الصوفية في تونس.. من يستثمر الصراع؟

الصوفية في تونس.. من يستثمر الصراع؟

1506 مشاهدة
تنتشر الطرق الصوفية في تونس (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

احتلت مسألة تحيّيد الدين عن الشأن السياسيّ حيّزًا واسعًا من النقاش في تونس في الفترة الموالية للثورة. وكثيرًا ما اتّهمت الأحزاب العلمانيّة، عن حقّ في أحيان كثيرة، حركة النهضة باستغلال المساجد في حشد الدعم السياسيّ. لكن لم تحظ زيارات الباجي قايد السبسي، رئيس الجمهوريّة الحالي، إلى زوايا صوفيّة، في فترة الانتخابات الرئاسيّة، بنفس التنديد كما لو أنّ المقامات تقع خارج الحيّز الدينيّ.

هيّأت القطيعة بين حركة النهضة والطرق الصوفيّة، الأرض لخصوم النهضة السياسيّين للاستثمار في جمهور الزوايا

ونلقي في هذا المقال الضوء على بعض أسباب ومبررات تلك الزيارات ودوافع الدعم الواضح الذي قدّمته بعض الطرق لقائد السبسي خاصّة للمساهمة في رسم صورة أوضح للصراعات التي شهدها الحقل الدينيّ في سياق ما بعد ثوريّ متبدّل. ومن أجل فهم أوسع للمسألة، من المتعيّن وضعها ضمن سياق الصراع بين حركة النهضة وبين الزوايا الصوفيّة الذي يرتكز أساسًا حول تنازع الشرعيّة الدينيّة. إذ يتهم رموز من الطرق الصوفيّة حركة النهضة بتبني أطروحات يصفونها بالغريبة عن التقاليد التونسيّة، فيما تعيب شخصيات من الحركة على الزوايا تبنيها ممارسات لا تعتبرها من جوهر الإسلام. وفي هذا الصدد، ابتُدع مصطلح "الإسلام التونسيّ"، الذي تبناه صوفيون وعلمانيون، ووضع في مقابل مصطلح "الإسلام الوافد" الذي وصمت به النهضة.

اقرأ/ي أيضًا: تحفيظ القرآن بالمدارس الحكومية في تونس.. المعركة!

إذ قال مازن الشريف، الناطق الرسميّ باسم اتحاد الطرق الصوفيّة، في تصريح له بداية العام 2013 إن "زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، يدعم الفكر الوهابيّ في تونس، خاصّة وأنّه عرف بتأثره الشديد بهذا الفكر الذي يدعو إلى التكفير والقضاء على الخصوصيّة التونسيّة". ورغم امتناع حركة النهضة عن الدخول في سجالات معمّقة مع خصمها التقليديّ، اعتبر البعض تنديدها المحتشم بالاعتداءات التي طالت عشرات المقامات الصوفيّة في فترة حكمها ضربًا من الموافقة الضمنيّة. ولم ينس عبد الحميد الجلاصي، القيادي في النهضة، في معرض إدانته لتلك الاعتداءات التذكير بخلافاتهم مع الصوفيّة، حيث صرّح أنّ "أضرحة الأولياء الصالحين تعتبر تراثًا وطنيّا للتونسيّين بغض النظر عن الخلاف العقديّ".

هيّأت القطيعة بين حركة النهضة والطرق الصوفيّة، حيث لم يسع في الفترة الموالية للثورة أيّ من الطرفين للجلوس مع الآخر والتحاور حول الخلافات، والتي عمّقتها الاعتداءات مجهولة المصدر، وتخوّف الصوفيّين مما يمكن أن يحمل لهم المستقبل، الأرض لخصوم النهضة السياسيّين للاستثمار في جمهور الزوايا. وعلى الرغم من الموقف السلبيّ الذي حمله الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، الذي يعتبره قايد السبسي ملهمه السياسيّ، تجاه رجال الدين عمومًا، ولا يمثّل الصوفيون استثناء، إلاّ أنّ له سابقة تجعل من زيارات السبسي للزوايا محض استعادة رمزيّة لها. حيث يذكر عالم الاجتماع عادل بالكحلة في كتابه "الحالة الاجتماعيّة في المجتمع المحليّ: حالة قصيبة المديوني" تحالف بورقيبة مع زعماء بعض الطرق الصوفية في وجه خصومه من الإسلاميّين التقليديّين (الذين تعتبر النهضة أنها بشكل من الأشكال وريثة لهم).

تحالف بورقيبة مع زعماء بعض الطرق الصوفية في وجه خصومه من الإسلاميين التقليديين

يقول بالكحلة، لقد كان "المجاهد الأكبر" يواجه غضب الكثير من الطلبة الزيتونيّين، خاصة المنخرطين في صوت الطالب الزيتوني بسبب إعلان الاستقلال الداخليّ، ووصل الأمر إلى التقاتل الداخليّ، فكان منشغلاً ببناء تحالفات مع شخصيّات دينيّة، تكفل له مشروعيّة جديدة، ولما رأى الطرقيّة الجديدة تعرض عليه تحالفها، وافق على الفور". ومع تقدير اختلاف السياقين، وجد كلّ من بورقيبة وقايد السبسي في الزوايا حليفًا له ضدّ خصومه من الإسلاميّين، كما وجدت الزوايا في الرجلين حليفين لها ضدّ خصومها من الإسلاميّين الذين ينازعونها الشرعيّة الدينيّة، أيّ أنّ العلاقة قامت في كلتا الحالتين على المصلحة المتبادلة.

