عراك السلطة في زمن الكورونا

عراك السلطة في زمن الكورونا

لتكن هدنة ومبادرات حسن نوايا واضحة لنتجاوز هذه الأزمة وبعدها لكل حادث حديث

مقال رأي

 

في زمن مواجهة فيروس قاتل قدم من مقاطعة صينية لينتشر في أصقاع الأرض متحولًا إلى جائحة عالمية، في لحظة فارقة لها ما قبلها وما بعدها في العالم ستعيد قراءتنا ومراجعتنا وتصوراتنا في السياسة والاقتصاد والمجتمع وربما الفلسفة، في زمن الكورونا حينما نعيش معركة إنسانية جامعة أشبه بمعركة البقاء في فيلم هوليوودي، وربما هي كذلك، تبدو رغبتنا، جميعًا، في قراءة آخر الأخبار حول مستجدات انتشار المرض في إيطاليا، أو لمقال علمي حول الخصائص الجينية للفيروس، أكثر من رغبتنا في متابعة ما ظهر من صراع للمواقع بين الماسكين بالسلطة في تونس، ولكن مع تواصل هذا الصراع، في زمن الكورونا، وبشكل مفضوح أمام التونسيين والعالم، فتلك مصيبة يجب الوقوف عليها.

المشكل والمقلق حقًا في التوتر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، وربما مؤسسة البرلمان عمومًا، هو ظهور قيادات الدولة في هذه اللحظة العصيبة ليس في صف واحد أمام التونسيين

لا يخفى أن توترًا خفيًا تارة وظاهرًا تارة أخرى يسود العلاقة بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس البرلمان راشد الغنوشي منذ أشهر، خلاف حول تعيين رئيس الحكومة الأقدر، وتباين حول تركيبة التحالف الحكومي، وانتقادات علنية متبادلة (نقد الغنوشي لتخلّف سعيّد عن حضور مؤتمرات دولية مثلًا)، وخرجات اتصالية لرئاسة الجمهورية ظهرت "مقزّمة" لرئيس البرلمان (حادثة الأستاذ والطالب حول جدل تأويل فصل دستوري)، فجميع هذه الحوادث أظهرت أننا أمام علاقة غير وديّة بين الرجلين.

والتقدير المأمول أننا لسنا في معركة تخاطف أضواء وافتكاك مواقع وصراع أدوار بين الرجلين، فكلّ منهما في موقع سيادي في الدولة ويتحرّك، حتى الآن، في مجال دائرة الفعل السياسي حسب الصلاحيات الدستورية، بقدر ما هي مرحلة توجّس وحذر في التعامل بين رجلين انطلقت علاقتهما الشخصية المباشرة خلال الأشهر الأخيرة، ولازال كل منهما يحترز في نوايا الطرف الآخر تجاهه، وربما قد ساهم اختلاف التقدير السياسي لكل منهما حول تشكيل الحكومة في بداية عسيرة لمسار بناء الثقة.

اقرأ/ي أيضًا: الكورونا تريد!

ولكن وبعد إتمام مسار تشكيل الحكومة، وبينما كان المأمول تجاوز مظاهر العلاقة المتوترة، يبدو أننا لازالنا في مسار تصاعدي لتوتّر مثلت أزمة فيروس "كورونا" مناسبة له، في الوقت الذي كان ينتظر التونسيون، في مثل هذه اللحظة التاريخية، لحمة وطنية تظهر قادة الدولة صفًا واحدًا يدًا بيد. 

رئيس البرلمان، الذي يريد أن يتقدّم المشهد بتصعيد حيوي لدور رئاسة المؤسسة التشريعية على خلاف الدور الخامل والضعيف زمن محمد الناصر وذلك من منطق أن السلطة الفرعية هي محرّك النظام السياسي شبه البرلماني، أشرف، مؤخرًا، على اجتماع مكتب البرلمان مع رؤساء الكتل البرلمانية ووجه الدعوة لرئيس الحكومة للحضور، الذي تخلّف عن الدعوة فيما يبدو رفضًا المساهمة في حركة سياسية مقلقة بالنسبة لسعيّد، وقد ثبت فعلًا أنها أثارت حفيظته. وقد انتهى هذا الاجتماع ببلاغ يؤكد "على أهمية التدارك السريع للوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة" وأعطى "توصيات ومقترحات" للسلطة التنفيذية، فيما يبدو نقدًا خفيًا بالخصوص تجاه رئيس الجمهورية، ولرئيس الحكومة الفخفاخ الذي أصبح محسوبًا عليه، خاصة بعد أن تصاعدت موجة الانتقادات على مواقع التواصل ضده لعدم مخاطبته للتونسيين طيلة الأيام الأولى من الأزمة وعدم إعلانه لإجراءات "رادعة".

بعيد ذلك، استقبل سعيّد رئيس الحكومة وصدر بلاغ من رئاسة الجمهورية يؤكد على "ضرورة تكامل عمل مؤسسات الدولة لخدمة المواطنين واحترام كل سلطة لاختصاصاتها دون تداخل أو تضارب أو مضاربات سياسية" فيما ظهر لمزًا تجاه "تحرّكات" رئيس البرلمان. وفي خطابه للتونسيين، حمّل سعيّد المسؤولية للسلطة التشريعية لإصدار التشريعات اللازمة لمواجهة الأزمة متحدثًا عن جدولة للديون على سبيل المثال، وهو هنا يتوجه نحو الطبقة السياسية الحزبية التي انتقدها بشدة قبل أسبوع في كلمة بمدينة بنقردان، وكأنه يتوجّه للأحزاب أمام التونسيين لتقوم بدورها لتثبت أنها في "خدمة الشعب". وليناكف، في المقابل، نائب عن حزب رئيس البرلمان والحزب الرئيسي في الائتلاف الحكومي، أسامة الصغير، ويدعو سعيّد ليبادر هو بمبادرة تشريعية، حتى ظهرت هذه المبادرات الموعودة كأنها كرة نار يتقاذفها كل طرف.

