​الرئيس و

​الرئيس و"شعبه العظيم"

يحق التساؤل ما إذا كان الشعب العظيم حقيقة أم "تخيلًا"

 

مقال رأي

 

أولًا: في الكتابة عن الرئيس

لا بد في مستهلّ هذا المقال أن أشير إلى أني أكتب مقالي الثالث عن قيس سعيّد المترشح للانتخابات الرئاسية ثم رئيس الجمهورية. تناول المقال الأول الاستراتيجية الاتصالية لقيس سعيد الفائز بالدور الأول للانتخابات الرئاسية، فيما كان موضوع المقال الثاني الاتصال الرئاسي بعد أن فاز قيس سعيد في الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية بنتيجة باهرة أعطته شرعية قد تكون استثنائية في التاريخ السياسي للبلاد.

وها أنا أكتب للمرة الثالثة كما قلت محاولًا مرة أخرى تفكيك المنظومة الاتصالية التي جعلت من هذا الرجل السياسي غير التقليدي رئيسًا للدولة العربية الوحيدة المصنّفة ديمقراطية في العالم حتى وإن كانت هذه الديمقراطية غير مكتملة حسب المؤشر العالمي السنوي للديمقراطية الذي تصدره مؤسسة "ذي أكونوميست" الذي يصنف تونس في المرتبة 53 في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: الرئيس والاتصال.. قراءة في الاتصال السياسي لقيس سعيّد

ثانيًا: في الخطاب كطقس من طقوس الرئاسة

موضوع هذا المقال إذًا هو الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية، يوم الثلاثاء الماضي، 17 مارس/آذار 2020، في سياق أزمة فيروس "كورونا"، ويأتي الخطاب في وقت كان فيه مواطنون وصحفيون ومحللون في البرامج الإذاعية والتلفزيونية (أو ما يسمّى "الكرونيكور") يتساءلون عن غياب رئيس الجلمهورية، وعن الأسباب الذي جعلته لا يتكلم في موضوع هذه الأزمة. ولا بد من الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية لا يبدو أنه يحظى بدعم بحزب (إعلامي) في الميديا (le parti médiatique)، وهو الحزب الذي خدم شخصيات سياسية أخرى قبله.

يمثل الخطاب واجبًا أساسيًا يمارسه رئيس الدولة في مناسبات مخصوصة كعيد الاستقلال والأعياد الدينية لأن عليه أيضًا أن يكون مقتصدًا في كلامه للشعب حتى لا يفقد قوته الرمزية

ولا شك أن الخطاب الرئاسي تمرين حساس جدّا بما أنه واسطة بين الرئيس وبين الشعب كله على خلاف التصريحات الأخرى التي يمكن أن يدلي بها في إطار أنشطته الروتينية. فالخطاب هو طقس من الطقوس (Rituels) التي تصبغ الوظيفة الرئاسية وتعطيها ألقها وتجعل منها مؤسّسة سياسية وسيادية ورمزية ذات شأن عظيم في الحياة السياسية لأن رئيس الدولة هو رمز، وبهذا المعنى أيضًا يصبغ كل رئيس الوظيفة الرئاسة بأسلوبه الخاص به.

يمثل الخطاب إذًا واجبًا أساسيًا يمارسه الرئيس في مناسبات مخصوصة كعيد الاستقلال والأعياد الدينية لأن عليه أيضًا أن يكون مقتصدًا في كلامه للشعب حتى لا يفقد قوته الرمزية وحتى لا يفقد أيضًا الرئيس هالته (aura) بسبب الثرثرة المتواصلة. ومن هذا المنظور، فإن التوقيت الجيد (متى يجب أن يتكلم الرئيس) ليس بالعملية الهينة لأنه لا يخضع إلى وصفة جاهزة يستمدها المستشارون من كتب الاتصال السياسي.

ثالثا: ما الجديد في خطاب يوم الثلاثاء؟

يأتي خطاب الثلاثاء الماضي في سياق مخصوص وخطير: أزمة فيروس "كورونا"، وهي أزمة في الوقت ذاته عالمية وتونسية لم يسبق لها مثيل ولم تعش الأجيال مثلها في العقود الماضية، وهي أزمة ذات نتائج وخيمة على الأفراد والمجتمعات وعلى الاقتصاد والمجتمع خلقت حالة فريدة من الخوف بل ومن الهلع أيضًا. وفي هذه السياق بالذات، للسلطة السياسية دور أساسي لأنها تجد نفسها أمام امتحان عظيم، امتحان الإدارة الجيدة للأزمة وحماية التونسيين من أخطارها. تمثّل الأزمة رهانًا بالنسبة للجميع، وهي كذلك بالنسبة إلى السياسيين الذي يمسكون السلطة: رهان القيادة الجيدة والحكيمة والناجحة.