وفي حالة السبسي، تتمثّل، في رأيي، أهم زياراته للزوايا في زيارته مقام أبي الحسن الشاذلي خلال حملته للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة، حيث حظيت بأوسع تغطية إعلاميّة إضافة إلى الدعم الصريح الذي تمخّض عنها. ويتبيّن من الكلمة الترحيبيّة، التي ألقاها أحد مشايخ المقام أنّ الزاوية هي من دعته، وكما يعكس ذلك رغبة في دعم مرشّح رئاسيّ بعينه فإنّه يعكس منطقيّا موقفًا سلبيّا من المرشح المنافس، الذي كان سابقًا في تحالف مع حركة النهضة.

كما استغلّ الشيخ المناسبة لدفع تهمة ممارسة الطقوس الغريبة على الإسلام عن الطريقة، حيث قال "هذه المغارة رفيعة الشأن التي أشعت منها الأنوار الربانيّة بسبب ما تتلى فيها من أذكار، ويقرأ فيها من قرآن، وتختم فيها من أختام، ويحلى فيها من سرد الحديث الشريف، وتزخرف في بهوها وصلبها وفنائها من مديح المصطفى". ولم يبخل المتحدّث الثاني في مدح وإعلان دعمهم لقائد السبسي، حيث قال "ونحن في هذا المقام العليّ، ندعو له بالفلاح والنجاح لما هو مقبل عليه من قيادة سفينة تونس المحروسة والإبحار بها إلى شاطئ السلام والأمن والرقيّ، فإلى جانب تمسّكه بالقيم العلميّة والروحيّة بحكم أصالته وتربيته الرفيعة وتعمّقه في تلك القيم وثقافته الإسلاميّة، اكتسب تجارب سياسيّة واجتماعيّة طويلة الأمد وعرف بين سائر الدول، خصوصًا العظمى منها، بحنكته السياسيّة وخطابه المعلّل المقنع والكثير من نجاحاته في ميادين مختلفة داخليّا وخارجيّا".

اقرأ/ي أيضًا: تونس.. "الخلدونيّة" مدرسة التحديث والمقاومة

ومن جهته، أطنب قايد السبسي في إبراز أصالة انتمائه إلى المنهج الصوفيّ. حيث ذكّر بأنّه ولد في مقام أبي سعيد الباجي، ومن هنا يفهم سبب تسميته بالباجي، وبأن زوجته، التي تحمل اسم شاذلية، تنتمي باسمها وبنسبها وبانتمائها إلى طريقة أبي الحسن. ودعا إلى "الالتزام بالمنهج الذي نؤمن به جميعًا" ووعدهم بأنّه سيحرص على أن لا تحرق في المستقبل أيّ زاوية.

لا يمكن بالتأكيد تأويل زيارات قايد السبسي خارج دائرة التوظيف السياسيّ للدين. كما لا يمكن فهم ذلك التوظيف خارج إطار الصراع بين الفاعلين الدينيّين الذين ينقسمون أساسًا، بعد خروج السلفيّة الجهاديّة من دائرة الفعل المؤثّر، إلى صوفيّة ونهضة، التي وإن كانت حركة سياسيّة إلاّ أنها تحمل رؤية دينيّة وينشط ضمنها عدد مهمّ من الدعاة والمشايخ. لكن يبدو في المدة الأخيرة أنّ النهضة تبذل جهودًا في سبيل رأب الصدع بينها وبين التيار الصوفي، ولا يمكن كذلك فهم تلك الجهود خارج إطار السياسة. حيث اعتبر الغنوشي في حوار معه بمناسبة انعقاد المؤتمر العاشر للحركة أنّ "النهضة متجهة إلى مزيد الانفتاح على كل شرائح المجتمع التونسي بما في ذلك شريحة الصوفيّة"، وأضاف أنّ للنهضة "علاقات مع الإخوة الصوفيّين، والشعب التونسي يميل إلى الصوفيّة في عمومه".

كما يواصل حزب نداء تونس استثماره السياسيّ في جماهير الطرق الصوفيّة، حيث حضر حافظ قايد السبسيّ ومحسن مرزوق (المنشق عن الحزب والمحافظ على نفس الموقف من الطرق)، أواخر العام 2016، الاحتفالات بذكرى المولد النبويّ في الزاوية المدانية في قصيبة المديونيّ. ولا شكّ أن العدد الغفير من الحاضرين (الذي تجاوز ثلاثة آلاف) هو دافعهما الأكبر للتواجد هناك.

اقرأ/ي أيضًا:

المولد النبوي في تونس.. احتفالات وطقوس

مساجد الجامعات الجزائرية.. لله أم للأحزاب؟