الختان في تونس... أصول وتقاليد

الختان في تونس... أصول وتقاليد

الختان هو من أوكد مظاهر التدين الاجتماعي والحميمي في تونس (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

ختان الفتيان لم يكن يومًا موضوع خلاف تقييمي أو تأصيلي بين عامّة التونسيين، ولم يحضر الجدال والسجال حول هذه السنة إلا في منابر النخب الفكرية والثقافية والفقهية والصحية التي تضمنت إشارات إلى الأصول الوثنية واليهودية والأسطورية وغيرها من الروافد الدخيلة، ورغم ما تبوح به هذه المنابر من مواقف متباينة وأراء مختلفة فإنّ صداها في الواقع يبدو هيّنًا. فالمسافة بين التنظير الديني والحياة وبين المقاربات الفكرية والممارسات وبين الأحكام الفقهية والطقوس الاحتفالية تبدو في مسألة الختان وغيرها من المسائل بعيدة.

ظلّ التونسيون متمسكين بسنة الختان مجمعين عليها لا يحركهم في ذلك الوازع الديني أو الدافع الصحي بقدر ما تحركهم جملة من التصورات والعادات

فقد ظلّ التونسيون رغم المساجلات النخبوية متمسكين بسنة الختان مجمعين عليها لا يحركهم في ذلك الوازع الديني أو الدافع الصحي بقدر ما  تحركهم جملة من التصورات والعادات الخصوصية التي تستحق في هذا المقام التأملّ والتقليب.

اقرأ/ي أيضًا: استقبال المواليد في التقاليد التونسية.. طقوس "خلاص الوحل" و"السّابع"

الختان و"الطهارة" أو السنة والمقصد الشرعي

تسمية "الطهارة" في ذاتها يمكن اعتبارها آية تميز وخصوصية، إذ يطلق التونسيون على الختان لفظ "الطهارة"، ومنها اشتقوا الفعل "طهّر" والصفة المشبهة "مْطهّر" والمصدر الطهور المحيل إلى المناسبة الاحتفالية، وقس على ذلك اسم "الطهار" الذي يضبط مهنة القائم بهذا النشاط الجراحي.

 وقد حضرت بعض هذه المفردات في مطلع "تعليلة المطهر" التي رددها العديد من المطربين التونسيين ومنهم زياد غرسة وقبله المطرب التونسي ذي الأصول اليهودية راوول جورنو، وجاء في مطلع الأغنية "طهّر يا المطهّر، صحّه لوالديه، لا توجعلي وليدي ولا نغضب عليك".

هذه المشتقات المنحدرة من الجذر (ط،هـ، ر) لا تخلو من وجاهة في صلة بكلمة الختان، ذلك أنّ الختان ورد ضمن حديث نبوي فيه ذكر لأصول عديدة من السنن المندرجة ضمن "باب النظافة والطهارة". فعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "خمسٌ من الفطرة، الختان والاستحداد (حلق العانة/ الذكر أوالفرج) ونتف الإبط وتقليم الأظفار وقصّ الشارب" (رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه).

في المقابل، لا بد من الاعتراف بأنّ كلمة الطهارة رغم تناغمها مع لفظ الختان مقصدًا ومقامًا فإنّها تبدو مفتقرة إلى الدقة، فالختان لغة من الختن أي القطع، وهو وفق الاصطلاح الفقهي يعني قطع الجلدة التي تغطّي حشفة/ رأس الذكر، لكن يحقّ لنا القول إن هذا العدول في التسمية يحمل شحنة تأثيرية حجاجية تتصل بالتطلع إلى إظهار منزلة هذه السنة، فكأن اللهجة التونسية تحرص على وضع معادلة مفادها أن الختان هو السبيل الأمثل والأوثق لبلوغ "الطهارة" بما هي نظافة وصحة وسلامة.

هذا التوجه الكامن في التسمية تجيزه الدراسات العلمية التي أكدت الأهمية الوقائية والعلاجية للختان، فالجلدة التي تغطي حشفة/ رأس الذكر تكون في الغالب وفق العديد من التقارير الطبية المتطابقة مكانًا لتجمع الأوساخ مما يفضي أحيانًا إلى وقوع التهابات. ولولا أنّ هذا المقام التحليلي لساني اصطلاحي اجتماعي ثقافي لذكرنا عشرات الأمثلة العلمية والطبية التي تؤكد العلاقة المتينة بين الختان من جهة والوقاية والعلاج و"الطهارة" من جهة أخرى.

