"أحكيلي".. منصّة مساعدة نفسية لمواجهة "الكورونا فوبيا"

مشاكل نفسية عديدة مترتّبة عن أزمة الكورونا (الشاذلي بن إبراهيم/Getty)

 

مع دخول نحو ربع سكان العالم في حجر صحّي شامل جرّاء تفشّي فيروس كورونا في سابقة لم تشهدها البشرية من قبل حتى في أعتى حروبها وخلال مواجهتها لشتى أنواع الكوارث الوبائية والطبيعية، تعمل كل الدول اليوم للحدّ من هذا الخطر بوضع كلّ إمكانياتها البشرية والماديّة من أجل تدبّر الطارئ الصحي عبر خطط التوقّى والمجابهة ورسم خطط استثنائية لتوفير الغذاء والأمن.

لكن يحذّر مختصو الصحة النفسية، في الأثناء، من الانعكاسات النفسية الخطيرة للأزمة على صحّة الناس وسلوكهم، وهو جانب يبدو ثانويًا في هذه الفترة بالنسبة للعديد والحال أن منظمّة الصحة العالمية تنصح في مناشيرها الأخيرة بإيلاء الرعاية النفسية الأهميّة اللاّزمة جرّاء العزلة الإجبارية التي يعيشها ملايين الناس، وقد نصحت أيضًا برسم خطط آنية وأخرى مستقبلية تهمّ تداعيات أزمة الكورونا بعد التخلّص من حدّتها والتخلّص منها تمامًا.

أحكيلي" هي منصّة هاتفية تونسية تقدّم خدمات مجانية لكافة المواطنين في مجال الرعاية النفسية لمواجهة أزمة الكورونا

في هذا الجانب، جنّدت مؤخرًا وزارة الصحة في تونس، حيث يُدرّس علم النفس والطبّ النفسي منذ أكثر من ستّين عامًا، الأطباء النفسانيين والأخصائيين النفسانيين للرعاية النفسية في المؤسسات الاستشفائية العمومية، وتوفر وزارة المرأة والطفولة وكبار السنّ بدورها الرعاية عبر منصّة "فاميليا"، لكن تظلّ هذه المجهودات غير كافية لمواجهة التأثيرات النفسية للحجر الصحي العام والندوب التي سيخلّفها لاحقًا في النفس البشرية.

اقرأ/ي أيضًا: فوبيا الإصابة بالمرض في زمن "الكورونا"

وفي هذا الإطار، تتطوّع نشطاء في علم النّفس في تونس من مختلف الاختصاصات من أجل تقديم خدمات مجانية لعامّة النّاس تهمّ الرعاية والتوجيه والمرافقة لمعاضدة مجهود الدولة والمجتمع في مواجهة الكورونا معتبرين أن الرعاية النفسية هي جزء من عملية حربية شاملة.

"أحكيلي" هي منصّة هاتفية تونسية تقدّم خدمات مجانية لكافة المواطنين في مجال الرعاية النفسية المطلوبة هذه الأيام وهم يواجهون الحجر الصحي الشامل وقد أسسها الثنائي غيث السوسي، أخصائي نفساني، ولمياء الشوك، مختصة في المحاسبة، ويرافقهما ثمانية أخصائيين نفسانيين.

كيف تعمل "أحكيلي"؟

في حديثه مع "ألترا تونس"، يخبرنا غيث السوسي، الناطق باسم الفريق الناشط، بداية، أن المنصة الإلكترونية تعمل تحت طائلة القانون ولها تراخيصها وملتزمة بحماية المعطيات الشخصية أخلاقيًا وقانونيًا، مبينًا أن الخطوط الهاتفية للتواصل تخضع لمراقبة الدّولة.

وأوضح أن الهدف الأساسي من هذه المبادرة هو تقديم خدمات صحيّة نفسية عن بعد لعموم التونسيين وخاصة لأولئك الذين لا يستطيعون التنقل هذه الأيام والذهاب للمختص النفساني، وأيضًا لذوي الاحتياجات الخصوصية والشباب والمراهقين والأولياء فيما يتعلق بأبنائهم الصغار والتغيرات التي يمكن أن تكون قد طرأت على سلوكهم جرّاء الحجر الصحي الذي حدّ من حريتهم ونشاطهم.

غيث السوسي: "الكورونافوبيا" هو الخوف من الكورونا وتوقع دخولها للمنزل عبر كل شيء وعادة ما تصيب أولئك الذين يعيشون من قبل عزلة أو وحدة

وأفاد أنّ توقيت عمل المنصة هو من منتصف النهار إلى منتصف الليل يوميًا من دون توقّف وعلى امتداد كامل أيّام الأسبوع، مضيفًا أن فريق العمل هم أخصائيون نفسانيون متخرجون من الجامعة التونسية بدرجة الماجستير، ملاحظًا أنهم يتلقون يوميًا مئات المكالمات.