عند إعلان قرار حظر التجول، لم يقل الرئيس قد" قررت" أو قد "قررنا" بل إنه قدم القرار على أنه استجابة لتطلعات الشعب

لا شك أن خطاب يوم الثلاثاء الماضي يعبّر عن استمرارية في الأسلوب: التواصل الأفقي مع الشعب. وعلى هذا النحو، يمكن أن نفسر كيف امتنع رئيس الجمهورية عن استخدام ضمير المفرد (أنا) ولا حتى بضمير الجمع للمفرد (نحن). فعند إعلانه عن قرار حظر التجول الجزئي، لم يقل الرئيس "قد قررت" أو قد "قررنا" بل إنه قدم القرار على أنه استجابة لتطلعات الشعب. يقول قيس سعيّد "بالتأكيد إنكم تتطلعون إلى إجراءات إضافية أخرى، ومن بين الإجراءات التي يقتضي هذا الظرف اتخاذها حظر الجولان بداية من يوم غد من السادسة مساءً إلى السادسة صباحًا وقد تم إصدار الأمر اليوم إلى قواتنا المسلحة العسكرية وإلى قوات الأمن الداخلي للقيام بدورية مشتركة في كامل تراب الجمهورية".

اقرأ/ي أيضًا: في المناظرات التلفزيونية وأفكار أخرى في علاقات الصحافة بالسياسة

في المقابل، كان يتحدث رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بصيغة ضمير المفرد (أنا) ليقول إن من واجبه أن يخاطب الشعب وطمأنته، كما طالب الجميع بالمساهمة في المساعدة وهدّد باستخدام القوة العامة لتطبيق إجراء الحجر الصحي وكرّر مرات عديدة القرارات التي أقرّها. كما تحدث رئيس الحكومة باللهجة الدارجة التونسية أو بمزيج من العربية الفصحى والدارجة، وقد تكون هذا خيارات رئيس الحكومة في الأسلوب الاتصالي لإثبات ذاته وسلطته.

رابعًا: الأسلوب "الشعبوي" خير لا رجعة فيه؟

لا يبدو أن قيس سعيد يرغب في مخاطبة التونسيين كقائد حرب أو كزعيم حتى إنه لا يتحدث عن نفسه أبدًا في خطاب يوم الثلاثاء. لنحاول أن نفهم الآن لماذا يحافظ قيس سعيّد على أسلوبه؟

لقد طوّر قيس سعيّد، المترشح في الانتخابات الرئاسية، أسلوبًا اتصاليًا خاصًا كان من بين أسباب عديدة ضمنت نجاحه الانتخابي الباهر: رفض التمويل العمومي لحملته على غرار المرشحين الآخرين، واقتصد في حضوره في البرامج الإخبارية التلفزيونية والإذاعية باحثًا عن تطوير صورة السياسي غير النمطي والتمايز عن النخب السياسية والمترشحين التقليدين. ولم تقف إستراتيجية التمايز عند هذا فقط، بل تجاوزت ذلك إلى المضمون لأن المرشّح قيس سعيّد لا يحمل برنامجًا ككل المترشحين لأن برنامجه هو "ما يريده الشعب".

 يمكن أن نقول إن قيس سعيًد قد ابتكر أسلوبًا خاصًا به يميزه عن الآخرين لا فقط في الخطاب السياسي، ولكن أيضًا في الاتصال السياسي

هكذا يقدم قيس سعيد نفسه على أنه مبتكر سياسي جديد لأنه ليس سوى وسيط (medium) الشعب أو بمعنى  آخر ترجمانه. وبهذا المعنى، قيس سعيّد في السياسة هو أولًا وقبل كل شيء أسلوب سياسي (un style politique) قبل أن يكون أي شيء آخر. والأسلوب هو غاية في الأهمية بشكل عام لأنه يشي بما عليه الإنسان، فما يُقال الأسلوب هو الإنسان (Le style c'est l'homme).

وعلى هذا النحو، يمكن أن نقول إن قيس سعيًد قد ابتكر أسلوبًا خاصًا به يميزه عن الآخرين لا فقط في الخطاب السياسي، ولكن أيضًا في الاتصال السياسي. ويقوم هذا الأسلوب على العلاقة الأفقية بينه وبين الشعب. لا يريد أن يكون قيس سعيّد قائدًا يملي على الشعب ما يريد، لا يريد أن يكون ديماغوجيًا بالمعنى الأصلي للكلمة قائدًا (AGO) للناس (demos)، ولكنه يريد أن يكون محبًا لـ"الشعب" (Populos) وغير متعال عن الناس.

