شركات الزواج في تونس.. خطّابة العصر لزواج مسكوت عنه

شركات الزواج في تونس.. خطّابة العصر لزواج مسكوت عنه

جدل حول التعارف عبر شركات الزواج بين داعم ومتحفّظ (Getty)

 

"كلّ حكاية حبّ تبدأ بصدفة" أو قد يُقال لك "تخيّل حياتك مع توأم روحك، أنت الآن أقرب لتحقيق حلمك"، فيما ينشر آخر من أجل تشجيعك "نعمل في الخفاء لنقدّم لك تجربة آمنة"، هي كلّها نماذج من عروض قد تصادفك على مواقع شركات الزواج أو على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس.

كلمة فسلام فموعد فلقاء، تلك التراتيب العادية والتقليدية لتأسيس كلّ علاقة، لكن يبدو أنّ إطار بعضها تغيّر عبر الزمن وانتقل من الفضاء العائلي إلى الفضاء العام ثمّ إلى العالم الافتراضي، حتى باتت تلك التراتيب تنظّمها شاشة صغيرة وعدة أزرار، أو مكتب زواج يقدّم خدمات مصنّفة على أنّها خدمات اجتماعية.

أصبحت وسائل الاتصال الحديثة ومكاتب الزواج جذابة لكثير من الأشخاص ممّن يبحثون عن تعارف لبناء علاقات مفضية إلى الزواج

فبدلًا من الخطابات التقليدية للمحبّين، تحولت المشاعر إلى مخطّطات ومخاطبات على البريد الالكتروني، أو إلى اتفاق يُمضى لدى أحد مكاتب الزواج التي باتت منتشرة في بعض المناطق.

وقد تكون هذه الوسائل الحديثة جذابة لكثير من الأشخاص ممّن يبحثون عن نصفهم الثاني وذلك كأفضل طريقة تعارف لبناء علاقات مفضية إلى الزواج بالنسبة إليهم.

اقرأ/ي أيضًا: تونسيات: "لم أتزوج".. ولا أريد "لا ظل رجل ولا ظل حيط"!

حياة.. فتاة تسرد تجربتها مع موقع للتعارف الزوجي

يعارض البعض هذا النوع من التعارف للزواج بعنوان أنّه لا يمكن الوثوق في أغلب زوار تلك المواقع "لاسيما أنّ أغلبهم لا يكشفون عن هوّيتهم الحقيقية غالبًا، وتكون الحكاية أشبه بحفلة تنكرية. قد تجد في بيانات أحد المسجلين صفات وبيانات تكون بعيدة كلّ البعد عن مهنته أو شخصيته أو حتى شكله وصفاته، لتجد نفسك أمام شخصية غريبة عن تلك التي قد قضيت أيامًا معها في محادثات مطوّلة وذلك مثلما حصل معي"، وفق ما تحدثنا حياة (اسم مستعار) لـ"ألترا تونس" عن تجربتها مع إحدى مواقع الزواج.

حياة (اسم مستعار): قد تجد في بيانات شخص مسجّل في مواقع الزواج صفات وبيانات تكون بعيدة كلّ البعد عن مهنته أو شخصيته أو حتى شكله 

هي شابة تجاوزت العقد الثالث من عمرها، تقول إنّها غير محظوظة في علاقات الحب إذ كان عنوانها الدائم هو الفشل حسب تعبيرها. هي تنزعج من عبارة "عانس" ومن تعليقات الأقارب أو حتى بعض الأصحاب وهو ما دفعها لتجربة أحد مواقع الزواج.

تخبرنا حياة قائلة: "قبلت الفكرة على مضض لكن لما لا، فهي في نهاية الأمر تجربة ووسيلة تعارف لا أكثر ولا أقل"، مضيفة: "في البداية كان التعارف مع أحد المسجلين في ذلك الموقع، شكل بسيط وعادي، المهنة أستاذ والهوايات تقليدية والمواصفات مقبولة. تواصل إلكتروني ثم تواصل هاتفي إلى أن جاء الموعد المحدّد للقاء المباشر".