 ألا يستدعي ملف كورونا إخضاعه لسلطة مجلس الأمن القومي الذي يصدر قرارات (الفصل 4 من الأمر الحكومي المنظم لهذا المجلس) بالنظر لخطورة الأزمة الحالية؟

إن التوتر بين الغنوشي وسعيّد، والفخفاخ ليس ببعيد عنه، لا ينكره أحد، بل إن النائب الثاني لرئيس البرلمان انتقد في حسابه على فيسبوك بلاغ رئاسة الجمهورية وتساءل "كيف تقوم بإعلام بقية دول العالم بخصومة داخلية بين السلطة التنفيذية والتشريعية" داعيًا رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان (سعيّد للإشارة يحترز على لفظ "الرؤساء الثلاثة" لأنه "لا يوجد إلا رئيس واحد هو "رئيس الدولة") إلى تجاوز خلافاتهم في هذه اللحظة التاريخية في مواجهة فيروس يهدّد صحة المواطنين.

اقرأ/ي أيضًا: الوباء مناخ خصب للمؤامراتية الفجة والانقلاب النمطي

المشكل والمقلق حقًا في التوتر بين رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، وربما مؤسسة البرلمان عمومًا، هو ظهور قيادات الدولة في هذه اللحظة العصيبة من تاريخ البلاد في مواجهة خطر مجهول زاحف، ليس في صف واحد بالشكل المطلوب بما لا يعطي رسالة وحدة للتونسيين الذين ظهروا متقدّمين، عبر مظاهر التضامن والتكاتف كما نقلت مواقع التواصل الاجتماعي، على المسؤولين. والخطير بالنسبة لسعيّد هنا هو أنه ظهر لدى جزء من التونسيين بأنه "جزء" من الطبقة السياسية، التي تُكال لها الانتقادات والشتائم، رغم أنه صعد من رحم هذا الغضب الشعبي تجاه هذه الطبقة السياسية الكلاسيكية، وهو الذي كان، والأكيد مازال، يُنظر إليه أنه عنصر متميّز وممايز عنها، ولا يوضع معها في كيس واحد. صورة سعيّد تتحوّل، ودون أن يشعر، إلى الذوبان لدى جزء من داعميه وأنصاره، ضمن صورة السياسي الذي يشبه الآخرين، أي مثلًا الذي يظهر مهتمًا بتسجيل النقاط السياسية أكثر من اهتمامه بالصالح العام.

والمثير للتحفظ، في هذا السياق، هو ظهور ارتباك إلى حد ما في اتخاذ الإجراءات لمواجهة "كورونا"، يخرج رئيس الحكومة ليعلن إجراءات، ثم تتداول وسائل إعلام أن رئيس الجمهورية سيلقي كلمة بعد 24 ساعة، لكن يخرج في اليوم اللاحق أي بعد يومين من كلمة رئيس الحكومة ليعلن حظر تجول جزئي. هل توجد خطة للتدرج في الإجراءات؟ هل يوجد برنامج واضح وعملي ومتفق عليه لتصاعد الإجراءات بحسب تطور الحالة الوبائية؟ لا يبدو ذلك. هل الملف من حيث الاختصاص بيد رئاسة الحكومة أم رئاسة الجمهورية من بوابة "الأمن القومي" أو "الخطر الداهم" (الفصل 80 من الدستور) أم موزع حتى الآن حسب الصلاحيات الدستورية لكل منها؟ لا إجابة واضحة ودقيقة. ألا يستدعي الملف إخضاعه لسلطة مجلس الأمن القومي الذي يصدر قرارات (الفصل 4 من الأمر الحكومي المنظم لهذا المجلس) بالنظر لخطورة الأزمة الحالية؟

تُلقى المسؤولية على رئيس الجمهورية للتدارك سواء فيما يتعلق بإدارة الأزمة بحسب صلاحياته الممكنة أو فيما يتعلق برفع أوجه التوتر مع بقية السلطات

تُلقى المسؤولية على رئيس الجمهورية للتدارك، سواء فيما يتعلق بحسن إدارة الأزمة بحسب صلاحياته الممكنة أو فيما يتعلق برفع أوجه التوتر مع بقية السلطات، لأنه ببساطة رئيس الدولة، وهو "الرئيس الوحيد" في البلاد كما يؤكد.

يجب أن تكون المبادرة من رئيس الجمهورية لتجاوز كل مظاهر التوتر مع بقية السلطات، بغض النظر عن مسؤولية كل طرف في هذا التوتر وفي أسبابه وفي دوافعه، باعتبار أن هذه اللحظة هي لحظة وحدة وطنية مقدسة تستدعي الترفع عن كل الحساسيات السياسية، والتي منها ماهو طبيعي من طبيعة الفعل السياسي والمزاحمة العادية في نظام ديمقراطي، ولكن يأبى التونسيون، الآن، أي رسالة في غير مقصدها أمام خطر يهدد الأمن القومي الصحي للبلاد. رئيس الدولة الذي يلزمه الدستور بالحفاظ على وحدة التونسيين يجب أن يبادر لإظهار رجال الدولة متوحّدين ومتضامنين غير متخاصمين، لتكن الآن هدنة ومبادرات حسن نوايا واضحة، لنتجاوز معًا هذه الأزمة وبعدها لكل حادث حديث.

 

اقرا/ي أيضًا:

عن المستهترين بقواعد التوقي من "كورونا"

نصف الوباء السلوك البشري: الاستخفاف والهلع