومن السعف ربّت محدّثتنا أطفالها الذين أبوا اليوم أن يتعلّموا هذه الحرفة المضنية واستجاروا منها بالعمل في المصانع فيما انكب البقية على دراستهم. وبين خيوط السعف التي تظفرها لتصنع منها منتوجات حرفية موشّجة بالعرق والدموع والدم، عاشت كلّ حياتها لم تغادر قريتها الصغيرة إلا في السنوات الأخيرة حينما تحل ضيفة على بعض المعارض.

أيمن البدوي لـ"ألترا تونس": في كل صائفة أكون عرضة لخطية مالية قدرها 500 دينار لتحميلي السعف في شاحنتي

هل من مجيب لصرخة حرفي السعف..

وبعيدًا عن الذئاب التي تهدّد سلامة الذين يولون وجوههم شطر الغابة في فصل الصيف لتجميع السعف، الذي ينكبون على تشبيكه في بقيّة الفصول، ينشد حرفيو وحرفيات السعف إيجاد صيغة قانونية تمكّنهم من اقتلاع النباتات دون توجّس من حراس الغابات.

وعن تعامل حراس الغابات معهم، يقول الحرفي أيمن البدوي أنه في كل صائفة يكون عرضة لخطيّة مالية قدرها خمسمائة دينار لتحميله السعف في شاحنته بعد اقتلاعه من جبل قربص او جبل سيدي عبد الرحمان. والأمر قد ينتهي أحيانًا بحجز شاحنته وهو ما يدعو إلى وقفه وإيجاد حل يمكّن الحرفيين والحرفيات من تجميع زادهم من السعف دون مضايقات خاصة وأن أغلبهم يعانون الخصاصة، وفق قوله.

 

اقرأ/ي أيضًا:

منير البوغانمي.. قصّة "مهرّج" بوصلته الإنسانية

تونس العاصمة.. تراث معماري فريد على قارعة الإهمال