هل تكون اليمين الدستورية ورقة سعيّد الرابحة؟

هل تكون اليمين الدستورية ورقة سعيّد الرابحة؟

تختلف قراءات أساتذة القانون الدستوري للسيناريوهات المتوقعة في ظلّ غياب المحكمة الدستورية (فتحي بلعيد/ أ ف ب)

 

في انتظار توجيه رئيس الجمهورية قيس سعيّد دعوة إلى الأعضاء الجدد في حكومة هشام المشيشي الذين منحهم البرلمان الثقة، خلال الجلسة العامة المنعقدة الثلاثاء 26 جانفي/يناير 2021، تتصدر الواجهة تساؤلات حول السيناريوهات المتوقعة في حال رفض الرئيس توجيه دعوة إلى بعضهم، لاسيّما بعد كلمته الأخيرة خلال اجتماع مجلس الأمن القومي.

وكان سعيّد قد اعتبر أن "التحوير الحكومي لم يحترم الإجراءات التي نص عليها الدستور، وتحديدًا ما نص عليه الفصل 92 أي ضرورة التداول في مجلس الوزراء إذا تعلق الأمر بإدخال تعديل على هيكلة الحكومة، إلى جانب إخلالات إجرائية أخرى".

وشدد في هذا الإطار على أنّ "من تعلقت به قضية لا يمكن أن يؤدي اليمين"، مشيرًا إلى أن "أداء اليمين ليس إجراءً شكليًا بل هو إجراء جوهري".

في ظل وجود فرضية رفض استقبال الرئيس وزراء لأداء اليمين الدستورية، ومع غياب المحكمة الدستورية، تختلف قراءات أساتذة القانون الدستوري للسيناريوهات المتوقعة

وكانت منظمة "أنا يقظ" قد وجهت دعوة مفتوحة لنواب البرلمان، قبل يوم من جلسة التصويت على منح الثقة للفريق الحكومي الجديد، تحثهم فيها على رفض التصويت على الوزراء الذين تحوم حولهم شبهات.

وقد منح البرلمان، مساء الثلاثاء 26 جانفي/ يناير 2021، الثقة لـ11 وزيرًا شملهم التعديل الحكومي الذي كان أعلن عنه رئيس الحكومة هشام المشيشي.

اقرأ/ي أيضًا: الدعوات لتفعيل الفصل 80 من الدستور.. أي سيناريوهات منتظرة في تونس؟

ويقدّر متابعو الشأن السياسي أن التحوير الوزاري قد أبعد الوزراء المقربين من رئيس الجمهورية، وتم تعويضهم بوزراء قريبين من الأحزاب المكونة للحزام السياسي الداعم لحكومة المشيشي.

في ظل وجود فرضية رفض استقبال الرئيس وزراء لأداء اليمين الدستورية، ومع غياب المحكمة الدستورية، تختلف قراءات أساتذة القانون الدستوري للسيناريوهات المتوقعة، لاسيما في ظلّ عدم استقرار المشهد السياسي الراهن، سواء على مستوى الأحزاب السياسية، أو بين مؤسسات السيادة.

الإجراء المستحيل

وترى أستاذة القانون الدستوري هناء بن عبدة أن المسألة القائمة بين رئيسي الجمهورية والحكومة حول دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين من عدمها هي مسألة سياسية بالأساس، وحلّها ليس في الدستور.

وأضافت بن عبدة، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن "أداء اليمين الدستورية هو أحد الشروط الجوهرية لمباشرة المهام ولا يمكن تجاوزه أو تجاوز تسمية رئيس الجمهورية، على اعتبار أن تسمية الوزراء تتم بأمر رئاسي أيضًا".

