"الشعبية" و"الشعبوية"

الخطاب الذي يتماهى لسبب من الأسباب مع المواقف السائدة للجمهور ليس ضرورة شعبوية (ياسين القايدي/ الأناضول)

مقال رأي

 

بدأت منذ أكثر من عام في مشروع كتاب حول صعود "الشعبوية" في تونس. لم يكن من السهل الكتابة في موضوع بصدد التشكل، يضاف إلى ذلك وضع ما بعد الانتخابات وحالة عدم الاستقرار التي تلتها. وخاصة أننا إزاء وضعية تونسية مخصوصة.

ربما أهم الخلاصات الأولية أن من أكبر خطايا فهم "الشعبوية" في تونس استيراد نماذج مقارنة كما هي ومحاولة فهم ما يحدث من خلالها وإسقاطها على السياق التونسي. ولعل من أهم الخلاصات أيضًا شيوع تعريفات غير دقيقة لمعنى "الشعبوية". مثلًا هناك لدى البعض غموض كبير وحتى خلط بين "شعبوية" الأفعال والممارسات عمومًا وحصر معنى "الشعبوية" في الخطاب فقط. ومن بين أكثر مظاهر الفهم الخاطئة أن يتم توصيف أي خطاب يتناغم مع المزاج الشعبي العام بـ"الشعبوية". إذ هنا لا يمكن أن نستثني إلا سياسيين قلائل من "الشعبوية". المسالة أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالشعبية ليست الشعبوية. كما أن الخطاب الذي يتماهى لسبب من الأسباب مع المواقف السائدة للجمهور ليس ضرورة شعبوية.

من بين أكثر مظاهر الفهم الخاطئة أن يتم توصيف أي خطاب يتناغم مع المزاج الشعبي العام بـ"الشعبوية"

في كل الحالات ليس من السهل وضع الناس والتيارات السياسية في صناديق مغلقة. والأفضل وضع أرائهم وسياساتهم -أو الأصح حتى نكون دقيقين بعضها- ضمن التقييم أو التعريف "الشعبوي". لنأخذ تحديدًا وضع قيس سعيد، الشخصية الأكثر شعبية بمقاييس كل استطلاعات الرأي المنشورة في السنة الأخيرة، فهو يحلق وحيدًا بعيدًا عن كل منافسيه وخصومه بشكل غير مسبوق منذ انطلاق استطلاعات الرأي السياسية  في تونس إثر الثورة. إذ نحن إزاء شخصية وصلت إلى 80٪ في بداية الصيف، ولم تنزل تحت 55٪ في أقل مستويات شعبيتها. في حين لم تتجاوز أي شخصية سياسية عتبة العشرة في المائة طيلة العام منذ انتخابات 2019.

اقرأ/ي أيضًا: في أزمة الديمقراطية التونسية المزدوجة: السياسة والميديا

هذا وضع يستوجب تركيزًا وانتباهًا جديين. لا يتعلق الأمر بدعم مواقف قيس سعيد أو الاتفاق معها أو التسويق لها. المسألة تتجاوز منهج الاصطفاف "ضد" أو "مع". المسألة تتعلق بفهم ما يجري. هل شعبية قيس سعيد حادث سير؟ هل هي مجرد صدفة؟ هل هي نتيجة لضعف خصومه واستهلاك شعبيتهم السابقة؟ أم هل أن الرجل بصدد التعبير شكلًا ومضمونًا عن شعور عميق وعصب دفين لدى غالب الجمهور؟

عندما أعلن قيس سعيد مساندته لعقوبة تنفيذ الإعدام، وهو ما لاقى دعمًا مع المزاج الشعبي العام الذي كرر دعم تنفيذ عقوبة الإعدام في وسائل التواصل الاجتماعي بعد جريمة الرأي العام "قتل رحمة"، لم يفعل إلا أن جدد موقفه السابق الذي أعلنه زمن الحملة الانتخابية

لنأخذ موضوع إلغاء عقوبة الإعدام من عدمه. بلا شك هناك مرجعية حقوقية دولية وتاريخية تفسر النسق المتزايد للدول التي بصدد التخلي عن العقوبة، وأن أغلب من بقي يتشبث بها خاصة الأكثر تنفيذًا للإعدام مثل الصين وإيران والسعودية ليسوا من نماذج القضاء المستقل والعادل. وحتى بعض الولايات الأمريكية التي لا تزال تتشبث بها يأتي ذلك في سياق مثير للجدل ونقاش طويل الأمد ومتعدد الزوايا، إضافة إلى أن "ولايات الإعدام" الأمريكية لا تشهد أقل نسب الجريمة.

لكن هل أن هذا السياق الدولي الحقوقي والتاريخي يعكس مسارًا "عضويًا" أصيلًا في تونس؟ ألم يتم تعليق العقوبة أساسًا بسبب ضغوط دولية وذلك منذ زمن بن علي بداية التسعينات؟ هل عموم الجمهور على اطلاع على هذا السياق البعيد عن السياق المباشر الواقعي للناس؟ لكن عدل قيس سعيد موقفه وضبطه على أساس ما يريد سماعه الناس؟

سعيّد يتبنى عمليًا التمثل الأساسي الذي يميز التموقع الشعبوي أي "الشعب يريد"، بمعنى أننا لسنا بصدد برنامج محدد مسبقًا من شخص نخبوي، بل بصدد موقف يقوم بخطوة إلى الوراء ويعلن على الأقل في الظاهر انضباطه الكامل للمواقف السائدة للجمهور

في نهاية الأمر عندما أعلن قيس سعيّد مساندته لعقوبة تنفيذ الإعدام، وهو ما لاقى دعمًا مع المزاج الشعبي العام الذي كرر دعم تنفيذ عقوبة الإعدام في وسائل التواصل الاجتماعي بعد جريمة الرأي العام "قتل رحمة"، لم يفعل إلا أن جدد موقفه السابق الذي أعلنه زمن الحملة الانتخابية. سعيد ليس بصدد ممارسة السياسة السياسوية، هو ينطق بما يعتقد وأحيانًا دون وسائط تمهيدية وتزويقية. وربما هذا تحديدًا ما يجعله "شعبيًا".

هل الرجل "شعبوي"؟ أعتقد بلا شك. لكن ضمن سياق التعريف الأكثر علمية وليس التعريف الرائج خطأً. هو يتبنى عمليًا ومنذ فترة طويلة التمثل الأساسي الذي يميز التموقع الشعبوي أي "الشعب يريد". بمعنى آخر لسنا بصدد برنامج محدد مسبقًا من شخص نخبوي، بل بصدد موقف يقوم بخطوة إلى الوراء ويعلن على الأقل في الظاهر انضباطه الكامل للمواقف السائدة للجمهور.

قيس سعيد ليس المشكل هنا. المشكل هو اهتراء الثقة الكبير بين نخبة سائدة وجمهور سائد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحريات الفردية في تونس بين الشعبوية السياسية والحجر الشامل

الصحافة التونسية أمام امتحان "الشعبوية"