أنصار قيس سعيّد وخصومه.. التحول من النقيض إلى النقيض

أنصار قيس سعيّد وخصومه.. التحول من النقيض إلى النقيض

ارتقى به الأمر في فترة ما إلى مرتبة الشخصية الجامعة

 

تخضع الظواهر الفيزيائية والبشرية إلى ثنائية الثبات والتحول، الثابت فيها هو جوهرها، وهو ما يمثّل ماهيتها، تنطبق هذه المعادلة على المدارس الأدبية والتيارات الفكرية والأحزاب والشخصيات السياسية وغيرها. الثوابت تتشكل في القول والفعل والمشاعر والمرجعيات، ويمكن أن تتشكل كذلك من خلال النواة الصلب التي يتكوّن منها الأنصار والأتباع والمنتمون والداعمون والمناضلون.

وبناء على ذلك يجوز التعرّف على ملامح حزب مخصوص أو قائد ما من خلال طبيعة أنصاره وخصالهم السلوكية والذوقية وأحكامهم الأخلاقية والجمالية. من هنا يمكن الانطلاق من فرضيّة تحتاج إلى النظر والاختبار مفادها أنّ ملامح الأتباع والأنصار تساهم في تحديد الصورة العامة لأحزابهم وشيوخهم وقادتهم، وهو ما يمكن ترجمته بعبارة "قل لي من يناصرك ويدعمك أقول لك من أنت". 

لو طبقنا هذه المعادلة على الشأن التونسي لقلنا على سبيل المثال إنّ حركة النهضة لا يمكن أن تخرج من صورتها النمطية التي تشدها إلى الأحزاب الدينية إلا إذا لمسنا هذا في ردود أفعال أنصارها ومواقفهم وتفاعلهم الواقعي والافتراضي مع بعض القرارات والوقائع والقضايا المفتوحة على ثنائية الأصالة والحداثة أو الحرية والالتزام الديني وغيرها من المشاغل الخلافية. 

فصل المقال لا يمكن التعويل على تصريحات القادة ذات النزعة التحررية ما لم تتغيّر مهجة الأنصار، وبناء على ذلك فإنّ حركة النهضة في ظنّ الكثير من مناوئيها ستظلّ مهما حرصت على إظهار تمدنها وانفتاحها موسومة بما يوسم به أتباعها، لكن ماذا لو طبقنا هذه المعادلة على قيس سعيّد رئيس الجمهورية؟

اقرأ/ي أيضًا: الإخشيدي و"قيس بوك" و"نظام قيس".. طرائف ومنحوتات لغويّة تفاعلًا مع قيس سعيّد

من النصرة والإخاء إلى الإنكار والعداء

أجزم أنّ إخضاع قيس سعيّد، رئيس الجمهورية، إلى التشريح السياسي في صلة بأنصاره يعدّ أمرًا عسيرًا مستعصيًا بل يرقى إلى مرتبة الرهان العلمي المستغلق، الأمر لا يرجع إلى غموض هذا الرجل وندرة المراجع التي يمكن التعويل عليها في التقييم، ولا يعود كذلك إلى "نشأته السياسية" المتأخرة، إذ يُجمع الباحثون والمتابعون عامة أن سعيّد قد كان زاهدًا في السياسة قبل الثورة، فصوته ظلّ حبيس المقام العلمي والأكاديمي أبعد ما يكون عن حماسة النقابيين والثوريين والإصلاحيين.  

الكثيرون تحوّلت علاقتهم بقيس سعيّد من المودة والإخاء إلى المناكفة والعداء حتى كدنا نقول إنّ جلّ أنصار سعيّد "ساكن المنيهلة" قد باتوا مناوئين له لمّا سكن قرطاج

صعوبة إخضاع قيس سعيّد إلى معادلة التناسب بين شخصية القائد وملامح أنصاره لا ترجع إلى السببين المذكورين إنها في اعتقادي تعود إلى الانقلاب الجذري في سجل المولعين برئيس الجمهورية والمناوئين له، فجلّ الحاضرين في "زفة" دخوله القصر قد انفضّوا عنه وحلّت محلهم وجوه أخرى.