تنتشر في تونس مكاتب ومواقع إلكترونية متخصصة في التعارف من أجل الزواج (Getty)

اقرأ/ي أيضًا: استراتجيات الرجال لإنهاء العلاقات مع النساء: "تستاهل ما خير؟"

تسكت محدّثتنا قليلًا ثم تضحك مطولًا قبل أن تبدأ بسرد تفاصيل أول لقاء: "لم يكن هو صاحب الصورة وهو ليس بأستاذ أصلًا أو حتى صاحب شهادة علمية حتى أن طريقة الحديث ليست ذاتها بل أحسست أني أمام شخص غير ذاك الذي قضيت أكثر من أسبوعين أدردش معه على أمل اللقاء. القصة مضحكة فعلًا. كان ذلك أول وآخر لقاء".

تقول حياة إنها لجأت فيما بعد إلى أحد مكاتب شركات الزواج، ودفعت بعض الرسوم الأولية بقيمة حوالي 50 دينارًا للتسجيل لتنطلق العملية بتعمير البيانات الشخصية وبعض المواصفات المرغوبة في الشريك، ثم تقديم شهادة ميلاد وهوية، وذلك في انتظار حلول دورها لمقابلة صاحب المكتب.

تعلق محدثتنا وضحكة السخرية لا تفارق تفاصيل الحكاية: "يبدو الأمر وكأنّك في عيادة طبيب ستدخل لتشكوه ألمًا بك، أو في أحد مكاتب شركات الاتصال" مضيفة "ربّما توقعت أنّ القصة ستكون أكثر ضمانة إذا ما تمت عبر شركة تعمل بشكل منظّم ولكن من الغباء توقع ذلك".

حياة (اسم مستعار): توقعت أنّ القصة ستكون أكثر ضمانة عبر مكتب زواج يعمل بشكل منظّم ولكن من الغباء توقع ذلك

تواصل حياة سرد قصتها قائلة: "تركت رقم هاتفي وفق ما هو مطلوب منّي. لم يتجاوز الأمر سوى مرور أسبوع حتى اتصل بي أحد الباحثين عن زوجة، وانطلق التعارف بيننا. بدت الحكاية مزعجة في البداية، وكأنّ الأمر مجرّد عقد صفقة عمل فكلّ شيء روتيني". تقول إنه كان عليها التعود على شكله وصوته وتفاصيل حياته، على أن تضع في ذهنها أنه قد يكون شكل التعارف شبيهًا لما يتم في الوسط الجامعي أو العملي إذ لا فرق، بالنسبة لديها، سوى في الطريقة.

"ملل وروتين توقعت أن ينقشع بعد مدّة من التعارف إلى أن مرّ شهران أو أكثر حين اكتشفت أنّه لم يكن يبحث عن زوجة، إذ كان مراده هو الجنس. انتهت القصة بعد اكتشافي أنّني ربما كنت ضحية استغلال جنسي فقط"، هكذا تختم حياة حديثها معنا عن تجربتها في موقع إلكتروني للتعارف من أجل الزواج.

شركات الزواج.. خطّابة العصر   

انتهى زمن الخطاّبة وهي المرأة المكلّفة من لدن الخطيب أو أهله أو أصدقائه لطلب يد البنت من أجل الزواج، وانتهى معه زمن التعارف التقليدي بين العائلات بعد أن شهدت العلاقات نوعًا من التحرر والانفتاح أكثر بسبب العمل والدراسة.

ويبدو أنّ شركات الزواج هي الأخرى باتت بديلًا عن الخطابة على الرغم من صعوبة تقبّل بعض العائلات لفكرة زواج أفرزه تعارف على الأنترنت أو شركة متخصصة في الزواج.

لكن بات من الرائج، في السنوات الأخيرة، أن تكون الإجابة عن سؤال "كيفاش تعرّفت عليه" (كيف تعرّفت عليه) بـ"عرفته عبر الفيسبوك". لكن البعض يفضّل عدم الإفصاح أنّه تعرّف على شريكه عبر مواقع شركات الزواج أو مكاتبها "فقد يبدو الأمر غريبًا أو مخجلًا" وفق ما يشير إليه أحمد الذي تزوج عبر شركة زواج بالعاصمة.