ختان الصغار وختان الكبار وإشكالية الفرض والسنة

أقرّت منظمة الصحة العالمية في إحدى إحصائياتها الصادرة سنة 2009 أنّ حوالي ثلث الذكور في العالم ممن سنهم فوق الثالثة عشر مختونين، هذا الضرب من التعداد لم يكن ليشغل التونسيين، إذ يمكن الإقرار دون تردّد أو بحث وتحقيق أنّ كلّ الذكور في تونس في هذه المرحلة العمرية أو قبلها قد مرّوا بهذه التجربة بصرف النظر عن مرجعيات أسرهم وعقائد أبائهم وأمهاتهم، فالطهارة (الختان) هي من أوكد السنن والعادات في هذا البلد العربي الإفريقي المتوسطي.

لا يمكن بأيّ حال من الأحوال في تونس أن تعلن حتّى على سبيل المزاح تنكرك للختان حتى كاد أن يتحول إلى ركن من أركان الدين

في تونس يمكن لك أن تُعرض عن سائر الفرائض دون أن يثير سلوكك هذا أيّ حرج عند العامّة والخاصّة ما عدا فئة قليلة من المتشدّدين، في المقابل لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تعلن حتّى على سبيل المزاح تنكرك للختان أو عزمك على التخلي عن طهارة أبنائك من الذكور. وهو ما يثير دهشة مردها إعادة ترتيب منزلة الفرائض عند التونسيين، حتى كاد الختان يتحول إلى ركن من أركان الدين بل أصبح عماده.

اقرأ/ي أيضًا: بيض وسمك وضرب.. أغرب عادات الزواج في تونس

في هذا المعنى، يقول المفكر عبد المجيد الشرفي في كتابه "الإسلام والحداثة" إن "الختان غير مذكور في القرآن، ولئن اعتبره الشافعي واجبًا فإنه سنة فقط عند مالك، ورغم اهتمام كتب الفقه بجزئيات العبادات فإنها في العادة لا توليه إلا مكانًا ثانويًا جدًا، أما في الضمير الإسلامي فإنّه يحتل مكانة مركزية، فيُعتبر علامة على الإسلام ولا يُتصور مسلم غير مختتن البتة" .

لا يحتاج الباحث إلى جهد كبير للتحقق ممّا انتهى إليه الشرفي، فمن عبارات التهاني التي تتواتر على مسمع والد "المطهر" ووالدته "مبروك دخوله دين الإسلام"، هذه العبارة يتكرر صداها بصوت خافت حينما تتزوج الفتاة التونسية من معتنق جديد للإسلام، فيدعى رسميًا إلى إعلان الشهادتين في حضرة المفتي، ويدعى في مقام خاصّ إلى إجراء الختان دفعًا للأقاويل ورفعًا للحرج، فظل الختان بذلك واحدًا من أوكد مظاهر التدين الاجتماعي والحميمي التي تتضح من خلاله وفق تعبير الشرفي "صورة الإسلام الحي والمعيش لا إسلام الكتب والعلماء والمنظرين" وهو مشغل لافت يندرج ضمن مبحث علم اجتماع الأديان.

الختان والزواج ومسألة الإخفاء والإشهار

"عرسك اشهرو وطهورك اخفيه" هذه القاعدة عادة ما يلجأ إليه الراغب في تجنب الأجواء الاحتفالية للختان، وبصرف النظر عن دوافع هذا الاختيار، فإنّ المتابع لطقوس "الطهارة" في تونس واجد منذ حوالي ثلاثة عقود تراجعًا تدريجيًا لما ألفناه من دعوات وهدايا وموسيقى وغناء وغيره من المراسم المعهودة، وقد جسّد السينارييست علي اللواتي والمخرج صلاح الدين الصيد هذا التحول على لسان شخصية منانة (منى نورالدين) في مسلسل "الخطاب على الباب". فقد عبرت عن اعتراضها عن ختان "حميدو" ابن الشاذلي الطمار (رؤوف بن عمر) بـ"الساكتة" (في صمت) قائلة في بداية الحلقة 14 من الجزء الثاني ( دق 4) "وعد الله، كان عْطى ربي راي مِّيمتو سويقاتها في سطل ماء بارد والقلال طاف طاف على القاعة وموزيكا تضرب".

 

لا يمكن التسليم بأنّ هذا التحول راجع إلى اختيار وقناعة بقدر ما يعود إلى أسباب نفسية وماديّة وموضوعية، فاستقبال المهنئين يستوجب استعدادًا خاصًا يعز بلوغه في ظلّ ما تعيشه الأسرة التونسية من ضغوطات يومية كما يستوجب الاحتفال بالختان فضاء واسعًا لم يعد متاحًا للجميع، فلا عجب أن ترى الريفيين أكثر تمسكًا بالأجواء الاحتفالية حيث "الأحواش الواسعة" والحقول والرياض والبساتين الفسيحة.