وقد عبّر عبد اللطيف العلوي أحد قياديي ائتلاف الكرامة عن هذا التحوّل الجذري في سجلّ أنصار قيس سعيّد وخصومه قائلاً في إحدى تدويناته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: "ما يحزّ في النفس أنّه يوم انتخابه (قيس سعيّد) من نزل إلى الساحات للرقص والاحتفال وتبادل التهاني هم الإسلاميون والثوريون والشرفاء ومن بات ليلتها يسب الشعب والانتخابات والديمقراطية هم الفاشيون والوظيفيون من اليسار واليمين والنقابيون والإعلاميون الفاسدون"، يواصل العلوي قوله في حسرة "اليوم صار هؤلاء هم الحلفاء المنتصرون المحتفلون وصار الذين رقصوا ليلتها أعداء له (قيس سعيّد) الذين يجب أخشدتهم ( = إيذاؤهم) بكل حزم الرئيس الجديد.

هذا "الخطاب الغاضب المتوتر" لا يخلو من مصداقية رغم بعض تفاصيله الموغلة في التعميم والمبالغة والسوداوية، وقد تردّد على ألسنة العديد ممّن تحوّلت علاقتهم بقيس سعيّد من المودة والإخاء إلى المناكفة والعداء، حتى كدنا نقول إنّ جلّ أنصار قيس سعيّد "ساكن المنيهلة" قد باتوا مناوئين له لمّا سكن قرطاج.

أظهر قيس سعيّد في حملته الدعائية لرئاسيات 2019 انحيازًا واضحًا للثورة وشهدائها وجرحاها كما أبان عن رفضه كلّ أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني 

في البدء كان إمام الإسلاميين وقائد الثوريين

قبل الدور الثاني للانتخابات الرئاسيّة وصف مهدي مبروك، وزير الثقافة الأسبق ومدير فرع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، قيس سعيّد بكونه طاهرًا عفيفًا زاهدًا محافظًا، كان ذلك في حوار أجراه معه "ألترا تونس".

فضلاً عن العفة الأخلاقية، أظهر قيس سعيّد في حملته الدعائية لرئاسيات 2019 انحيازًا واضحًا للثورة وشهدائها وجرحاها كما أبان عن رفضه كلّ أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني وعدّ ذلك خيانة عظمى.

هذه الأوصاف والمواقف ساهمت في فرز أنصار قيس سعيّد وخصومه، فتصدّى له المحسوبون على المنظومة القديمة من الإعلاميين والسياسيين والفنانين ورجال الأعمال، وشكّكوا في كفاءته السياسية والتواصلية، ونبهوا إلى خطورة تصريحاته على مستقبل تونس وأمنها، بل فيهم من اعتبر مواقفه منذرة بجعل تونس بلدًا معزولاً في محيطه العربي والإقليمي. 

التحاق حركة النهضة بركب المساندين لسعيّد ساهم في حسم التصويت لفائدة مرشح دخل السباق الانتخابي بلا سند حزبي، فارتقى به الأمر إلى مرتبة الشخصية الجامعة

في المقابل أظهر آنذاك العديد من المتغنين بالثورة والمتمسكين بمقاصدها مساندة مطلقة للمرشح قيس سعيّد، فسانده طيف كبير من اليساريين، وآزرته شخصيات محسوبة على رابطات حماية الثورة، وأبدى ائتلاف الكرامة حماسة فائقة في الدفاع عن رجل "الطهارة والثورة والقانون"، أمّا أنصار النهضة فقد ضغطوا على مجلس الشورى فسارع بإعلان الدعم الرسمي لمنافس نبيل القروي، رئيس قلب تونس، الذي حامت حوله شبهات فساد وتطبيع.

التحاق حركة النهضة بركب المساندين لقيس سعيّد ساهم في حسم التصويت لفائدة مرشح دخل السباق الانتخابي بلا سند حزبي، فارتقى به الأمر إلى مرتبة الشخصية الجامعة، فقد أصبح "إمام الإسلاميين وقائد الثوريين"، لكن لو أعدنا النظر إلى سجل المساندين لقيس سعيّد هذه الأيام لوقفنا على تحول من النقيض إلى النقيض.

اقرأ/ي أيضًا: هل بدأ رصيد قيس سعيّد يتآكل؟

أعداء الأمس أنصار اليوم

اللافت في هذا المشهد المتقلب أن الكثير من خصوم قيس سعيّد قد أصبحوا ينظرون إليه بعين الرضا، فكفوا عن مهاجمته وترذيل مواقفه، يوسف الشاهد الذي كان يشكك في محيط قيس سعيّد أصبح بعد الانتخابات يظهر له كل آيات الطاعة والعرفان، والجامعية ألفة يوسف التي أمعنت قبل الانتخابات في السخرية من أستاذ القانون الدستوري أصبحت في صف المدافعين عنه قائلة في إحدى تدويناتها "قيس سعيّد.. سيكشف الفاسقين.. شكرًا قيس سعيّد وعذرًا إن أخطأت في تقييمك يومًا".

