05-يناير-2024
الثورة التونسية

"إنّ ما أصبح يتهدّد الثورة التونسية أخطر من النسيان، فالنّاسي يمكن تذكيره لكن كيف نردّ على المنكرين الجاحدين وكيف نتصدّى لمحترفي التلبيس والتضليل؟" (فتحي بلعيد/ أ.ف.ب)

مقال رأي 

 

تحوّل استرجاع أيام الثورة التونسية إلى سُنّة دأب عليها الباحثون والإعلاميّون، ففي كلّ عام يستحضر التونسيّون يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 وما تلاه من أحداث استحضارًا ميقاتيًا مُرتّبًا متدرّجًا، ينطلق من لحظة إحراق البوعزيزي جسده احتجاجًا إلى ساعة فرار بن علي يوم 14 جانفي/يناير 2011 مرورًا بالتطوّرات البطوليّة والدمويّة التي عاشتها جلّ المدن التونسيّة مواجهة وتظاهرًا وتدوينًا.

ما أصبح يتهدّد الثورة التونسية ذات الثلاثة عشر ربيعًا أخطر من النسيان، فالنّاسي يمكن تذكيره لكن كيف نردّ على المنكرين الجاحدين وكيف نتصدّى لمحترفي التلبيس والتضليل وخلط الأوراق وزعزعة الثوابت؟ 

تواصل هذا التنشيط لذكرى واحدة من أخطر الملاحم التي خاضها التونسيّون، إمّا بدافع عفويّ أو رغبة في تأصيل هذا الحدث وجعله عالقًا في الأذهان حتّى لا تَبلى روح الثورة، فهي في أمسّ الحاجة إلى التعهّد والعناية. ألا إنّ المشاعر والمواقف تَبلى كما يَبلى الثوب، وتذبلُ وتصدأ وقد يلفّها الإهمال والنسيان.

إنّ ما أصبح يتهدّد الثورة التونسية ذات الثلاثة عشر ربيعًا أخطر من النسيان، فالنّاسي يمكن تذكيره لكن كيف نردّ على المنكرين الجاحدين وكيف نتصدّى لمحترفي التلبيس والتضليل وخلط الأوراق وزعزعة الثوابت؟ 

 

  • المتلاعبون بالعقول "أبالسة الإنس" 

التلبيس في أبسط تعريفاته هو تحويل المسألة من الوضوح والبساطة إلى الغموض والتعقيد، ممّا يخلّف خلطًا فحيرةً فتباينًا في التصوّرات أو قعودًا عن اتخاذ المواقف وإحجامًا عن الحسم حتّى يزول اللَّبْسُ، وقد كانت الثورة التونسية في مرمى هذا الخطر الداهم الدائم منذ أكثر من عقد. 

التلبيس ليس فعلًا عفويًّا إنّما هو في الغالب مقصود ويقترن بمصطلحات أخرى جنيسة دلالة ووظيفة منها الفتنةُ والإرباكُ وإثارة الفوضى والتداخل في الخواطر والأفكار والثوابت والمرتكزات التي تؤلّف بين الناس في جماعات ومذاهب وأمم وأوطان.

التلبيس الذي أصاب الثورة التونسية لم يكن شيطانيًّا إنّما كان بشريًّا تزعّمته فئة من المتلاعبين بالعقول بدت عارفة بطبائع التونسيين وأمزجتهم فتمكّنت من التأثير فيهم وتوجيههم وجهة أفقدت الكثير منهم القدرة على التمييز والتقييم

التلبيس في الفكر الديني الإسلامي مصدره في الغالب شيطانيٌّ، وقد فصّل ابن الجوزي القول في هذا الأمر من خلال كتابه "تلبيس إبليس"، فقال في بداية الفصل الرابع: "التلبيس إظهار الباطل في صورة الحقّ والغرورُ نوعُ جهلٍ يوجب اعتقادَ الفاسد صحيحًا والرديء جيّدًا وسببُه وجود شبهة أَوْجَبتْ ذلك، وإنّما يدخل إبليس على الناس بقدر ما يمكنه ويزيد تمكّنه منهم ويقلّ على مقدار فطنتهم وغفلته وجهلهم وعلمهم".

التلبيس الذي أصاب الثورة التونسية لم يكن شيطانيًّا إنّما كان بشريًّا تزعّمته فئة من المتلاعبين بالعقول بدت عارفة بطبائع التونسيين وأمزجتهم ومطامعهم فتمكّنت بخبث وإصرار من التأثير فيهم وتوجيههم وجهة أفقدت الكثير منهم القدرة على التمييز والتقييم، فانقلبت الموازين أو تكاد و"صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا" على حدّ تعبير أبي حيّان التوحيدّي.  