اقرأ/ي أيضًا: "سكّرتك بالشروليّة على كل بنية".. وللفتيان نصيب من التصفيح في تونس

حمّادي القاطن بأحد الأرياف في باجة كشف لـ"ألترا تونس" عن إصراره على تنظيم حفل ختان ابنه الذي بلغ سن الثالثة، وأرجع هذا الاختيار إلى رغبته في استرجاع العطايا والهدايا والأموال التي قدمها لأقاربه وأصدقائه وأحبته في أفراحهم، وهو ما يسمى "الرْمو" أو "القصعة" وقد انتظر حسب تعبيره هذا المولود بفارغ الصبر بعد أربع بنات.

لئن كان الإعراض عن تنظيم احتفالات الختان أو التمسك به راجعًا إلى أسباب ماديّة، فإنّ التعجيل بالختان قبل سن الخامسة وتقلّص ما يسمى "الطهارة العربي" والإقبال على الجراحين وأطباء المجاري البولية عائد أساسًا إلى تطور الوعي بخطورة هذه "العملية الجراحية" على صحّة الطفل الجسدية والنفسية مما يقتضي التسلح بأوفر شروط الوقاية والسلامة.

الختان بين الاحتفال الأسري و"المهرجان الشعبي"

لئن اختار العديد من التونسيين الإعراض عن الأجواء الاحتفالية قبل الختان وبعده، فقد تمسّكت فئة أخرى بمسلك يبدو أضخم من الاحتفال الأسري، إذ يمكن نعته بالمهرجان الختاني، يتجلى ذلك من خلال "الطهور الجماعي" الذي ينتظم ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان في عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية والصحية وحتى الأمنية (مثل تعاونية الأمن والسجون والإصلاح)، ومن أشهر الفضاءات التي ما انفكت تستقبل عشرات العائلات في هذه المناسبة الفريدة مقام الصحابي أبي زمعة البلوي بالقيروان.

الختان ليلة 27 في شهر رمضان هو عادة تونسيةأصيلة (ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

هذه الأجواء المهرجانية لم تتعطّل سنة 1441 للهجرة / 2020 للميلاد إلا بسبب وباء كورونا بمقتضى ضوابط الوقاية من العدوى التي تقتضي التباعد، فتم بسبب ذلك منع سائر الاحتفالات والأنشطة بما فيها الشعائر الدينية والطقوس الشعبية.

ختان البنات.. الصدمة

رغم أنّ ختان البنات معمول به في عدد من الأقطار العربية ورغم وجود أئمة وفقهاء يقرونه ويعدونه واجبًا ومنهم أحمد بن حنبل، فقد شكل طرح هذه المسألة مصدر صدمة وذهول لدى التونسيين، كان ذلك بمناسبة زيارة أداها الداعية المصري المثير للجدل وجدي غنيم إلى تونس سنة 2012، وبصرف النظر عن فحوى الزيارة ومقاصدها ومنظميها فقد مثل هذا الحدث قادحًا على طرح بعض المقاربات الفقهية الغريبة عن التونسيين فكرًا وثقافة وممارسة.

 إنّ التونسي في طرحه للعديد من المسائل لم يكن "ابن عقائده" بقدر ما كان "ابن عوائده" على حدّ تعبير ابن خلدون

 وقد تبين من خلال الجدل القائم أنّ المسألة قد اتخذت منحى إيديولوجيًا، فتم تنزيل موضوع ختان الفتيات ضمن ثنائيات الرجعية والحداثة والعلم والشعوذة والشريعة والعلمانية والتفتح والظلامية، ولم يغفل هذا المنحى الجدالي المتكرر عن إعادة طرح مسائل تحرير المرأة والحريات الفردية وغيرها من القضايا الخلافية.

الحماسة في التصدي لمسألة ختان البنات لا تخلو من وجاهة وموضوعية وقد بدت قائمة على يقين بأن هذا الحكم شاذ غريب سنده غير متين، لكن نفس الحماسة تجدها لدى التونسيين في الانتصار لختان الفتيان والحال أنّ هذا المسألة بعينها لا ترقى إلى مرتبة الأحكام القرآنية القطعية والواجبات المؤكدة وفق ما أوضحه العديد من الباحثين، وفي أفضل الأحوال واستنادًا إلى معايير فقهية فإن التخلي عن الختان ليس أخطر من التخلي عن الصلاة على سبيل المثال.

هذا ما يؤكد مرّة أخرى أنّ موضوع الختان لم يعالج في تونس خاصة لدى عامة المواطنين من منطلقات دينية فقهية إنما كان المدخل إلى الجدل فيه اجتماعيًا ثقافيًا ذوقيًا حتى جاز القول إنّ التونسي في طرحه للعديد من المسائل لم يكن "ابن عقائده" بقدر ما كان "ابن عوائده" على حدّ تعبير ابن خلدون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حفلات الزواج في تونس.. حلبة مصارعة للتفاخر والتباهي

شركات الزواج في تونس.. خطّابة العصر لزواج مسكوت عنه