"الزردة" و"الوعدة".. احتفالات وطقوس لطلب الأمنيات

تتشابه احتفاليات "الزردة" في تونس في العموم مع اختلافها في التفاصيل (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

 

هل جرّبت مرّة أن تعقد خيطًا صغيرًا على أحد أضرحة وليّ صالح لتحقيق أمنية؟ وهل جرّبت إشعال شمعة في أحد زوايا ومقام ولي لطلب أمر أو الاغتسال بماء بئر أحد الأولياء الصالحين لتحقيق رغبة ما؟ ربّما لم تسمع عن هذه الطقوس أو العادات التي يؤمن بها البعض غير أنها منتشرة في عديد الزوايا في تونس.

لا تكاد تخلو جهة في تونس من مزار ومقام ولي صالح تقام له الاحتفالات السنوية التي تسمى بـ"الزردة" وهي احتفالية تتضمن عديد الطقوس

والزوايا كانت ولا تزال مقصدًا لفئة كبيرة من التونسيين في العديد من الجهات، وهي مزارات ترتبط برموز ودلالات تختلف من جهة إلى أخرى، إلا أنّها تلتقي في المعتقدات والمخيال والسلوك الجمعي داخل المجموعات التي تمارس طقوسها بعيدًا عن أي تفكير في معقوليتها أو منطقيتها. وهي ترتبط بالروحانيات والمعتقدات المتوارثة حول قدرة الأولياء على درء المخاطر وتحقيق الأمنيات والتقرب إلى الله.

عادات تتواراثها الأجيال في عدّة مناطق، فلا تكاد تخلو جهة ما من مزار ومقام ولي تقام له الاحتفالات السنوية التي تسمى بـ"الزردة". وهي احتفالات يحتشد فيها الناس لزيارة أحد الأولياء الصالحين لممارسة طقوس متشابهة في العموم ومختلفة في بعض التفاصيل.

"زردة" سيدي تليل في القصرين (مريم الناصري/ألترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا: في تونس.. صوفيون بربطات عنق

"سيدي بوسعيد"، و"سيدي بن عروس"، و"سيدي محرز" و"سيدي بولبابة" وغيرهم من الأولياء الصالحين في تونس، هم بشر يقال إنّهم أصحاب تقوى وعمل صالح اصطفاهم الله وجعلهم من أوليائه الصالحين، تحاك عنهم وعن حياتهم قصص وحكايات بين الواقع والخيال، وقدرتهم حتى على تحقيق المعجزات وهم أموات.

 وتختلف هذه الحكايات من جهة إلى أخرى، فيما يتّفق مردّدوها على أنّ أبطالها من أصحاب الكرامات والفعل الحسن لذا تميّزوا بهيبة وقداسة داخل الأوساط الاجتماعيّة وخاصّة الشّعبيّة منها. وقد بُنيت لهم زوايا منذ سنوات باتت كمعالم دينية تُزار يوميًا، تقام فيها احتفالات سنوية وطقوس صوفية من شموع وبخور وحضرة وذبائح وغيرها.

كيفية الإعداد لـ"الزردة"

تبدأ التحضيرات للاحتفال الذي يسمى بـ"الزردة" بالإعلان عن موعدها قبل أسبوعين من تنظيمها. إذ يقع تكليف شخص يسمى "الوكيل" ليطوف بالأسواق الأسبوعية بالجهة مرددًا "بأمر الله وأمر الصالحين ستقوم زردة سيدي فلان يوم كذا"، ليعلن بذلك رسميًا عن موعد الزردة. وقبل أسبوع فقط عن الموعد، يقوم الوكيل بجولة أخرى في تلك الأسواق بغاية التأكيد.

محمّد الحباسي ( أحد منظمي زردة "مقام بن حباس"): تبدأ الاحتفالات بقراءة بعض القرآن بالمزار وإشعال الشموع والدعاء، ثم استعراض بعض الأغاني والإنشاد والذكر الخاص بالجهة

وغالبًا ما يراعي تحديد موعد الزردة في عدّة مناطق لا سيما بالشمال مشاغل الناس، لذا غالبًا ما تقام الزردة بعد موسم الحصاد مباشرة وانتهاء العمل الزراعي لتنطلق أغلبها أواخر شهر جويلية/يوليو وتتواصل إلى غاية شهر أوت/أغسطس، وفق ما أخبرنا به محمّد الحباسي، أحد منظمي زردة "مقام بن حباس" في منطقة الروحية بولاية سليانة.

وأضاف محدثنا أنّه يقع نصب الخيام قبل انطلاق الاحتفالات بثلاثة أيام لاستقبال الضيوف من جهات مختلفة. وتبدأ الاحتفالات بقراءة بعض القرآن بالمزار وإشعال الشموع والدعاء، ثم استعراض بعض الأغاني والإنشاد والذكر الخاص بالجهة، لتتواصل هذه الاحتفالات على امتداد ثلاثة أيام.

من احتفاليات زردة "سيدي تليل" في القصرين (مريم الناصري/ ألترا تونس)

 

ولا شكّ أنّ الزردة ترتبط بشكل كبير باستعراض الأناشيد والذكر وأغاني الحضرة، وتكون أغلب الأغاني والأهازيج فيها معلومة لدى المجموعات المشاركة في الاحتفال، ولا تخرج عن مدح الولي واستعطافه.