فريق عمل منصة المساعدة النفسية "أحكيلي"

 

وفي هذا الجانب، واصل السوسي أن عدد المكالمات يشهد ارتفاعًا مقارنة بالأيام الأولى للحجر الصحي العام ببلوغ سقف حوالي 200 مكالمة في اليوم من الشريحة العمرية بين 18 و40 سنة ممن يتراوح مستواهم التعليمي بين التعليم الثانوي والتعليم العالي، مع ملاحظة أن أغلبهم من جنس الإناث.

المشاكل النفسية مع أزمة الكورونا

أفاد محدثنا أن المواضيع المطروحة على المختص النفساني تتعلق أغلبها بالخوف من المجهول، ومن الأيام القادمة أو من فترة ما بعد الكورونا، عدا عن المشاكل الزوجية المترتبة عن الحجر الصحي وأسئلة الأطفال المتعلّقة برجوعهم للدّراسة وموعد عودتهم لمطلق حريّتهم.

أما حول طبيعة الأضرار النفسية الحاصلة للتونسيين المدوّنة من فريق "أحكيلي"، فهي تتمثل بالأساس في ارتفاع نوبات الهلع المتأتّي من الإفراط من الخوف من المستقبل وظهور ما يسميه علم النفس اليوم بـ"الكورونافوبيا"، وهو الخوف من الكورونا وتوقع دخولها للمنزل عبر كل شيء وعادة ما تصيب أولئك الذين يعيشون من قبل عزلة أو وحدة.

اقرأ/ي أيضًا: يوميات التونسي في زمن الكورونا.. الدفء العائلي في مواجهة كآبة الحجر الصحي

كما أوضح السوسي أن الاكتئاب بات ظاهرة نفسية لدى المتدخلين مشيرًا إلى أنه أصاب الأشخاص الذين كانوا يمارسون أنشطة فيها حركة وتمنحهم شعور بأنهم منتجون. كما تمت معاينة تغير سلوك الأطفال بتغير روتينهم اليومي، فأصيبوا بالإرباك فأصبحوا عنيفين ويتبوّلون لا إراديًا، وهو أمر طبيعي جرّاء استشعارهم للخطر وتمضية أغلب الوقت دون نشاط مدروس، وفق محدثنا.

الأخصائي النفسي غيث السوسي مُطلق منصة "أحكيلي"

 

وبخصوص الحلول أو المساعدات النفسية التي يقدّمها فريق "أحكيلي" للمتصلين، فهي ترتكز بالأساس، وفق الأخصائي النفسي، على بثّ الأمل في النفوس ومحاولة التخفيض من منسوب الخوف المبالغ فيه ومرافقة الحالات مرافقة علمية بالتصرّف في الأزمة النفسية التي يعيشها المتدخل عبر تبويبها وإعادة ترتيبها من أجل الحدّ من تطوّرها.

وأوضح الناطق باسم فريق المنصة الهاتفية أنهم على إطلاع على التجارب المثيلة في بعض البلدان الأوروبية وأيضًا على إطلاع على منشورات المنظمة العالمية للصحة فيما يتعلق بالرعاية النفسية أيّام الحجر الصحي العام.

نصائح نفسية خلال أيّام الحجر الصحّي

تقدم منصة "أحكيلي" نصائح مجانية للمتصلين يستعرضها الإخصائي النفسي غيث السوسي عبر "ألترا تونس"، وفي مقدمتها إحداث روتين جديد خلال أيام الحجر الصحي العام، وعدم تغيير دورة النوم، وممارسة رياضة المشي داخل المنزل وعدم تغيير النظام الغذائي وجعله أكثر توازنًا مع المحافظة على جزء من العادات اليومية.

 يُنصح بعدم الإفراط في متابعة الأخبار، والتواصل مع الآخرين من أهل وأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل نيل الإحساس باستمرارية الحياة

ويضيف أنه يُنصح بالمزيد من المودّة بالنسبة للأطفال وتجنب تعنيفهم وتخفيف توترّهم الذي لا يستطيعون التعبير عنه مع رسم جدول يومي لأنشطتهم، وعدم الالتفات إليهم كثيرًا رغم القرب.

كما يُنصح بعدم الإفراط في متابعة الأخبار، والتواصل مع الآخرين من أهل وأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل نيل الإحساس باستمرارية الحياة.

وبيّن الناطق باسم منصة "أحكيلي"، في ختام حديثه لـ"ألترا تونس"، أن هذه النصائح من شأنها أن تزيح حالات العنف والضغط والتوتّر كما تضعف منسوب الاكتئاب لدى عموم الناس.

وقال إن البشرية قاطبة تمرّ بأسوأ التجارب النفسية وبالتالي على الجميع الاستعداد للتعاطي مع المخلفات والندوب والآثار النفسية التي ستتركها أزمة الكورونا سواء في الفرد أو المجموعة

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيروس كورونا: أي أثر على الميديا في تونس وحول العالم؟

بين الرقص والغناء.. كيف تفاعل التونسيون مع حظر التجول؟