لا يحتاج الناظر في هذه التحولات إلى جهد جهيد ليكتشف أن الكثير من أنصار المنظومة القديمة قد باتوا مدافعين شرسين على قيس سعيّد، وهو ما يجعل المشهد مشوشًا والفرز مستعصيًا. ما السرّ في هذا "الانقلاب" في المواقف؟ هل يستند هذا التغير فعلاً إلى مراجعات أفضت إلى الاعتراف بمنزلة قيس سعيّد كما ادعت ألفة يوسف؟ 

من الفرضيات التي يمكن الإعراض عنها هي القول بالتحول من العداء إلى الولاء بدافع الخوف أو الطمع، فتلك المعادلة لا تتناسب مع مراتب الحرية والديمقراطية التي بلغتها بلادنا. في المقابل لا يمكن التسليم بأنّ مساندة أنصار المنظومة القديمة لقيس سعيّد راجعة إلى تناسب أطروحاته مع رؤيتهم السياسية الميالة إلى الاستبداد والاستعباد.

الأرجح أن هذه المساندة لقيس سعيّد هي مساندة ظرفية تحكمها معادلة "عدو عدوي صديقي"، فقد رأى هؤلاء "الأنصار الجدد" أنّ الخلاف بين قيس سعيّد وحركة النهضة شبيه ببوادر صراع بن علي مع الإسلاميين في التسعينيات، فسارعوا إلى الوقوف في صفّ رئيس الجمهورية وراودتهم من جديد رغبات القمع والمنع والاستئصال. قربهم إذًا أملته بعض الاختلافات في تقدير الأمور، لكن ما شعور هؤلاء لو عاد الانسجام بين مؤسستي الرئاسة ومجلس النواب، لا أشك في أنهم سيعودون إلى سجل النعوت التي وصفوا بها قيس سعيّد قبل الانتخابات، ولا أستبعد أن يطلق عليه بعضهم من جديد صفة "خوانجي".  

مساندة أنصار المنظومة القديمة لقيس سعيّد هي مساندة ظرفية تحكمها معادلة "عدو عدوي صديقي" 

لم يتخلّص جلّ التونسيين رغم كثرة المقاربات والقراءات بعدُ من سلطان حركة النهضة على النفوس والأذهان، أكاد أقول إنها تساهم بشكل مثير مرضيّ عُصابي في تحديد المواقف لدى جل الأحزاب والشخصيات السياسية، فالموالاة والمعاداة والقرب والبعد والرفض والقبول ردود أفعال لا تنبني على برامج وتصورات بقدر ما تنبني على علاقة هذا الطرف أو ذاك بحركة النهضة وبرئيسها.

ينطبق هذا على خصوم النهضة كما ينطبق على أنصارها فجل من يختلف معهم يتم رميه باتهامات جاهزة من قبيل إقصائي، تجمعي، عدو الثورة.. وهو ما يمكن أن نقرأه على سبيل المثال في بعض تدوينات محمد هنيد، الأكاديمي والمحاضر بجامعة السوربون، في مثل قوله "قلت لكم منذ مدة إنه (قيس سعيّد) أخطر من حكم تونس وهو اليوم يتحالف مع الثورة المضادة من أجل إسقاط برلمان الشعب..".

هكذا يتضح أن التقييم السياسي لعدد من الأحزاب والشخصيات في تونس لا يزال مفتقرًا إلى الموضوعية والأسس العلمية، ومن أخطر عيوبه التسرع والتهافت والمغالطة والتناقض، فلا عجب أن تُسحب منك بين عشية وضحاها كل ألقاب الشهامة والنضال والطهارة والثورية بمقتضى صورة أو تصريح يُعرض في غير سياقه أو سوء تقدير لموقف، فالألقاب السياسية في بلادنا غالباً ما تكون انطباعية تُعلق وتنتزع بأسلوب فجائي "انقلابي" لا يراعي أي لون من ألوان الاستدراك والتعديل والتنسيب والزيادة والنقصان، لا توجد عند هؤلاء الانطباعيين منطقة وسطى ما بين الثوري الصالح الوطني والتجمعي الفاسد العميل.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

ماذا بعد سقوط لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان؟

عندما تُؤتى المنظومة الديمقراطيّة من داخلها