اقرأ/ي أيضًا: الوباء مناخ خصب للمؤامراتية الفجة والانقلاب النمطي

ومن هذا المنظور، يظل قيس سعيّد "شعبويًا" على طريقته حتى وهو في رئاسة الجمهورية. ولنكن واضحين هنا فيما يتعلّق بدلالات استخدام هذا المصطلح، فالشعبوية ليست شتيمة أو استنقاصًا من مكانة من يوصف بها، فالشعبوية هنا من منظور العلوم السياسية هي أسلوب في ممارسة السياسة أو خطاب سياسي مخصوص أو حتى "أيديولوجيا" أو إستراتيجية في العمل السياسي، تتمثل، في كل الأحوال، في استدعاء الشعب كوحدة وكيان متجانس وكمصدر أساسي أول  للشرعية ومقياس كل شيء. هكذا يريد أن يكون قيس سعيّد مؤمنًا بالشعب وبقوته وبقدرته وليس ملهمًا له.

إن الأسلوب الأفقي في مخاطبة التونسيين والذي لا يجعل منه القائد التقليدي الذي يسير بالشعب في النهج الذي يريده وقائد حرب الذي "يقود البلاد إلى بر الأمان" كما تصرّف الرئيس الفرنسي مانول ماكرون في خطابه الأخير من قيس سعيّد الرئيس حبيس قيس سعيّد المترشح للانتخابات الرئاسية وسجين النموذج الاتصالي الذي اختبره في الحملة  الانتخابية، نموذج السياسي "الشعبوي" الذي يمارسه على طريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد لأن السياسيين الشعوبيين يحبذون في أغلبهم الأسلوب  الزعاماتي الكارزماتي. 

الشعب العظيم والشعب الحقيقي

في خطاب يوم الثلاثاء، خاطب قيس سعيد التونسيين بنبرة صوت عادية لا تتضمن تخويفًا أو تهويلًا. يبدو الرئيس وكأنه يخاطب شعبًا عقلانيًا مدركًا إدراكًا كاملًا لواجباته لأن "الحل الناجع والحقيقي هو بأيديكم" كما يقول. أما عدم احترام التراتيب التي وضعتها الحكومة وعدم الانضباط بطريقة تلقائية و"الاستخفاف" و"عدم الاكتراث"، فهي ليست من جوهر الشعب العظيم ولكنها رواسب من الماضي "بدأ شعبنا العظيم يتجاوزها وقد أظهر ذلك في العديد من المناسبات التي صنع فيها التاريخ" كما جاء في الخطاب الرئاسي. وعلى هذا النحو،إن كل السلوكيات غير المنضبطة التي يشتكي منها البعض هي ليست من الشعب ولا من جوهره الخالص الحقيقي.

لا شك أن كل من يستمع إلى الرئيس يتحدث عن "الشعب العظيم" يحق له أن يتساءل ما إذا كان الشعب العظيم حقيقة أم "تخيلًا"

ولا شك أن كل من يستمع إلى الرئيس يتحدث عن "الشعب العظيم" يحق له أن يتساءل ما إذا كان الشعب العظيم حقيقة أم "تخيلًا" (fiction)، فمن الواضح أن قيس سعيّد ككل السياسيين له "شعبه العظيم الخاص" الذي يتحدث إليه. فكلّ سياسي ينظر إلى الشعب على طريقته ويعرّفه من منظوره الخاص: الشعب المسلم المتعلق بثوابته أو الشعب غير الواعي الذي صوت ضد مصالحه كما يردد بعض الخاسرين للانتخابات التشريعية والرئاسية أو الشعب الوفي لمحرره بورقيبة، وهل الشعب هو من اختار قيس سعيّد رئيس له أم هو من عزف عن التصويت.

إن الشعب الواحد العظيم المتجانس والمفرد هو في الحقيقة "صناعة" وبناء أكثر منه واقعًا حقيقة، ولا شك أن هذا البون بين الشعب العظيم المتخيل الذي يخاطبه الرئيس وأوجه الشعب الأخرى يمكن أن يتجلى في تعليقات رواد صفحة رئاسة الجمهورية وهم ينتظرون خطاب الرئيس ثم تعليقاتهم بعد إلقاء الخطاب. هكذا يمثل الشعب موضوعًا يسعى السياسيون للاستحواذ عليه بإستراتيجيات متعددة، ويبدو أن إستراتيجية قيس سعيّد تتمثل في مواصلة مخاطبة التونسيين باعتبارهم "أحرارًا وحرائر" أو "شعباً عظيمًا" و"صانع التاريخ"  التزامًا منه بأن لا يكون أبدًا قائدًا لهم. 

لكن ما يستدعي السؤال هنا هل أن هذا الأسلوب يمكن أن يكون ملائمًا للوظيفة الرئاسية وخادمًا لمكانة قيس سعيّد الرئيس وشعبيته؟ وللإجابة عن هذا السؤال، قد يكون من الأفضل الالتفات إلى البرلمان وإلى الصورة التي يعطيها السياسيون عن أنفسهم عند كل عراك ينشب بينهم أو عند كل خلاف يطرأ داخل حزب. ويبدو أن قيس سعيد، كما تؤكد ذلك استطلاعات الرأي، لا يزال يحظى برأسمال لا بأس به من الإعجاب لدى التونسيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عراك السلطة في زمن الكورونا

الكورونا تريد!