هناء بن عبدة (أستاذة قانون دستوري): هناك قراءة فقهية تقول إن أداء اليمين إذا ما تعطّل لرفض من رئيس الجمهورية فهذا يعتبر من قبيل ما يسمّى "الإجراء المستحيل" ويباشر الوزراء بناء عليه مهامهم في انتظار انتفاء أسباب الاستحالة 

وتابعت أستاذة القانون الدستوري القول إنه: " في حال لم يتراجع رئيس الجمهورية عن موقفه، هناك قراءتان فقهيتان: القراءة الأولى تقول إنه لا يستطيع أيٌّ من الوزراء الذين سيتمّ إقصاؤهم من أداء اليمين الدستورية مباشرة مهامهم، وبالتالي يمكن لرئيس الحكومة أن يغيّر هؤلاء الوزراء، أو أن يعتمد وزراء النيابة في الحقائب الوزارية التي ستظلّ شاغرة".

أما القراءة الفقهية الثانية، وفق هناء بن عبدة، تقول إن أداء اليمين إذا ما تعطّل لرفض من رئيس الجمهورية فهذا يعتبر من قبيل ما يسمّى "الإجراء المستحيل" ويتمّ التعامل معه كإجراء لا يمكن أن يحصل، ويباشر الوزراء بناء عليه مهامهم في انتظار انتفاء أسباب الاستحالة (رفض رئيس الجمهورية أو أي سبب مادي كعدم وجود رئيس).

وأردفت محدثة "الترا تونس" القول: "تبقى هذه المسألة شأنًا سياسيًا، لاسيّما وأن نفس الفريق الذي سبق أن أسقط الحكومة السابقة لأن لدى رئيسها شبهات فساد، يأتي اليوم بفريق حكومي تشوب عددًا من أعضائه شبهات فساد أيضًا"، على حد قولها.

ولفتت إلى أن من الناحية الدستورية، رئيس الجمهورية مطالب بأن يستقبل هؤلاء الوزراء ويسميهم، لكن واقعيًا وماديًا، لا يمكن إجبار الرئيس على استقبالهم".

 وخلصت أستاذة القانون إلى أننا أمام خيارين إمّا أن يغيّر رئيس الحكومة موقفه ويغير الوزراء المعنيين، أو أن يغيّر رئيس الجمهورية موقفه ويقبل أداءهم اليمين الدستورية"، مستدركة القول إن ما نعرفه عن رئيس الجمهورية هو أنه من الصعب جدًا أن يغيّر موقفه، حسب تقديرها.

أداء اليمين إجراء جوهري أم شكلي؟

ومن جهته، شدد أستاذ القانون الدستوري أمين محفوظ على أن أداء اليمين الدستورية بالنسبة للوزراء الجدد هو إجراء جوهري وليس مجرّد مسألة شكلية، معتبرًا أن عدم أدائهم لليمين وتسميتهم عن طريق أمر رئاسي ينشر في الرائد الرسمي يعني آليًا استحالة ممارستهم لمهامهم صلب الحكومة، وتكون تبعًا لذلك كل أعمالهم باطلة.

أمين بن محفوظ (أستاذ قانون دستوري): أداء اليمين الدستورية إجراء جوهري ولا يمكن الاتجاه نحو عزل رئيس الدولة لأن وحدها المحكمة الدستورية بإمكانها ذلك

وتابع محفوظ القول، في تصريح لـ"الترا تونس"،  إنه لا وجود لنص دستوري يجبر الرئيس على استقبال وزراء في إطار التحوير الوزاري لأداء اليمين، وإنما يكون مجبرًا دستوريًا فقط عندما يكون هؤلاء الوزراء قد تمت تسميتهم في إطار حكومة كاملة منبثقة عن انتخابات"، وفق تقديره.

وبالحديث عن فرضية عزل الرئيس في حال رفض استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين، اعتبر أستاذ القانون أنه لا يمكن الاتجاه نحو عزل رئيس الدولة لأن وحدها المحكمة الدستورية بإمكانها ذلك، وبالتالي فإن الرئيس هو الذي يجتهد بخصوص قراءته لهذه المسألة.