بدأت تنتشر شركات الزواج في تونس رغم صعوبة تقبّل بعض العائلات لفكرة زواج أفرزه تعارف على الأنترنت أو شركة متخصصة في الزواج

هو اليوم أب لطفلين وحياته عادية "لكن الزواج عن غير حب فقط اتفاق وتفاهم" على حد تعبيره في حديثه معنا، وهو يخجل اليوم من الإفصاح عن كيفية تعرّفه على زوجته رغم مرور سنوات من الزواج.

شركات الزواج التي تهدف إلى ربط الشباب والفتيات الجادين في الارتباط والتعارف انتشرت في بعض الدول بما في ذلك تونس. بعض هذه الشركات لديه مقر، فيما يعوّل بعضها فقط على موقع إلكتروني. لكن رغم ما يُروى من قصص حول التعارف عن طريق مكاتب الزواج تلك، فإنّ الكثير منها انتهى بزواج بعد عثور عديد الثنائيات على قواسم مشتركة فيما بينهما.

اقرأ/ي أيضًا: رسائل الحب بين الأمس واليوم.. من سهاد المحبوب إلى السهر على فيسبوك

تواصل "ألترا تونس" مع ريم الورتاني، وهي صاحبة شركة زواج في العاصمة تنشط منذ أكثر من 17 سنة، التي أكدت، في بداية حديثها، أنها تصنف شركات الزواج كشركات خدمات اجتماعية مهمّتها الجمع بين طرفين يرغبان في الزواج "فهي ليست شركات ربحية أو غايتها المال كما يروّج لذلك، فقط هي تقدّم خدمات لعدد كبير من الشباب في إطار منظّم".

تضيف ريم أن مكتبها يؤمن أكثر من 30 مقابلة شهريًا، ويستقبل توافد العديد من الجنسين ومن فئات عمرية مختلفة، بعضهم يتجاوز سنّه حتى الخمسين سنة، مشددة على إطار السرية وحماية المعطيات الشخصية "ولكن الشركة غير مسؤولة عن السلوكيات التي قد يبديها الأشخاص فيما بعد فيما بينهم"، كما تؤكد.

صاحب شركة أخرى للزواج (رفض الكشف عن اسمه) يقول لـ"ألترا تونس" إنّ الزواج عبر الأنترنت أو عبر شركات الزواج أصبح أمرًا عاديًا اليوم. ويؤكد أن العديد من الزيجات تمت عبر هذه الشركات، لكنّ يرفض المتزوّجون الافصاح عن ذلك لأنّ الأمر مخجل ومازال مرفوضًا لدى البعض، ويرى أنّ الزواج بهذه الطريقة بات وكأنّه صفقة مربحة، حسب تعبيره.

ريم الورتاني (صاحبة مكتب زواج): شركات الزواج تقدم خدمات اجتماعية وهي ليس شركات ربحية غايتها المال

يعلق محدثنا، في هذا الجانب، بالقول: "فعلًا بعض علاقات التعارف التي نشأت داخل مكاتب الزواج توجت بالزواج لكن بعضها فشل أيضًا لأنّ المسألة تنبني أساسًا على مدى توافق الطرفين. وعمومًا تكلفة المسألة ليس بالكبيرة فسعر الخدمة يترواح بين 200 أو 400 دينار".

أدلى شيوخ الدين بدلوهم، في الأثناء، في مسألة الزواج عبر الأنترنت أو عبر شركات الزواج، على ضوء طرح الملف في البرامج التلفزيونية أو تلقي تساؤلات حول هذا النوع من التعارف، الذي أثار اختلافًا كبيرًا بينهم فتباينت الفتاوى. فريق يرى أنّ هذا التعارف يجوز شرعًا طالما الغاية هي الزواج على سنّة الله ورسوله، لكن يرى فريق آخر أنّ الطريقة لا تجوز طالما أنّها علاقة تنبني خارج إطار العائلة وفي فضاء غير مراقب، حسب تقديره.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تبيح عدم عذرية الزوجة طلب الطلاق لدى المحاكم التونسية؟ (تحليل قانوني)

منية.. أمّ لـ8 أطفال لم تلدهم