 

 

المتلاعبون بالعقول عنوان كتاب ألفه هربورت شيلر عالم الاجتماع الأمريكي الذي فضح فيه أساليب التضليل التي تمارس على الشعوب لدفعها نحو اختيارات فكريّة وسلوكيّة مخصوصة وعدّ هذا الصنيع أخطر من القمع بمختلف وجوهه ودرجاته، يقول في هذا المعنى: "إنّ تضليل عقول البشر هو على حدّ قول باولو فرير "أداة للقهر" فهو يمثّل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصّة. يضمن المضلّلون التأييد الشعبيّ لنظام اجتماعيّ لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقيّة للأغلبية وعندما يؤدّي التضليل دوره بنجاح تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعيّة بديلة".

يتقاطع معنى التضليل مع معنى التلبيس في علاقة بالثورة التونسية لكنّ التلبيس أخطر لأنّ الأوّل يُفضي إلى تصديق معلومات زائفة، أمّا الثاني فهو فضلًا عن ذلك يدفع إلى حالة من الارتباك تجعل المرء غير قادرٍ على اتخاذ أي موقف

يتقاطع معنى التضليل كما وصفه الباحث مع معنى التلبيس في علاقة بالثورة التونسيّة لكنّ التلبيس أخطر لأنّ الأوّل يُفضي إلى تصديق معلومات مغلوطة زائفة، أمّا الثاني فهو فضلًا عن ذلك يدفع إلى حالة من الارتباك تجعل المرء من فرط التداخل والتشابك وفوضى الإشكاليّات غير قادرٍ على اتخاذ أي موقف فيميل في الغالب طوعًا إلى الزهد والعزلة والسلبيّة واللامبالاة.

مراجعة الجدالات والسجالات التي سيطرت منذ 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 تكشف لنا عددًا من المسائل التي بدا طرحها في صلة بالسياق الثوريّ أبعد ما يكون عن معالجة مسألة اجتماعية أو فكريّة بقدر ما كان يهدف إلى الإرباك والتلبيس، من تلك المسائل المشبوهة نعرض ثلاثًا:

 

  • التلبيس الأوّل: "الانتحار الاحتجاجيّ" حلال أم حرام؟

في فترة كان فيها التونسيون وأحرار العالم يتغنّون بمحمد البوعزيزي، ويطلقون عليه ألقابًا رمزيّة وأوصافًا تمجيديّة تَسرّب صوت دخيل نشاز يطرح سؤالًا مُحرجًا حول وجاهة الانتحار وشرعيّته وحكم فاعله أهو مؤمن أو عاص أو خارج عن الملّة!

تواصل التلاعب بالعقول من خلال تشويه شباب الثورة وأبطالها، إذ تعمّد حرّاس المعبد الاستبدادي القديم إخراج الكثير منهم في صورة اللصوص وقطّاع الطرق، ولأنّ فكر العامّة مصاب بلوثة التعميم فقد طال التشكيك كلّ الشهداء والجرحى

هذا السؤال أخذ من المؤمنين بطهارة الثورة ونبل مقاصدها طاقة كبيرة أُهدرت في الردّ على من رام تحويل وجهة الصراع من بعده الاجتماعيّ التنمويّ السياسيّ إلى أبعاد أخلاقيّة دينيّة لا تحتمل الحسم بقدر ما تحمل بذور الخلاف العقيم والفرقة المفضية إلى التناحر والتكفير.

رغم ذلك تمكّن المتلاعبون بمسار الثورة من المسّ من هيبة شهيد الحرية والكرامة، فنال البوعزيزي وعائلته كمًّا هائلًا من الاتهام والسباب وأُفرغت "البرويطة" من دلالتها التحرّرية وشحنت بمعاني الفوضى والابتزاز.

تواصل التلاعب بالعقول من خلال تشويه شباب الثورة وأبطالها، إذ تعمّد حرّاس المعبد الاستبدادي القديم إخراج الكثير منهم في صورة اللصوص وقطّاع الطرق، ولأنّ فكر العامّة مصاب بلوثة التعميم فقد طال التشكيك كلّ الشهداء والجرحى.

 

 

  • التلبيس الثاني: الربيع العربي أم العبري؟

أجمع التونسيون في بداية الثورة على أنّ هذه الحركة التحرريّة قد كانت نتاجًا للحيف الاجتماعي والتقييد على الحريّات واتفق الغالبيّة على أنّ إرهاصات هذا الحدث العظيم قد بدأت منذ عقود من خلال النضال الذي ساهمت فيه تيارات فكريّة وسياسيّة ونقابيّة وحقوقيّة وأكاديميّة متعدّدة ومتنوّعة المرجعيّات. 