ففي المخيال الشعبي، الولي الصالح هو إنسان قديس قريب إلى الله قد يكون وسيطًا بينه وبين الله للاستجابة للدعاء. وتختلف تعريفات الأولياء الصالحين كلّ حسب رأيه، بين من يعتقد أنّهم من سلالة الرسول (صلى الله عليه وسلّم) وعائلته، وبين من يعتبرونهم مجرد أناس صالحين مقربين من لله، لذا بات الاعتقاد بكرامتهم وقدرتهم على تحقيق المرغوب والمطلوب من قبل فرد أو جماعة.  

مناسبة لتنفيذ "الوعدة"

تعدّ الزردة مناسبة لتنفيذ "الوعدة"، وهي كلمة مشتقة من فعل "وعد" يعني تعد بشيء، وتعني، حسب المعتقد الشعبي، نذرًا للولي في شكل ذبائح بالأساس أو أحباس من الأشجار أو قدرًا من المال أو المحصول، وهي تقدّم للناس كهدايا خلال "الزردة".

يتعهد الناس عادة بدفع "الوعدة" إذا ما تحققت لهم رغبة ما أو طلب ما فمثلًا تعد المرأة أحد الأولياء بتقديم خروف للذبيحة إذا ما أنجبت ولدًا

اقرأ/ي أيضًا: حدوة الحصان والخرزة الزرقاء والخُمسة.. عن أشهر أساطير طرد النحس في تونس

ويتعهد الناس عادة بدفع "الوعدة" إذا ما تحققت لهم رغبة ما أو طلب ما، فمثلًا تعد المرأة أحد الأولياء بتقديم خروف للذبيحة إذا ما أنجبت ولدًا أو إذا ما نجح أحد أبنائها. وقد دأب البعض على القيام بهذه الممارسة الطّقوسية كعادة توارثوها عن أبائهم وأجدادهم، وبقيت "الوعدة" كنذر لتحقيق أمنية معينة، كالشّفاء من المرض أو الزواج أو درء خطر ما.

 تقدّم "الوعدة" للناس كهدايا خلال "الزردة" (مريم الناصري/ألترا تونس)

 

وتعتبر "الوعدة" من العناصر الأساسية لاسيما وأنّ تلك الذبائح والأموال أو غيرها تقدّم للزوار طيلة أيام الاحتفالات في الزاوية، لذا تعتبر هذه الاحتفالات المتنفس الوحيد لسكان العديد من القرى لا سيما في الشمال أو الجنوب.

وحسب المعتقد لدى أغلب من يؤمنون بمثل هذه المعتقدات، فإنّ كلّ من يعد أحد الأولياء بشيء ما ولا ينفّذه فإنّه يتعرّض إلى الأذى بسبب سخط الولي لعدم إيفائه بوعده.

طقوس طلب الأمنيات 

وتعمد النسوة، في بعض المقامات، خلال "الزردة" إلى إشعال الشموع في بعض أركان المكان، كلّ منها أمنيتها أو طلبها لدى الولي. فيما ترى أخريات يعقدن بعض الخيوط على السور الخشبي لضريح الولي.

وكانت أوّل مرة أرى مثل هذا التصرف منذ أكثر من عشر سنوات في مقام السيدة المنوبية، ولم أفهم حينها السبب، لكنّ إحدى المشرفات على المقام أشارت إلى أنّ كلّ راغبة في الزواج أو الإنجاب ولم تتحقق رغبتها تعقد خيطًا صغيرًا وتطلب ما تتمناه في سرّها لتتحقق أمنيتها تبركًا بالولي الصالح.

لا تكاد تخلو جهة في تونس من مزار ومقام ولي صالح (الشاذلي بن ابراهيم/Getty)

 

في مقام سيدي البشير لم يختلف الأمر كثيرًا، فقد كانت إحدى المشرفات على المقام توزع خيوطًا رقيقة مختلفة الألوان على الزائرات ليقمن بعقده على ضريح الولي وطلب أمنية.

وأشارت لـ"ألترا تونس" إلى أنّ أغلب النساء بالأساس راغبات في الإنجاب، فكلّ من لم تنجب عليها فقط ربط خيط على الخشب المحيط بالضريح وتمني الانجاب ليحصل المراد، مضيفة "وكل شيء بتوفيق من الله".

تعمد النسوة، في بعض المقامات، خلال "الزردة" إلى إشعال الشموع في بعض أركان المكان، كلّ منها أمنيتها أو طلبها لدى الولي

هو اعتقاد غريب جدًا على غرار ممارسات طقوسية أخرى كالاعتقاد بقدرة ماء بئر أحد الأولياء على شفاء الانسان من أي مرض أو سحر أو عين، فترى العديد من زوار بعض الأضرحة يحملون معهم قوارير مياه ماء البئر خلال الزيارات اليومية، فيما يقوم العديد منهم بالاستحمام بماء البئر خلال "الزردة" طلبًا للشفاء.

لا أحد يعلم منطلق هذه المعتقدات وكيفية تشكّلها ولا دلالتها أحيانًا أو مدى صدقها في نهاية المطاف، لكنها تظل معتقدات وطقوس متوارثة من السلف إلى الخلف تتُبع حتى وإن لم تتحقق الأمنيات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

السطمبالي بين الأهازيج والموسيقى.. أين يكمن العلاج؟

"حِدّي"، "معيوفة" و"عَبْشَة": أسماء تمنع الموت حسب البعض؟