اقرأ/ي أيضًا: مقترح حوار وطني.. محاولة افتكاك المبادرة من جديد في تونس

وانتقد محدث الترا تونس، في هذا السياق، عدم التوصل إلى إرساء محكمة دستورية إلى اليوم، فضلًا عن الضبابية التي تطوّق النصوص الدستورية المتعلقة بإجراءات تشكيل الحكومة، مستطردًا في هذا الإطار أن ذلك يحيل إلى مشروعية قراءة وتأويل رئيس الجمهورية للدستور، حسب رأيه.

معضلة دستورية وقانونية وسياسية

فيما يرى أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك أن رفض قبول أداء اليمين ستكون له تبعات قانونية أبرزها أن يكون الوزراء الجدد في وضعية غير دستورية وجميع قراراتهم غير قانونية ويمكن الطعن فيها أمام المحكمة الإدارية، في حال بلوغ مرحلة شد وجذب على المستوى السياسي يتم بمقتضاها تنصيب الوزراء ومباشرة مهامهم خارج الاطر الدستورية.

يبدو أن فرضية رفض الرئيس استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، لا تمثّل مأزقًا للمشيشي فحسب، بل هي أيضًا تقلق الأحزاب المكونة لحزامه السياسي

ودعا بن مبارك، في تصريح لإذاعة "موزاييك أف أم"، إلى ضرورة التسريع في إيجاد حل لما أسماها بـ"المعضلة الدستورية والقانونية والسياسية" التي ستكون خانقة في خال تمسك سعيد بموقفه، وفق تقديره.

ويرجخ أستاذ القانون الدستوري أن يكون قرار رئيس الجمهورية برفض أداء اليمين شاملًا لكامل قائمة التحوير الحكومي، وفق تقديره.

ما رأي الحزام الداعم للمشيشي؟

ويبدو أن فرضية رفض الرئيس استقبال الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية، لا تمثّل مأزقًا للمشيشي فحسب، بل هي أيضًا تقلق الأحزاب المكونة لحزامه السياسي.

ونبّه القيادي بحركة النهضة عبد اللطيف المكي من تبعات ذلك، مشددًا على أن "على رئيس الجمهورية ألّا يقوم بسابقة من شأنها إدخال البلاد في حرب التأويلات الدستورية والقانونية، لا سيّما في ظلّ غياب محكمة دستوري". 

عبد اللطيف المكي: على رئيس الجمهورية ألّا يقوم بسابقة من شأنها إدخال البلاد في حرب التأويلات الدستورية والقانونية

وأضاف المكي، في تصريح لإذاعة "موزاييك أف أم"، أن قبول رئيس الجمهورية استقبال الوزراء لأداء اليمين الدستورية سيكون مبادرة طيبة من رئيس الدولة ويكون دافعًا للحوار والتفاهم"، مردفًا: "نحن في حاجة إلى كل جهد سياسي من أجل السيطرة على الأزمة الاقتصادية والصحية".

وأكد القيادي بحركة النهضة أنه لا يمكن الوصول إلى أي حل سياسي للصراعات الراهنة دون حوار، حسب تقديره، مصرحًا بأن "من سيتنازل فإنه تنازل لصالح تونس".

ومن جهته، أكد النائب عن حزب قلب تونس عياض اللومي إن الائتلاف الحكومي قد يلجأ للمحكمة الإدارية لإلزام رئيس الجمهورية بقبول أداء اليمين الدستورية لكل الوزراء الجدد في حكومة هشام المشيشي.

واعتبر اللومي، في تصريح لإذاعة "ديوان أف أم"، أن "أداء اليمين الدستورية للوزراء الجدد هو مجرد إجراء شكلي". 

 

اقرأ/ي أيضًا:

جلسة منح الثقة للوزراء الجدد.. مأزق المشيشي

المشيشي وتحويره: من وسادة القصر إلى وسادة البرلمان