أجمع التونسيون في بداية الثورة على أنّ هذه الحركة التحررية كانت نتاجًا للحيف الاجتماعي وتقييد الحريّات لكنّ ذلك لم يرُق للمتلاعبين بالعقول فأمعنوا في التفكيك والتأويل والتلبيس وأوهموا العامة بأنّ التونسيين كانوا ضحيّة خديعة غربيّة صهيونيّة

هذا الرأي العامّ لم يرُق للمتلاعبين بالعقول فأمعنوا في التفكيك والتأويل والتلبيس وأوهموا العامّة وكثيرًا من الخاصّة بأنّ التونسيين قد كانوا ضحيّة خديعة غربيّة صهيونيّة، فقُرنت الثورة عمدًا وغصبًا بنعوت جديدة فنابت عبارة الثورة العبريّة عن الثورة العربيّة وأمعن البعض في خلط الأمور فادعت جهات أخرى أنّ الأمر لا يعدو أن يكون انقلابًا ساهمت فيه بعض عناصر المنظومة القديمة من الداخل.

أصحاب هذه القراءات لم يكن همّهم أن تقتنع بمقارباتهم إنّما غايتهم الأساسيّة إحداث حالة الشكّ والارتباك والحدّ من أسباب التماسك الشعبيّ، ذاك دأب الأنظمة المستبدة إذا خرج عليها عدد محدود من المتمردين عمدت إلى سلطة القوة والقهر وإذا اتسعت جبهة الرفض استنجدت بمن يملك مهارة اللعب بالعقول وموهبة التفريق والتشتيت والإرباك.

 

  • التلبيس الثالث: الحريّة والمكاسب

ماذا جنينا من الحريّة؟، هذا الاستفهام الإنكاريّ ينطوي على إقرار بأنّ الحريّة التي نالها الشعب أثناء الحراك الثوريّ وبعده لم تشفعها إنجازات ملموسة، هذه الأطروحة غايتها كسابقاتها التلبيس والإرباك، وقد قامت على مغالطة وأكذوبة، أمّا المغالطة فمردها الإيهام بأنّ الحريّة مجرّدُ وسيلة أي مطيّة نعتمدها لبلوغ مآرب ماديّة والحال أنّ هذه القيمة الجوهريّة هي شرط الوجود والهويّة، يمكن الردّ على ذاك السؤال الإنكاري الخبيث بسؤال تأصيلي نبيل، ما فائدة حياة الترف في غير حريّة؟

ماذا جنينا من الحريّة؟ هذا الاستفهام الإنكاريّ ينطوي على إقرار بأنّ الحريّة التي نالها الشعب أثناء الحراك الثوريّ وبعده لم تشفعها إنجازات ملموسة، هذه الأطروحة غايتها كسابقاتها التلبيس والإرباك، وقد قامت على مغالطة وأكذوبة

الأكذوبة التي انطوت عليها تلك الأطروحةُ المخاتِلةُ هي التسليم بأنّ الثورة والحرية لم تثمر نجاحات والحال أنّها فتحت للتونسيين بابًا واسعًا من الوجاهة والعزّة في العالم مثّلت قيمة تسويقيّة ثمينة لم يحسن التونسيون استثمارها، وكانت الحريّة السبيل الأمثل الذي مكّن مئات الآلاف من الترسيم والترقيات والحصول على وظائف ما كانوا يحلمون بها في ظلّ نظام كان يمارس الفرز السياسيّ في الانتدابات والمناظرات، في هذه الحالة تنطبق صفة الجاحد الجحود على كلّ من نال بفضل الثورة والحريّة نصيبًا من الكسب والرزق وظلّ يشكو ويتذمّر ويردّد صدى ما يمليه عليه المتلاعبون بعقله.

من خلال هذه النماذج الواقعيّة والمعطيات الموضوعيّة يمكن الاهتداء إلى نتيجتين على الأقلّ:

-الأولى مفادها بأنّ التلبيس والجحود قد كانا أخطر على الثورة مسارًا ومآلات من بقيّة العوامل الأخرى محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

-الثانية تتّصل بالمُدافعين عن الثورة والحريّة، ذلك أنّ التصدّي للتضليل والتلبيس لا يكون بالبحث عن الخلاص الفرديّ أو السخرية المتعالية أو الردود المتهوّرة إنّما يكون بالحجّة والبرهان والإيمان بأنّ شرف المرء ليس مشروطًا بالنتائج والمكاسب إنّما هو موكول إلى الفكر والتعبير والفعل والتنوير، و"أن ليس للإنسان إلّا ما سعى".

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"